أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » ميركل ـ من “طفلة هلموت كول” إلى “زعيمة العالم الحر”
ميركل ـ من "طفلة هلموت كول" إلى "زعيمة العالم الحر"

ميركل ـ من “طفلة هلموت كول” إلى “زعيمة العالم الحر”

تمكنت أنغيلا ميركل (62 عاما) ابنة القس التي نشأت خلف الستار الحديدي، من الارتقاء خلافا لجميع التوقعات، لتصبح أول مستشارة في تاريخ ألمانيا. ليس هذا فحسب، بل نالت لقب “أقوى امرأة في العالم” و”زعيمة العالم الحر”.

لم يكن أحد يتصور في خريف 2005، بعد فوزها الشاق على المستشار الاشتراكي الديمقراطي اللامع غيرهارد شرودر، أن تحصل أنغيلا ميركل السياسية المحافظة، التي كانت تفتقر إلى الكاريزما، من مجلة “فوربز” على لقب “أقوى امرأة في العالم” على مدى ست سنوات على التوالي.

ونجحت أنغيلا ميركل، التي باتت برأي أنصارها “زعيمة العالم الحر” بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة، خلال أحد عشر عاما من السلطة، في فرض أسلوبها الخارج عن الأنماط المعروفة، أسلوب يمزج بين الذكاء الشديد في خوض علاقات القوة، والبراغماتية القصوى التي تحمل أحيانا على اتهامها بعدم امتلاك قناعات، والافتقار إلى البراعة الخطابية.

غاب نظراؤها السابقون عن الساحة الدولية مثل جورج بوش وتوني بلير وجاك شيراك وسيلفيو برلوسكوني، وهي لا تزال تمسك بزمام السلطة في ألمانيا وستترشح لولاية رابعة في الانتخابات التشريعية المقبلة في خريف عام 2017.

تبقى ميركل الملقبة في الصحافة الألمانية “موتي” (الأم) تيمنا بالأم تيريزا، بدون منافس في بلدها، ولو أن شعبيتها تراجعت بعدما فتحت أبواب ألمانيا أمام مليون لاجئ. وأثار قرارها وإصرارها على التمسك به بالرغم من الانتقادات مفاجأة كبيرة.
Deutschland Pressekonferenz vom US-Präsident Obama in Berlin (picture-alliance/dpa/B. von Jutrczenka)

أوباما أغدق عليها الأوصاف في زيارته الوداعية لألمانيا

وكانت أنغيلا دوروتيا ميركل، التي كانت تحمل لقب كاسنر قبل زواجها، والتي نشأت في ريف جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية سابقا)، تعرف قبل ذلك بميلها إلى عدم التصدي للرأي العام. وبدت المستشارة لوقت طويل وكأنها لا تكترث لمقام منصبها، ولاسيما مع قلة اهتمامها بملبسها وعدم إتقانها الفن الخطابي.

وهي تعيش في شقّة لا تملك وسائل الترف في وسط برلين، وهواياتها المعروفة قليلة جدا: الأوبرا والنزهات في منطقة تيرول الجبلية مع زوجها الثاني يواخيم ساور، وهو عالم كيمياء يفضل البقاء بعيدا عن عالم الأضواء. وتشاهد ميركل بانتظام في سوبرماركت متدني الأسعار قريب من منزلها في برلين، حيث تشتري الجبنة والنبيذ الأبيض. واحتفاظ ميركل بسلوكها ومظهرها العاديين، بقي لفترة طويلة ضمانة لشعبيتها لدى الناخبين.

وعلى الصعيد السياسي، كان أسلوبها في الحكم ما بين وصولها إلى السلطة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2005 وأزمة اللاجئين يتسم بالبراغماتية، مع فترات من التردد على هوى توجهات الرأي العام، ما حمل منتقديها على اتهامها بالانتهازية. وقال الخبير السياسي تيلمان ماير من جامعة بون لوكالة فرانس برس إنها تميل إلى “الانتظار لفترة طويلة على الدوام، قبل التفوه أخيرا بكلام حاسم”.

ووصل الأمر بعالم الاجتماع اولريش بيك إلى ابتكار مفهوم أطلق عليه اسم “ميركيافيل” لوصف النهج الذي تتبعه، وهي كلمة مركبة من اسم المستشارة والسياسي والمفكر الايطالي ماكيافيل، لوصف أسلوبها في الحكم القائم على مزيج من التريث والحزم. وعاشت أنغيلا ميركل حياة من التقشف في ألمانيا الشرقية، بعدما قرر والدها الانتقال من الغرب إلى الشطر الشيوعي من البلاد للمساهمة في نشر التعاليم المسيحية في الدولة الشيوعية.

Deutschland | CDU-Parteitag in Dresden 1991 (picture-alliance/ dpa/dpaweb)

عملت وزيرة للبيئة في حكومة هلموت كول

كانت أنغيلا ميركل في صغرها تلميذة موهوبة تحب الرياضيّات واللغة الروسية. وتابعت دروسها الجامعية في ظل النظام الشيوعي حتى حصولها على شهادة دكتوراه في الفيزياء. وبعد سقوط جدار برلين في نهاية 1989، انخرطت في العمل السياسي، أولا كمتحدثة باسم آخر حكومة في ألمانيا الشرقية، ثم بانخراطها في الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ بزعامة هلموت كول.

والمستشار “العملاق” آنذاك هو الذي عرض عليها أولى مسؤولياتها الوزارية. وكان في ذلك الحين يلقبها بتودد “الطفلة”. وفي عام 2000، اغتنمت فضيحة مالية داخل حزبها لإبعاد مرشدها في السياسة، ثم خصومها الرجال الواحد تلو الآخر، وقد أساؤوا تقدير قوة تلك المرأة التي كانت مترددة في بداياتها ولم تكن تولي مظهرها أي اهتمام.

وبعد خمس سنوات فرضت نفسها على الوسط السياسي لتصبح أول امرأة مستشارة لألمانيا، قبل أن يجدد لها الناخبون ثقتهم مرتين. وهدوء هذه المسؤولة السياسية التي احتفظت باسم زوجها الأول، ليس سوى واجهة. فسرعان ما فرضت نفسها على الساحة الدولية، إلى حدّ باتت بمثابة حصن في وجه التسلط التركي أو الروسي، والمنحى الانعزالي الذي تتخذه الولايات المتحدة وأزمة ما بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويمكن للمستشارة أن تظهر تشددا صارما، كما في تعاطيها مع مسألة الديون اليونانية، ولو حرك ذلك في أوروبا الأفكار النمطية القديمة عن النزعة العسكرية الألمانية. وهذا الانضباط الصارم لقي تقديرا كبيرا بين مواطنيها، إلى حدّ جعل لقبها “الأم” (موتي) ينتشر بشكل واسع بين أنصارها، ولو انه كان بالأساس ساخرا.

أ.ح/ح.ع.ح (أ ف ب)

المصدر: دويتشه فيله