أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » خليل معتوق من مدافع عن شمس الحريات في سوريا إلى سجين في الظلام بقلم باسل العودات
خليل معتوق لم يهادن ولم يستسلم بل آمن بقدرة القانون

خليل معتوق من مدافع عن شمس الحريات في سوريا إلى سجين في الظلام بقلم باسل العودات

الناشط الحقوقي السوري خليل معتوق يصفه أصدقاؤه من المحامين بأنه ‘المعلّم’، ويصفه أصدقاؤه من المثقفين بـ’لمُنقذ’، وهو يحظى باحترام جميع السوريين.
العرب

باسل العودات

[نُشر في 2014/11/16، العدد: 9740، ص(9)]

مر عامان كاملان على اختفائه، أو اعتقاله بالأحرى، رجل ناصع البياض، مدافع شرس عن السجناء السياسيين، يؤمن بالقانون ولا يعمل بالسياسة، لكنه لا يُهادن ولا يتنازل عن موقفه من النظام، ومن الديكتاتوريات بشكل عام، موقفه الثابت والواضح أدى لاختفائه وفق ما ادّعت السلطة واعتقاله وفق ما أكّد شهود.

المحامي والناشط الحقوقي السوري خليل معتوق، الذي احتفل بعيد ميلاده الخامس والخمسين وحيداً في زنزانته في سجن يشهد على ظروفه المأساوية شديدة السواد الكثير من السوريين، ممن دخلوه خلال العقود الخمسة الأخيرة، وهم كثر.

المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، ورئيس هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سوريا، أمضى أكثر من عشرين عاماً من حياته في الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير والمعتقلين السياسيين، ومع بدء الثورة تحوّل للدفاع عن سجناء الثورة والنشطاء السلميين ومعارضي النظام والمشاركين بالتظاهرات، وهم كثر أيضاً، فوفق المراصد الحقوقية السورية فإن نحو 10 بالمئة من السوريين اختبروا تجربة الاعتقال خلال الثلاث سنوات الأخيرة.

مدافع لا يُهادن عن حقوق الإنسان، وصديق للمعتقلين في معتقلهم وبعد خروجهم منه، يبحث عن كل الوسائل التي يمكن أن تؤدي لإطلاق سراحهم، لا يتنازل ولا يستسلم، يبحث عن أي أداة يمكن أن تؤرق النظام، واثق من زواله لكنه يعمل وفق القانون ولا يتجاوزه، غاضب دائماً من وضع البلد وتسلّط الأجهزة الأمنية وهيمنتها على كل شيء بما فيه القضاء، لكنه غير يائس ويؤكد لكل من يلتقيه أن النظام زائل وأن الحرية ستدخل من الأبواب.

متطوع وجاهز دائما

يعمل متبرعاً، لا يأخذ أتعاباً مقابل دفاعه عن المعتقلين، يعيش حياة أقل من عادية، قانع وراض عنها، ولا يتردد حتى بتقديم مساعدة مالية متواضعة على قدر حاله لأي معتقل رأي يحتاجها بعد خروجه أو أثناء وجوده في السجن، وعندما لا يستطيع أي معتقل سياسي دفع رسوم تسجيل الوكالة للمحامي، غالباً ما كان يتكفل هو بذلك من جيبه الخاص أو يبحث عن صديق هنا أو هناك للقيام بالمهمة.

يصفه أصدقاؤه من المحامين بأنه “المعلّم”، ويصفه أصدقاؤه من المثقفين بـ”المُنقذ”، يحظى باحترام جميع السوريين، من كل الأديان والطوائف والقوميات من دون استثناء، كما يحظى باحترام وتقدير جماعات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية، اعتبره الكثيرون مرجعاً وحكماً، فهو لم يعمل مع عشرات المنظمات الحقوقية السورية، لكنّه كان في الوقت نفسه الجامع بينها والضامن لئلا تنساق إلى القطيعة فيما بينها، والمنبّه لئلا تتسلل السياسة والأيديولوجيا الحزبية إليها.

شدد في أكثر من مرحلة ومناسبة على أن العمل في مجال حقوق الإنسان يجب أن يكون منزهاً عن أي هوى سياسي أو حزبي أو ديني، وآمن بأن مسألة الحريات لا تقبل المساومة، وأعلن انسحابه من أي تنظيم سياسي قد يحدد نشاطه ويؤثر في نظرته الحقوقية تجاه مسائل الحريات، وطوال عقدين لم يعرف غالبية من تعامل معه ما هو دينه أو مذهبه أو توجّهه السياسي.

ضغوط سابقة

في العام 2008 قتلت دورية أمنية ابن أخيه الطالب الجامعي الشاب، تابع معتوق الموضوع مؤمناً بمبادئ الدستور السوري وحق التقاضي، لكن المحكمة العسكرية لم تستدعِ المتهمين، بالرغم من وضوح أسمائهم ومواقعهم العسكرية والأمنية، ثم أبلغه وزير الدفاع بحفظ الدعوى وأرفقها بتهديد، وفق صديقه المعارض السوري نجاتي طيارة الذي قال عنه أيضاً لـ”العرب”: “معتوق المحامي النبيل والأسمر الساطع، لا يكل ولا يمل أمام قاعات المحاكم مدافعاً عن المعتقلين السياسيين، وضاحكاً من مفارقات اتهامهم، متطوعاً لا ينتظر تكليفاً، ومتبرعاً لا ينتظر أي تعويض. غادر ثقافة الأحزاب السياسية منذ التسعينات، وأدرك ثقافة حقوق الإنسان والمواطن، واشتهر لاحقاً بكونه أحد أبرز محامي حقوق الإنسان في سوريا، ابن قرية قسّمتها الحدود بين سوريا ولبنان لكنها لم تقسّم أهلها المسيحيين والمسلمين”.

مطلع العام الجاري اعتقلت السلطات السورية ابنته رنيم الطالبة في كلية الفنون الجميلة مع ناشطين مدنيين وحقوقيين آخرين، سخر بعض الناشطين واعتبروها مكرمة من السلطات لـ”لمِّ شمل الأسرة”، وأُطلق سراحها في وقت لاحق، ربما لاكتفاء السلطات بشخص واحد من الأسرة.

اختفاء قسري واعتقال

في الثاني من تشرين الأول ـ أكتوبر من العام 2012 خرج معتوق من منزله بصحنايا في ريف دمشق متجهاً إلى مكتبه وسط العاصمة رفقة صديق له، ولم يُشاهد أيّ منهما منذ ذلك اليوم، اختفى عند أحد الحواجز الأمنية، بنفس الطريقة التي اختفى فيها عشرات آلاف السوريين منذ أن كانت الانتفاضة سلمية، وانضمّ لعشرات الآلاف ممن كان يبحث عنهم.

لم تعترف السلطات السورية باعتقاله، وبعد مرور شهرين تقدّم محاموه بطلب للنائب العام للكشف عن مصيره، إلا أن أجهزة الأمن أنكرت وجوده لديها، لكن العديد من المفرج عنهم أكدوا وجوده ومشاهدته في أحد السجون التابعة لإدارة المخابرات العامة في العاصمة دمشق، ومرت كل المناشدات المحلية والدولية المستمرة للسلطات السورية لإطلاق سراحه دون جدوى.

ما زال معتقلاً في ظروف ترقى لمستوى الاختفاء القسري، ومع وجوده هكذا خارج إطار حماية القانون، هناك بواعث قلق جسيمة على سلامته البدنية والنفسية، وتضاعف منها حاجته للعلاج الطبي لمرض مزمن يتطلب رعاية صحية مكثفة.

المحامي البارز أنور البني رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، قال لـ”لعرب” في شهادته عن رفقة درب طويلة مع معتوق: “خليل معتوق رفيق درب المحاماة، عرفته وبشكل يومي منذ خمسة وعشرين عاماً، كان صديقاً وزميلاً وأخاً، انخرطنا سوية بالدفاع عن المعتقلين السياسيين في سوريا منذ بداية التسعينات، كان معروفاً بصاحب الوجه البشوش والابتسامة الدائمة مهما كانت الظروف، كان جدار أمان يحميني من تصرّف هجومي أو عصبي، كنا نشكّل ثنائياً مذهلاُ، وساهمنا معاً في تأسيس جمعية حقوق الإنسان بسوريا، والمركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، وكان خير سند لي في فترة سجني الطويلة، ووقف مع عائلتي ودعّمها بكل إمكانياته كما كنا نفعل مع عوائل المعتقلين، لم يتوان يوماً عن تقديم ما يمكنه من أجلهم ومن أجلي”، وتابع: “لم يتوان نظام مجرم عن اعتقاله وتغييبه منذ سنتين، نلاحق أي خبر للاطمئنان عليه، لكن لا جواب دائماً، لم يتحمل هذا النظام ابتسامته ولا هدوءه فغيّبه بشكل وحشي لا إنساني، ما زلت أنتظره وسنلتقي ونستمر بالحياة التي يعشقها وتعشقه”.

قبل اختفائه، كان معتوق يعاني من المرض، تعطل 60 بالمئة من عمل الرئتين، وخضع لعلاج مكثف، زار باريس لمراجعة طبيب أخصائي بأمراض الرئة، وتم تشخيص حالته بأنها “التهاب رئة مناعي دائم” يحتاج علاجا بعدة أدوية، ولشروط عامة قاسية وصارمة من العناية يُفترض تأمينها له، وبهذه الحال فإن الاستمرار باعتقاله يعتبر بمثابة حكم بإعدامه وفق الأطباء المشرفين على علاجه في المشافي الفرنسية والسورية.

رسالة للسلميين

اعتبر السوريون اعتقاله، في وقت مبكّر من الثورة وقبل تسلحها، رسالة واضحة للنشطاء السلميين المدافعين عن حقوق الإنسان وللمحامين المدافعين عن معتقلي الرأي والذي يعتبر معتوق من أبرزهم، رسالة لرفاقه وزملائه وتلاميذه، ومنهم رفيق دربه الناشط الحقوقي البارز أنور البني والمحامي البارز ميشيل شمّاس، وهما لم يدّخرا جهداً في الدفاع عن المظلومين وعن معتقلي الرأي.

المحامي ميشيل شماس، تلميذه والمدافع الدؤوب عن معتقلي الرأي، قال لـ”العرب”: “شهادتي بمعتوق مجروحة لأنه توأم روحي منذ العام 1984، هو الذي أخذ بيدي ودرّبني في مكتبه ثم أصبحت شريكاً له في معركة الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا، رجل مُسالم حتّى الثمالة، دافع عن المظلومين ومعتقلي الرأي والضمير، لماذا لا تتم إحالته للقضاء إذا كان قد ارتكب جرماً؟ من حملوا سلاحاً بوجه النظام وحرّضوا على العنف والطائفية تمت تسوية أوضاعهم وذهبوا إلى بيوتهم، ومن شارك بالخطف أُحيل للقضاء الذي أطلق سراح معظمهم، فأيّ جرم ارتكبه معتوق حتى يتم احتجازه دون أن يُسمح لعائلته بمعرفة مكان احتجازه أو الاطمئنان على صحته، هذا الرجل يستحق أن يُكرّم لا أن يُحتجز″.

يقول وائل السواح: “حين اشترى الجاكيت الجلدي الذي يلبسه في المحاكم وفي بيته ومكتبه وفي المقاهي والمنتديات، كانت سعادته لا توصف، لأن كل موكليه تقريباً ليس لديهم القدرة لأن يدفعوا أتعابه، آمل أنه كان يرتديه عندما اعتُقل، لأن برد الزنازين ممضّ”.

معتوق، رجل ناجح في أكثر الأوساط تشابكاً وتعقيداً، وفي أكثر الدول صعوبة، لم يحب الظهور الإعلامي أو الحديث عن إنجازاته، وعمل بصمت وتواضع، لكن عشرات الآلاف من السوريين المظلومين لن ينسوه، ولن ينسوا كيف تحوّل من مدافع عن المعتقلين إلى معتقل يحتاج إلى من يدافع عنه.