أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » إياد الجعفري : سورياً:ترامب يساوي أوباما

إياد الجعفري : سورياً:ترامب يساوي أوباما

تُوحي تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، خلال حملته الانتخابية، وبعيد انتخابه، أنه سيعزز الانعزالية التي انتهجها باراك أوباما، في سياسة بلاده حيال الملف السوري تحديداً، بما يفضي إلى تعزيز النفوذ الروسي في تلك البقعة من الشرق الأوسط.

 

لكن مراجعة معمقة لتاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، يُفضي إلى نتيجة أخرى، مفادها أن التحديات المستجدة خارجياً، هي التي تفرض على الرئيس الأمريكي، شكل السياسة التي سيعتمدها حيال تلك التحديات، وليس العكس.

 

وفي الوقت الذي يتحدث فيه دونالد ترامب عن وقف تسليح المعارضة السورية، والتركيز على محاربة “داعش”، والتعاون مع الروس في ذلك.. يبدو أن تحديات من قبيل تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، والحاجة إلى استعادة الثقة مع تركيا، ستفرض على ترامب، ربما، تغيير المعالم التي ارتسمت لمواقفه حيال النزاع في سوريا.

 

بدايةً، دعنا نقرّ بأن ترامب يقدم قراءة تنحو إلى الانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية. لكن من قال بأن أوباما لم يكن انعزالياً في هذا المجال. ورغم أن تصورات أوباما لعهده قامت برمتها على الانعزال عن النزاعات في الشرق الأوسط، إلا أنه اضطر إلى التورط، أكثر من مرة، في هذه النزاعات، وبصورة عسكرية أيضاً.

 

يذكر التاريخ أن فرانكلين روزفلت، الرئيس الأمريكي الديمقراطي، وصلت الانعزالية في عهده، إلى مراحل متقدمة، حين تمت دراسة أسباب تورط الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الأولى، بغية تجنب تكرار هذا التورط.

 

ورغم إدراك روزفلت لخطر هتلر، حتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، إلا أن انعزاليته غلبت على ردود فعله، فلم يتجاوب مع مخاوف حلفائه الأوروبيين، واكتفى بخطابات تحذيرية، بالتوازي مع مساعٍ لتسريع برامج التسليح الأمريكية.

 

لاحقاً.. كان روزفلت الشخص الذي ساهم بتوريط بلاده، تدريجياً، في أتون الحرب العالمية الثانية.. فقد فرض حصاراً على اليابان في المجال النفطي والمواد الأولية، وألزم البحرية الأمريكية بالصراع ضد الغواصات الألمانية التي تعكر حرية التجارة عبر الأطلسي، ودعم الحلفاء الأوروبيين، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف، إلى الصدام مع اليابان وألمانيا.

 

وراوغ روزفلت الرأي العام الأمريكي، المنقسم، في بداية التورط الأمريكي في الحرب، فقال لهم “أولادكم لن يرسلوا في أي حرب خارجية”.. لكن لاحقاً، خسرت الولايات المتحدة أكثر من 400 ألف جندي أمريكي، في هذه الحرب.

 

وفيما تعد الانعزالية تقليداً تاريخياً في صميم الثقافة الأمريكية، حيال الخارج، ترجع إلى أول رئيس أمريكي، جورج واشنطن، الذي أيّد الانعزالية.. إلا أن نوع التحديات التي تنال من المصالح الأمريكية، عبر القارات، كانت دائماً المحدد لشكل استجابة الرئيس والإدارة الأمريكية المحيطة به.

 

وفيما يبدو أنها سمة شبه مستقرة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، تكون استجابة الرئيس الأمريكي والإدارة المحيطة به، للتحديات الخارجية، حتى الخطرة منها، بطيئة، باعتبار أنها لا تنال بشكل مباشر من المصالح الأمريكية.

 

لكن لاحقاً، حالما يتضح مقدار الخطر، تتسارع ردة الفعل تلك، وتنقلب سياسة الرئيس الأمريكي، ذاته، بحسب طبيعة التحدي.

 

انطبق ذلك على فرانكلين روزفلت، الذي تعامل مع الخطر الذي يمثله هتلر، بشكل متأخر وبطيء، ليصبح لاحقاً، أبرز صقور السياسة الأمريكية في دفع بلاده نحو الحرب ضد هتلر.

 

كما تجلت تلك السمة في عهد هاري ترومان أيضاً، الذي كان أقل إدراكاً للخطر السوفيتي في البداية، مقارنة بحلفاء أمريكا من الأوروبيين. ولم تتأثر إدارة ترومان برسالة شهيرة، لـ دبلوماسي أمريكي، كان يعمل مستشاراً للسفير الأمريكي في موسكو، عام 1946.

 

ذلك الدبلوماسي، كان جورج كينان، الذي نصح إدارته في واشنطن، بـاحتواء التمدد السوفيتي، حول العالم، بـ “قوة مضادة”.

 

وبعد سنة، عام 1947، اتضحت مخاطر الاندفاعة السوفيتية بالنسبة للأمريكيين، فقررت الولايات المتحدة الأمريكية أخذ الزمام من أجل كبح تلك الاندفاعة، تحديداً، نحو الشرق الأوسط، وموراده النفطية. وكان ترومان ذاته، عرّاب بدء الحرب الباردة بين القطبين العالميين، حينها.

 

وفيما يبدو أنها سمة شبه مستقرة في السياسة الخارجية الأمريكية، أيضاً، لا تتغير تلك السياسة، تجاه ملفات محددة، مع تغير الرؤساء والإدارة المرافقة لهم، إلا في حال تغيّر طبيعة التحديات في تلك الملفات المحددة.

 

وكمثال.. خلفاء ترومان، من الجمهوريين، (أيزنهاور حتى نهاية عقد الخمسينات)، لم يغيروا الكثير في الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة الاندفاعة السوفيتية حول العالم، رغم شعاراتهم التي رفعوها، والتي كانت تتحدث عن انتقالهم من مرحلة الاحتواء إلى الردع.

 

ولم تتغير السياسة الأمريكية التي أسسها ترومان، لمواجهة السوفييت، في الستينات أيضاً، بل وصلت ذروتها في حرب فيتنام.

 

نكسة فيتنام، تسببت بضعف دائم للقوة الأمريكية خلال السبعينات، وتعرض الاقتصاد الأمريكي لأول عجز في تاريخه منذ العام 1897، واضطرت السلطات الأمريكية إلى خفض قيمة الدولار، فكانت النتيجة، بدء خطوات من الانفتاح الأمريكي، على السوفييت، وعلى الصين، كان هنري كيسنجر، عرّابها. وتُوجت في عهد جيمي كارتر، الذي انتهج سياسة مثالية، تراهن على حل الأزمات بطرق أكثر أخلاقية.

 

بمعنى آخر، تغيّرت السياسة الأمريكية حيال السوفييت، بتغيّر طبيعة التحدّي المرافق لهذا الملف، وليس بتغيّر الرؤساء والإدارات المرافقة لهم.

 

والملاحظ في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، أنها تتغير حيال ملف محدد، حتى في ظل الرئيس نفسه والإدارة المرافقة له، إن تغيّرت طبيعة التحدّيات في ذلك الملف.

 

فسياسة كارتر الهادئة، وُوجِهت بتمدد سوفيتي، الأمر الذي دفعه لأن يصبح أكثر حزماً في نهاية ولايته، ليليه ريغان، الذي كان في ولايته الأولى، من صقور المواجهة مع السوفييت، أما في ولايته الثانية، وبعد أن وصل ميخائيل غورباتشوف إلى سدة السلطة في موسكو، مع نهجه التصالحي مع الغرب، انقلب ريغان ليكون رجل سلام.

 

وبناء على ما سبق، ما دامت التحديات التي تنال من المصالح الأمريكية، في سوريا، هي ذاتها، دون تغيير، يجب ألا نتوقع تغييراً نوعياً في سياسة الإدارة الأمريكية المقبلة، تجاه سوريا.

 

لكن ما هي التحديات التي قد تفرض تغيراً في تلك السياسة؟.. قد يكون من أبرزها، وجود قوة سياسية معارضة، تملك القدرة على تقديم نفسها بشكل لائق على المسرح الدولي، بصورة تضطر معه الإدارة الأمريكية إلى تغيير استجابتها للتحديات، في الملف السوري.

 

هذا النوع من التحديات، يستطيع السوريون، من فصائل وقوى وشخصيات المعارضة، لو امتلكوا الإرادة، تنفيذه، بصورة قد تدفع الإدارة الأمريكية المقبلة إلى دراسة خيارات التعاون بجدية مع المعارضة، باعتبارها فصيلاً موحداً، وطرفاً حاسماً في المشهد الميداني السوري، لا يمكن التغاضي عنه.

 

بطبيعة الحال، هناك تحديات أخرى قد تؤثر في سياسات أمريكا حيال الملف السوري، لكنها في معظمها خارج إرادة السوريين، وتجعلهم في نهاية المطاف، ورقة للاعب الخارجي، لا طرفاً في اللعبة، في أقل تقدير.

 

عدا ما سبق، أي باستقرار التحديات ذاتها بالنسبة للأمريكيين في سوريا، سيكون عهد ترامب بالنسبة للسوريين، نسخة جديدة، بتعديلات تكتيكية، لا أكثر، مقارنة بسياسة سلفه، باراك أوباما.. وسيكون الحوار مع الروس، للجم تمددهم والإفادة من تورطهم، إلى جانب منع أي طرف من الانتصار، وضمان عدم غلبة الجهاديين.. الركائز المستمرة لتلك السياسة.

المصدر: المدن – إياد الجعفري

تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع