أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » العلاقات التركية الإيرانية : تنافس وتوافق
العلاقات التركية الإيرانية :  تنافس وتوافق

العلاقات التركية الإيرانية : تنافس وتوافق

في السياسة، يعني تزايد القدرات الاقتصادية والسياسية لدولتين جارتين، تزايد حالة المنافسة إلى الحد الذي يعطي انطباعا انهما قد وصلتا إلى حافة التوتر، خاصة عندما تكون خلفيتهما أمبراطورية. كما أن علم السياسة يقول أيضا، ان المسلمات الجيوسياسية للدول تبقى هي هي حية لا تموت بموت الأشخاص الذين يتربعون على عرش السلطة، أو حتى بالتغيرات الأيديولوجية التي تحدث في النظام السياسي الحاكم. بمثال حي ونظرة سريعة نجد أن المسلمات الجيوسياسية لإيران في العهد الشاهنشاهي هي نفسها في عهد الخميني إلى هذا اليوم. كذلك تركيا الأتاتركية مسلماتها الجيوسياسية هي نفسها في عصر تركيا الأردوغانية، على الرغم من اختلاف التوجهات والرؤى لكل منهما. ولان تركيا وإيران يحكمهما الهوس الأمبراطوري والحنين إلى الماضي القديم، فان العلاقة بينهما ستبقى محكومة بمنطق الفعل ورد الفعل المحسوب. فكلما نجحت تركيا في مجال ما أو كسبت نقاط قوة في موضع ما، كلما شعرت إيران بالضعف. وكلما تقدمت إيران في حقل ما ومدت أذرعها في اتجاه معين، كلما شعرت تركيا بالضعف. كما أن الاحتكاك السياسي والأمني سيبقى حالة مزمنة بينهما، لان مناطق نفوذهما متداخلة بشكل كبير، ما يجعل مصالحهما وأهدافهما المرحلية والمستقبلية تسير في خطين متوازيين. وهذا سوف يعطي المراقب مؤشرا على وجود حالة تعاون بينهما لكنها ليست مفتوحة الأفق، بل هي قصيرة العمر، مؤقتة وتكتيكية، خدمة لأهداف استراتيجية بعيدة المدى. كما سيعطي مؤشرا على وجود حالة عداء، لكنها ليست مغلقة إلى الحد الذي يقود إلى حالة الحرب.

 

في الاقتصاد تتقدم إيران وتسعى إلى الكثير، لكنها تبقى في منزلة أدنى من تركيا التي حققت قفزات بارعة في هذا المجال. فالأخيرة تسعى لتكون عقدة أنابيب النفط والغاز في المنطقة، ونشاطها التجاري يكاد يسود منطقة الشرق الأوسط وافريقيا وبلدان آسيوية كثيرة. أما في السياسة فان الدولتين تسابقان الزمن وبكل الطرق والوسائل، لكسب أوراق رابحة في المحيط وما بعد المحيط ضد بعضهما الآخر، خاصة عندما تغيرت المعادلات في الشرق الأوسط بشكل كبير. سابقا انتصر الأتراك على الإيرانيين في معركة شلدران في شمال العراق عام 1514، عندما هزم السلطان التركي سليم الأول غريمه الإيراني اسماعيل شاه، فدانت أرمينيا وأذربيجان والعراق إلى السيطرة التركية، وتغيرت معادلة الصراع والانتشار لصالح تركيا لمدة 500 عام، لكنها اليوم لم تعد كما كانت. فقد ساهمت عوامل وعناصر كثيرة في خدمة المصالح الإيرانية على حساب المصالح التركية، خاصة في العقدين الأخيرين. فاحتلال إسرائيل للبنان فسح المجال لدخول إيران إليه والسيطرة عليه بذراعها حزب الله. واحتلت أمريكا العراق فبات هذا البلد في رحلها أيضا، وقبله احتلت أمريكا أفغانستان فدخلت إيران في نسيجها الاجتماعي، كما باتت أذربيجان تدور في الفلك الإيراني أيضا. لكن هذه الفتوحات لم تأت اعتباطا للإيرانيين، بل أن هذا الانفتاح الجيوسياسي أمام إيران لم يكن ممكنا لو لم يكن مشروعها جاهزا، ووسائله العسكرية والمالية والأمنية والاستخباراتية والطائفية حاضرة، بينما تركيا تأخرت في هذا المجال لان مشروعها لم يكن جاهزا. صحيح أن اندثار الاتحاد السوفييتي منح تركيا فرصة عودة نفوذها إلى دول البلقان والقوقاز وقبرص، كما تحاول مد أذرع نفوذها إلى افريقيا العربية وغير العربية ودول آسيوية أخرى، لكن سقوط الدولة العربية بعد أحداث الربيع العربي بدل البيئة الجيوسياسية في المحيط التركي، ومنح إيران وروسيا فرصة الهيمنة ولعب دور في سوريا والمنطقة بصورة أكبر من قبل. هنا تبرز القدرات الإيرانية السيادية أمامنا بشكل أعلى بكثير من القدرات السيادية التركية. فبالرغم من تفوق تركيا الواضح في المجال الاقتصادي، مضافا إليه العناصر المادية والمعنوية التي منحتها لها عضويتها في حلف الناتو، إلا أن ذلك لا يمنحها قدرات سيادية أعلى من إيران. هذا الوضع تدركه السياسة التركية تماما، فجعلها دائمة السعي إلى خلق عناصر فاعلة لتغير هذه المعادلة لصالحها، لكن الطرف الآخر يقينا ليس متوقفا في حدود قدراته السيادية الحالية.

 

إحدى الصفات المشتركة بين تركيا وإيران، أن الشرق الأوسط والمجال الإسلامي هما ملعبهما الكبير بحكم الجغرافيا والروابط الدينية والتاريخية، وهما تسعيان للفوز به بكل الوسائل والطرق وعلى استعداد لدفع كل الأثمان، لكن لا تركيا ولا إيران قادرتان على قيادة هذين المجالين الحيويين، لانهما دولتان تحكمهما النظرة القومية. لكن مسلماتهما الجيوسياسية تدفعهما للعمل بكل الوسائل لتحقيق هذا الحلم، كي تبقيا لاعبتين أساسيتين في المنطقة. لذلك نجد أن الصدام والتصارع بينهما أكثر وضوحا في شرق تركيا القريب من العراق، وفي الوقت الحالي بات هذا الصراع أكثر وضوحا في سوريا ولبنان وفي العراق أيضا، وهذه كلها مناطق رخوة يسهل الصعود فيها إلى لعب دور إقليمي، وهي مسارح جاهزة لاستعراض العضلات السياسية والعسكرية والأمنية. لكن النفوذ الإيراني في سوريا يحد من حركة السياسة التركية فيها، حيث هنالك اتفاقية دفاع مشترك بين طهران ودمشق، ولا تريد تركيا الاصطدام مع طهران بهذا الشكل العاري. كما أن النظرة الطائفية هي الأخرى صفة مشتركة بينهما، فالإيرانيون يحاولون التأثير على الشيعة في تركيا الذين يشكلون نسبة 20 في المئة من السكان، كما يحاول الأتراك التأثير على السنة في إيران الذين يشكلون نسبة 12 في المئة. يبقى العامل الاقتصادي اللاعب الأساسي في العلاقات التركية الإيرانية، ويتفوق كثيرا على المجال السياسي الذي يربطهما، حيث توجد الكثير من المشاريع الاقتصادية بين الدولتين، خاصة مشاريع الطاقة وتركيا في أمس الحاجة إليها. حتى في وقت الحصار الاقتصادي الأمريكي الأوروبي على طهران كانت أنقرة متنفسا تجاريا كبيرا لها. لكن القلق الأكبر لتركيا هو المشروع النووي الإيراني، الذي بات يجبرها على التفكير جديا في بناء مشروع نووي، والذي يكلفها أعباء مالية كبرى ويتطلب البحث عن تكنولوجيا، بعد أن اقتنعت بأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يجعل كفتي الميزان بينهما متعادلة.

 

باحث سياسي عراقي

 د. مثنى عبدالله

المصدر: القدس العربي

تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع