أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » د. محمد أحمد الزعبي: خواطر حول الطائفية وأخواتها

د. محمد أحمد الزعبي: خواطر حول الطائفية وأخواتها

الخاطرة الأولى ، نداء أخوي :

لقد دفعني لكتابة هذه الخاطرة  أن  بعض التعليقات من بعض القراء الكرام على ما نشرته على صفحتي في الفيسبوك قبل بضعة أيام ، بعنوان  ” نداء إلى الإخوة العلويين”  ، تمنيت عليهم فيه  ، أن يفكوا ارتباطهم  مع بشار الأسد  ، الذي دمر سوريا بشراً وحجراً  ، وقتل وشرد شعبها ، بيده وبيد عمرو  ( الروس والفرس ) معاً ، وتساءلت  في بضعة الأسطر التي كتبتها : ألا تدخل استعانة بشار الأسد  بالأجانب  ( الروس والفرس ) على بلده  ووطنه ( بما هو رئيساً وريثاً للجمهورية العربية السورية ) في باب ” الخيانة الوطنية  ؟ ! ” .

لقد اشتممت من بعض التعليقات النقدية على ما نشرته في الفيسبوك ، رائحة  الطائفية  ، ومن بعضها الآخر رائحة الشوفينية القومية ، رغم أن كلمات هذه التعليقات قد صيغت بلغة أنيقة وودية . فمثلاً ، لقد أشارت  كلمات إحدى هذه التعليقات النقدية ، إلى  أن الولاء لنظام بشارالأسد لايقتصر فقط على الطائفة العلوية ، وإنما  يشمل أيضاً كثيراً من أتباع الطوائف الأخرى ، وبالذات الطائفة السنيّة  ، وإذن فإن النداء برأيه ينبغي أن يوجه للموالاة بصورة عامة وليس إلى العلويين فقط .

من جهتي ، لاأنكر أن كثيراً من أتباع الطوائف الأخرى ( غير العلويين ) يقفون في خندق الموالاة مع النظام  ، وقد سبق لي أن شخّصت  هذه الظاهرة  في مقالة سابقة  منشورة على النحو التالي :

( تعتبر الطائفة العلوية هي العمود الفقري للموالاة ، ويعتبر العرب السنة هم العمود الفقري للمعارضة ، ولكن ما يكسو كلا من هذين العمودين الفقريين  من اللحم والدم والأعصاب وإنما يعود إلى كافة مكونات الشعب  السوري ، سواء أكانت من الأكثرية أو من الأقلية ) . 

 

الخاطرة الثانية  ، إشكالية ” الولاء المزدوج ”  :

نقصد بالولاء المزدوج ، الولاء للنقيضين في آن واحد ، كالولاء من جهة ، لحزب قومي ، عابر للولاءات الماقبل قومية ( البعث ،القومي السوري ،الناصرية ) ، أو لحزب أممي عابر للقومية       ( الشيوعي ، الإخوان المسلمين ) ، ومن جهة أخرى الولاء للقبيلة ، أو للطائفة ، أو للمنطقة الجغرافية ، حيث يتداخل هنا ، الخيار الذاتي (الولاء الحزبي مثلاً) مع الخيار الموضوعي  ( الولاء القبلي  مثلاً ) .

إن تساؤلات كثيرة وكبيرة تطرح نفسها في ظل هذه الإشكالية ( إشكالية الولاء المزدوج )، أبرزها التساؤلات التالية  : لماذا يختلف الناس  في رؤاهم وفي تفسيراتهم للأحداث والوقائع ؟ ،ومتى تستحق هذه الرؤية أوتلك صفة ” الموضوعية ” ؟ وما هي العوامل الداخلية والخارجية التي تتشكل في ظلها الأكثرية والأقلية ؟ ،وكيف يمكن في ظل هذه الرؤى المتعددة والمتباينة والمتداخلة الوصول إلى الحقيقة ، أو على الأقل الاقتراب منها ؟.

وفي توضيحنا لهذه التساؤلات السابقة ، ولاسيما التساؤل المتعلق بظاهرتي الأكثرية والأقلية نشير إلى أن كلاً  من هتين الظاهرتين غالباً ما يتغذى في مواقفه الاجتماعية والسياسية والثقافية  على مواقف الطرف الآخر ، وبالذات مواقفه من نظام بشار الأسد ، الذي دمغته المعارضة السورية ب  ” الخيانة الوطنية ” وذلك بسبب استعانته بالقوى الخارجية(الروس والفرس ) على أبناء وطنه ، وبسبب إطلاقه الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين ووصفه إياهم  ب” العصابات المسلحة ” كيما يجد تبريراً لسلوكه الدموي حيالهم . ( اللي بيقتل شعبو خاين ) .( لقد وثق المغني التقدمي سميح شقير حادث إطلاق الرصاص على تلاميذ درعا بأغنيته الشهيرة ” ياحيف ” ) .

هذا وإن هذه الإشكالية ( إشكالية الأكثرية والأقلية )  تحمل في طياتها – وفق رؤيتنا – إشكالية أخرى ، هي إشكالية مزدوجي الولاء ، الذين ( يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم ) سواء أكان ذلك عن وعي منهم أو عن غير وعي ( الإزدواجية اللاشعورية) . علماً أن هؤلاء  المزدوجي الولاء ، يجدهم المرؤ / الباحث   في  إطار كل من  البنية المركزية  للطرفين( الموالاة والمعارضة ) ، والتي وصفناها بالعمود الفقري ، وأيضاً في  البنية الطرفية  التي وصفناها ب ” الكسوة ” التي تكسو هذا العمود الفقري . ولدى الكاتب مثالان على هذا ” الولاء المزدوج ” ، هما :

المثال الأول :

لقد قدر لي أن ألتقي ذات يوم  بواحد من هؤلاء المزدوجي  الولاء ،  في أحد مؤتمرات المعارضة السورية في أحد الأقطار العربية ، والذي ( مزدوج الولاء ) يقدم نفسه عادة للآخرين على أنه معارض كبير لنظام عائلة الأسد . وعندما أشرت في حديثي معه ، الى البعد الطائفي  لحركة حافظ الأسد التصحيحية عام 1970 ، والتي جاءت على أنقاض ( إن لم نقل على أكتاف )، حركة 23 شباط 1966  التي هو أحد كوادرها ، انتفض  صاحبنا رافضاً هذا الرأي بشدّة  ، واستشهد على  صحة رؤيته ( عدم طائفية حركة حافظ الأسد التصحيحية !!) ، بأن فلانا وفلانا وفلانا  كانوا شركاء لحافظ الأسد في هذه  الحركة وهم  جميعاً من السنة وليسوا من  طائفة حافظ  .

لقد كان ماسمعته من هذا ” الرفيق ” كافيا لأن أتوقف عن متابعة النقاش  معه ، اعتماداً على قول الشاعر : ( فليس يصح في الأفهام شيء / إذا احتاج النهار إلى دليل ) .

المثال الثاني :                

كما و قدر لي أن ألتقي  بشخص  آخر( هو صديق لي )  من هؤلاء ” الرفاق ”  المزدوجي الولاء ،

وكان ذلك عام 1970 ، أي العام الذي رفض فيه حافظ الأسد قرار المؤتمر القطري لحركة شباط  وقا م بانقلابه العسكري على هذه الحركة ، وزج قيادتها ( بمن فيهم نور الدين الأتاسي وصلاح جديد ويوسف زعين ) (ولاحقاً الشخص المعني في هذا المثال نفسه ) في السجن  . وفي إطار حديثنا حول  هذا الموضوع ، سألته ( وهو محسوب على صلاح جديد ) عن إمكانية أن يقوم  حافظ الأسد ، بتسريح الضباط المحسوبين على صلاح جديد من الجيش بعد أن زج بصلاح نفسه في السجن ؟ وذلك خوفاً من أن يقوموا بانقلاب معاكس عليه ؟،  أجاب بلغة الواثق ، لا ، لايستطيع  حافظ تسريحهم ،( يعني مجموعة صلاح جديد ) ولما سألته عن السبب ، أجاب  صديقي المحترم ، ودون انتباه منه إلى البعد الطائفي الذي ينطوي عليه جوابه : لأنه إذا سرح  هؤلاء الضباط  سيصبح ضباط العراق ( يعني لاشعورياً السنة )  أكثرية في الجيش (!!) .أي جيش يارفيقي هذا الذي تتكلم عنه  بهذه الصورة المؤسفة ؟!. بدوري هنا  أوقفت النقاش مع هذا الصديق ، وأيضاً اعتماداً على قول الشاعر🙁 فليس يصح في الأفهام شيء / إذا احتاج النهار إلى دليل  )  

الخاطرة الثالثة  ، كل إناء بما فيه ينضح  :

إنه بالعودة قليلا إلى ” علم الإجتماع “ وأخيه في الرضاعة ” علم النفس ” لتفسير ظاهرة ازدواج الولاء عند البعض ، يقف المرؤ على فارق ملموس بين مفهوم ال ” فرد ” الذي هو مفهوم إحصائي بصورة أساسية ، ومفهوم ال” شخص”  الذي يشير إلى أن ذلك الفرد / الإنسان ، هو كائن مزود بحواس تؤهله على أن يظل ،  وعبر تجارب الحياة المختلفة ، خاضعا للتطورالذهني والأيديولوجي ، وجامعا للعلوم والمعارف والخبرات ، من المهد إلى اللحد ، والتي تصب جميعها في إناء ذلك الشخص الذي سوف  يظل ينضح منه مادام على قيد الحياة، عملاً بمقولة ( كل إناء بما فيه ينضح ) . هذا ولابد من الإشارة أيضاً، إلى أن  الكائن البشري ( الذي هو نحن ) عادة ما  يرث  في حياته وراثتين :  بيولوجية تتعلق بالكروموزومات ال 46 التي كونته  في رحم أمه ، و اجتماعية  تتعلق بكونه يعيش في إطار جماعة إجتماعية  ، قدمت له كل مستلزمات البقاء والتواصل صغيراً وكبيراً ( الرضاعة ، اللغة ،  الأسرة ، المدرسة ، الدين ، العادات والتقاليد ، الخ ) ، والتي  تصب جميعها في الإناء الذي يكوّن شخصيته ، والذي سوف ينضح  منه مواقفه وآراءه طوال حياته كما أشرنا .

إن الأمر لايتعلق هنا بالفارق المفاهيمي بين ” الفرد ” و ” الشخص ” فقط ، وإنما أيضاً بالفارق بين الدور الذي يلعبه كل من العاملين ، الموضوعي والذاتي في حياتنا وفي مجتمعاتنا ، من حيث أن الوجود الموضوعي ، لبعض الظواهر الإجتماعية لايعتير قدراً لازباً لايمكن تغييره ، والدليل على ذلك ، مانراه وما نلمسه من الفارق بين المجتمعات المتطورة والمجتمعات ناقصة التطور حيث لعب ويلعب العامل الذاتي( الإرادي)في المجتمعات المتطورة ، دوراً أكثر بروزاً مما هي عليه الحال في المجتمعات ناقصة التطور ، التي يعتبر لحاقها بالمجتمعات المتطورة مرهوناً بتفعيل العامل الذاتي ( الإرادي ) فيها .

الخاطرة الرابعة ، حافظ الأسد وصندوق الإقتراع :

يعتقد بعض  الأسديين أن أسدهم قد وصل إلى ” كرسي ” الرئاسة عن طريق صندوق الإقتراع (!!) حسناً ، فليستمعوا إذن إليّ هؤلاء الأسديون ، كشاهد عيان ، يأمل إنشاء الله أن يكون صادقاً:

في وقت  ما من أوقات  يوم الاستفتاء الرئاسي في سورية ، وأظنه كان يوم ١٢/٣/١٩٧١ ، قرع جرس باب بيتي الكائن في المساكن الشعبية الكائنة على طريق درعا – مزيريب ، وإذ بمحافظ درعا الأخ عادل حسون ( لاأعرف إذا كان مازال على قيد الحياة ) هو من قرع الجرس ، رحّبت به ، فبادرني بالقول ، أسرع بالقهوة ، نفذت رغبته ، وبينما كنت أحتسي وإيّاه القهوة  سألته ، ماخطبك ؟ ، أراك مضطرباً ؟ . فروى لي الأخ عادل حسون ( محافظ درعا ) مايلي :

يوجد في مركز المحافظة ، لجنة حزبية للإشراف على الاستفتاء الرئاسي ،الذي جرى / يجري  هذا اليوم  وعلى ، رأس هذه اللجنة السيد فلان  الفلاني عضو القيادة القطرية . بعد فتح صناديق الإقتراع ،وفرز محتوياتها ، تبين من نتائج الاستفتاء في مدينة درعا ، أن المشاركة كانت بحدود ١٣٪ ، فقط ، وإذن فان من قبل بحافظ الأسد رئيساً للجمهورية العربية السورية هم هؤلاء المقترعون ال ( ١٣٪ ) .( على فرض أنهم جميعاً صوتوا له ) فاقترحت  ( والكلام للمحافظ )على اللجنة الحزبية ، أن نرفع هذه النسبة الى ٥٧٪ ( إذا لم تخني الذاكرة ) ، فصاح عضو القيادة القطرية منتفضاً ، أتريدون أن تفضحوني أما م الرفيق حافظ ؟! ،بهذه النسبة القليلة !! ، وبعد قليل من النقاش  بين أعضاء اللجنة ، اتفقنا على أن نسأل السيد وزير الداخلية ( وكان يومها علي ظاظا على ماأعتقد ) عن نتائج المحافظات الأخرى  . سألنا السيد الوزير هاتفياً فكان جوابه ، أن نسبة الموافقة في كافة المحافظات كانت (٩٩.٩٩) عدا محافظة طرطوس ، فقد كانت النسبة فيها ( ١١٠٪) (!!). ، عندها قلت لأعضاء اللجنة ، أنا منسحب ، ولكم أن ترفعوا النسبة إلى الحد الذي تريدونه ، ثم أتيت لأشرب القهوة عندك . ( وفعلا فقد رفعوها ولكن الى ٩٧ فاصلة كذا ، وليس إلى ٩٩ فاصلة ٩٩ ) كما هي حال المحافظات الأخرى (!!) .

الخاطرة الخامسة ، سؤال وجواب  :

اتصل بي أحدهم هذا اليوم ( الأحد 13.11.2016 ) ليسألني منفعلاً ومرتبكاً : مارأيك بما يجري في وطننا العربي ، وبالذات  في سوريا ؟ هل انتهت الثورة السورية ؟ كان من الصعب علي أن أجيب على الهاتف ، على مثل هذه الأسئلة المعقدة والصعبة بل والمخيفة  ، ولا سيما أن الأقمار الصناعية ترصد حركاتنا وسكناتنا وتسجل كل مانقوله وما لانقوله  . فأنهيت مكالمتي معه بسرعة وبدأت أفكر مليّاً بأسئلته علني أقع  على جواب أقتنع به أنا ، قبل أن أحاول أن أقنع به غيري . جواب واحد قلته لسائلي على الهاتف ، وجدت فيه كما يقولون ما يمكن أن ” يبنى ( بضم الياء ) عليه ”  ، ألا وهو :  يخيل إلي ياأخيّ أن الثورة السورية  قد ذبحت مرّتين ،

الأولى عندما لحس أوباما خطوطه الحمراء بعد أن اتفق مع قيصر روسيا على تجاوز مجزرة الكيماوي في الغوطة وقتل أكثر من 1400 إنسان معظمهم من الأطفال بتاريخ 21.08.2013 ، والإكتفاء بتسليم بشار لنا ( نحن االخواجات ) مخزونه من الكيماوي مشكوراً ،

والثانية عندما سلم بشار الأسد  ( الرئيس الوريث ) مطار / قاعدة حميميم  الأرضية – الجوية  ، ومينا طرطوس البحري إلى أصدقاء عدونا . و كل ماجرى ويجري بعد ذلك  إن هو إلاّ من باب التفاصيل  التي لا طائل من تضييع الوقت في متابعتها .

الثورة مستمرة ياعزيزي، وبشار لم يعد رئيساً حتى على حارة من حارات سورية  ، ولننقذ حلب الشهباء من براثن بوتن وبشار ومعهم ” مجلس الأمن !! ” ، اللهم آمين .

تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع