أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » فاطمة حمزة وثورة الأمومة / طالما لم تتزوج فلا يحق للأب خطف الولد من والدته
فاطمة حمزة وثورة الأمومة

فاطمة حمزة وثورة الأمومة / طالما لم تتزوج فلا يحق للأب خطف الولد من والدته

قصة فاطمة حمزة تشبه غيرها من قصص النساء في بلادنا، التي تحكمها القوانين الدينية المذهبية في أحولهن الشخصية. فاطمة لبنانية، متزوجة، ولها إبن واحد. زوجها تزوج عليها، وأنجب، من دون ان يطلّقها، مع انها طلبت ذلك. طردها من البيت الزوجي؛ وبعد ذلك “إستدعاها” إلى “بيت الطاعة”. إبن فاطمة تجاوز العامين، وبحسب قوانين القضاء الديني الجعفري، يحق لأبيه أن ينتزعه من أمه، وأن يُسكنه مع عائلته الجديدة وزوجة أبيه. وهكذا صار: طالب الزوج بالإبن، رفضت الأم تسليمه، فكان قرار المحكمة الدينية بأن تُسجن فاطمة لمدة ستة أشهر، عقاباً لها. فاطمة تمسّكت بحقها وواجبها كأم بحضانة إبنها. فحصل ما حصل، ولأول مرة في تاريخ الجمهورية: رفضت تسليم إبنها، فاقتيدت الى مخفر الغبيري، وسُجنت وراء قضبانه.

حملات التضامن مع فاطمة لم تلبث أن تحرّكت على الأرض ومواقع التواصل والإعلام. جمعيات نسائية، أفراد من النساء، أو من أهلها؛ ثم إعتصام عشرات من النساء، معهن نفرٌ من الرجال، عند مدخل المخفر، للمطالبة بالإفراج الفوري عنها. لم تدُم الحملة خمسة أيام، خرجت بعدها فاطمة تدعو الأمهات إلى التمسّك بحقهن في إحتضان أولادهن، معلنةً “الآن بدأت ثورتي على الظلم ضد المرأة”… انها أول صرخة أمومة، ويجب أن تسجَّل في حوليات الكفاح النسائي، اليومي و”العادي”، لحماية أمومتهن من القوانين الدينية الجائرة.

في الإعتصام التضامني مع فاطمة، قالت إحدى المشتركات الغاضبات: “هل كان يمكن ان نشهد على ثورة كهذه قبل مئتي عام؟!”. وهذه المتضامنة، تسجل هنا واحدة من الخيوط الأساسية التي جعلت إمرأة مثل فاطمة حمزة تخوض ميدانياً، أولى معارك حقوق الأمومة. فقبل مئتي عام، أو حتى مئة عام، لم يكن ممكناً أن تجد تلك الخيوط: أولاً عائلة وبيئة فاطمة متضامنتَان معها. أمها أخبأت الولد عن عيون المتربّصين. أختها محامية، وهي وكيلتها في دعواها في المحاكم الدينية. أما فاطمة نفسها، فهي إمرأة عاملة، أي مستقلة اقتصادياً، بوسعها إتخاذ قراراتها. قبل مئتي أو مئة عام، ما كان لهذه الخيوط أن تتوّفر. كانت النساء قابعات خاضعات، صامتات، يتلقّين القهر كله، باعتباره جزءاً من قدرهن.

 

في الإعتصام التضامني نفسه، كان هناك خليط من النساء المحجّبات، والأخريات السافرات. ونحن طبعاً نفترض بأن حجاب المحجّبات هو إشارة إلى إيمانهن الديني. سواء لبسْنه قسراً أو طواعية. ومع ذلك، فهن يقفن ضد قرارات محكمة دينية. ويطالبن بتغيير بند من بنود الحضانة التي يفرضها رجال الدين. وهذه المطالبة، قد تكون أول طريق الوعي النسوي، أو ربما ربعه. ما يعني ان المحجّبات، يمكنهن ان يلتقَين مع السافرات حول مسائل تخص النساء وحقوقهن. ومجرّد التفاعل حول قضية سن الحضانة عند الطائفة الواحدة، يمكن ان يشكل خطوة نحو اعتماد المحجبات المسلمات الخطاب التحرري الذي انطلق به لسان فاطمة، المحجّبة أيضاً، لدى خروجها من السجن.

ولكن هذا لا يكفي. فـ”الحملة الوطنية لرفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعية”، وهي الجمعية “المدنية” التي تابعت قضية فاطمة حمزة وناصرتها، هي كيان ضروري ولكنه غير كاف. إذ ينقصها متمِّمتان: الأولى، تخص قوانين الأحوال الشخصية كلها، وليس فقط بند الحضانة. وهذه القوانين، الدينية، تنطوي على مظالم أخرى بحق النساء: تعدّد الزوجات، الإرث، الطلاق، العنف الخ. صحيح ان رفع سن الحضانة هو مكسب للأمهات، ولكن تبقى البنود الأخرى، التي تهدر من حقوق الزوجات والأمهات. أما التتمة الثانية، فهي “وطنية”. فالنساء في جميع الطوائف واقعات تحت رحمة رجال الدين. قوانين أولئك الرجال هي المسيِّرة لحياتهن الشخصية. وإذا كان هناك من فروقات بسيطة بين الطوائف والمذاهب، مثل تلك التي أوردتها “الحملة”، حول رفع الطائفة السنّية لسنّ الحضانة إلى سبع سنوات للصبي، والمطالبة بالإقتداء بها، إلا أن هذا لا يلغي بنوداً إضافية، كفيلة بتخريب حياتهن. ما يعني ان النساء من جميع الطوائف اللبنانية يمكنهن الإنخراط في تحرّكات مشتركة لتعديل بنود أخرى من قوانين الأحوال الشخصية، المتروكة للشريعة الدينية.

نقطة أخيرة: لدى خروجها من السجن، شكرت فاطمة حمزة رئيس مجلس النواب نبيه برّي، على الجهود التي بذلها من أجل إطلاق سراحها. ولكنها أضافت أيضاً: “ان المطلوب ان يسعى برّي لرفع سن الحضانة لأن هناك مليون فاطمة حمزة”. وبهذا الطلب الأخير، تُلقي حمزة ضوءاً على قضية قديمة: علاقة السياسيين برجال الدين، أو العكس علاقة رجال الدين بالسياسيين. نظرياً، يفترض ان تكون الدولة ومؤسساتها ورجالاتها، فوق الجميع؛ وبرلمانها، الذي يرأسه نبيه بري منذ ربع قرن، هو المفترض به أن يشرّع. ولكن عملياً، هذه الدولة القائمة على نظام طائفي تحاصصي بنَتْ علاقة مشبوهة مع الأجهزة الدينية التابعة لكل طائفة، قوامها لكل سياسي رجال دينه. ولكن: ما هي طبيعة هذه العلاقة؟ من هو الأقوى؟ من الذي يفرض هيبته على الآخر؟ رجال السياسة أم رجال الدين؟ الذين يشرّعون لقوانين الجمهورية؟ أو الذين يشرّعون للقوانين الدينية؟ هل بوسع بري مثلا ان يلبّي حلم فاطمة حمزة، فيعمل من أجل رفع سن الحضانة؟ الجواب تجده في تلك الواقعة: الراحل السيد محمد حسين فضل الله، كان قد أصدر فتوى تؤيد حق الأم بحضانة إبنها حتى السابعة. ولكن فتوى فضل الله رُفضت، إذ حصل تباين بينه وبين القيادات السياسية الشيعية. واعتمدت فتاوي العراقي علي الحسيني السيستاني، الأكثر تشدداً، والمتناغمة مع بيئة عراقية، متخلفة إجتماعياً عن البيئة اللبنانية…

والنتيجة، ان تحقيق العدالة للنساء يمرّ باختراق النظام الطائفي، وتفكيكْ تلك العلاقة غير المستقيمة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.

المصدر: المدن – دلال البزري