أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » ذكرى… متمرّدة لم تتوقف عن الضحك
ذكرى... متمرّدة لم تتوقف عن الضحك

ذكرى… متمرّدة لم تتوقف عن الضحك

لا تشبه ذكرى إلا نفسها؛ متمردة وطائشة. في مقابلاتها الإعلامية، تطلّ ببنطال “جينز”، قميص، ونظارات شمسية ملونة وتمضغ علكة، وتضحك. تضحك بسبب أو من دون سبب. تضحك مثل أي مراهقة غير مبالية، لدرجة ضحكها حتى على مسألة تكفيرها وإقامة الحدّ عليها.

الغناء وحده روَضها. عندما تغني، تتحول إلى كائن طيّع، وتخضع بانسيابية وجمال لصوتها وحده. ورغم الترويض الذي يمارسه صوتها على شخصها، فإن ذلك لم يجعلها يوماً كائناً ضعيفاً، بل كأن الغناء الذي يروضها يعطيها جرعات فائضة من التمرّد والعبثية، لتبرزها لاحقاً، لكن بعيداً عنه.

“صراحة زايدة عن اللزوم؟”

أثارت تصريحات ذكرى خلال “مهرجان الأغنية الثالث” في العاصمة القطرية، الدوحة، جدلاً واسعاً، في عام 2002. إذ سألها الصحافي السعودي، عبدالله القحطاني، حينها عن سبب هجرتها من تونس، فردّت ذكرى بالقول إن “دول شمال أفريقيا تعاني من الفقر…”، وأضافت أن “الرسول الإسلامي، محمد، قال إن في السفر فوائد عدة”.

افتتحت جملتها الأخيرة هجوماً شرساً عليها من قبل بعض الإعلام الخليجي، لـ”تشبيه نفسها بالنبي”، وصلت إلى حد إيجاز الشيخ السعودي، إبراهيم الخضيري، “إقامة الحدّ عليها بالقتل”.

تركت الأزمة أثراً بالغاً في نفس ذكرى، لكنها ضحكت عليها في مقابلاتها اللاحقة، كأنها لم تستوعب يوماً ما حصل. وعندما سألها الأعلامي اللبناني، زاهي وهبي، لاحقاً، عن الدرس الذي تعلمته من هذه التجربة، قالت ذكرى “بلاش الصراحة الزايدة عن اللزوم ديه”.

في المقابلة نفسها، واصلت ذكرى الحديث عن المواضيع كافة بصراحتها المعهودة، ولم تفلح محاولاتها الظهور بمظهر الفنانة الدبلوماسية والمُجاملة. كان ذلك درساً ودّت ذكرى لو تعلمته، لكنها لم تتعلمه.

فعلياً، هوجمت ذكرى من قبل الإعلام السعودي تحديداً، لأنها غنّت باللهجة الخليجية، وفق ما أكد صحافيون عديدون، وبينهم الصحافي المصري المعروف، محمود سعد، الذي كان حاضراً خلال المؤتمر الصحافي. بعدها، امتد الهجوم إلى باقي الخليج فوصفت الفنانة، أحلام، صوتها بـ”النشاز” واتهمتها بتلقي الأموال من أجل الغناء بالخليجي.

في المقابل، تلقى الجمهور الخليجي ذكرى بمحبة بالغة. فتعاونت المطربة مع الشاعر، تركي عبدالرحمن، وفهد بن خالد، ويزيد بن خالد، وغيرهم. كما غنّت “ديوهات” عدة مع أهمَ فناني الخليج، بينها شبه “ديو” في “ابتعد عني” مع الفنان طلال المداح، كما غنّت مع الفنان، أبوبكر سالم، ومحمد عبده وعبدالله الرويشد. وأبدت رغبتها مرات عدة بالتعاون مع المطرب والموسيقار البحريني، خالد الشيخ. واعتبر الجمهور في وطنها الأم أنها هجرت الغناء باللهجة التونسية مقابل الغناء الخليجي.

تونسية أم عربية؟

كانت البداية في تونس. غنّت ذكرى حوالي 30 أغنية باللهجة التونسية، معظمها من ألحان خطيبها السابق، عبدالرحمن العيادي. حاول العيادي لاحقاً احتكار صوتها، فتركته ذكرى، وغادرت بعدها بفترة قصيرة إلى مصر.

في أحد المؤتمرات الصحافية، قالت ذكرى إنها “عربية أولاً وتونسية ثانياً”، فقامت الدنيا ولم تقعد، ومُنعت أغانيها طوال شهر كامل عن القنوات والإذاعات التونسية، لتعود لاحقاً.

قد يكون الردّ التونسي على تصريح ذكرى مبالغاً فيه، لكن “التوانسة” معذورون رغم كل شيء. فذكرى مثلّت، إلى حد ما، مقاومة ضدّ التهميش الذي يعاني منه التونسيون بشكل عام، والفنانون منهم بشكل خاص.

لكن الفنانة التي غنت بالتونسي والمغربي والليبي والخليجي والمصري، ودرست في إحدى الفترات في سورية، انتمت فقط إلى صوتها الذي كان تذكرة سفرها إلى العالم العربي كلّه.

في مصر “الغولة”

ككل الفنانين العرب، توجهت ذكرى إلى مصر، من أجل تحقيق الانتشار عربياً، واصفة إياها بـ”الغولة”. لكن “الغولة” أحبت ذكرى، فحققت نجاحاً مميزاً فيها. تعاونت هناك مع الملحن المصري، يحيى الموجي، وصلاح الشرنوبي، وحلمي بكر، وهاني مهنا طبعاً الذي أنتج لها ألبومي “وحياتي عندك” و”أسهر مع سيرتك”.

اختلفت لاحقاً مع مهنا، وترددت شائعات بأن السبب محاولة مهنا أن يصنع من ذكرى نسخة عن طليقته الفنانة المغربية، سميرة سعيد، لكن ذكرى نفت الأمر، وأوضحت أن السبب عدم استكمال نجاح “وحياتي عندك” بالألبوم الثاني.

كما تعاونت ذكرى مع فنانين مصريين، فغنت “ولا عارف” مع الفنان، إيهاب توفيق (2001)، وغنّت “نحلم إيه” (2000) مع الفنانة أنغام.

التغيير بعد الانقطاع

قبل انتقالها إلى مصر، غابت ذكرى عن الوسط الفني، لمدة ثلاث سنوات. بعد عودتها ، قالت إنها مرّت بحالة إحباط، وإن “المسار الغنائي خد لفة غريبة أنا مش مقتنعة فيها، فغبت”.

لاحقاً، شهد أسلوبها تغييراً ملحوظاً مع الحفاظ على المستوى، وبرز التغيير بوضوح مع أغنية “الله غالب” (2001) من كلمات وليد زريقة، وألحان الشرنوبي، والتي تميزت بالإيقاع الشبابي السريع.

“آه يا راحة البال..”

عُرفت ذكرى بميولها اليسارية، وكانت معجبة بالشاعر المصري الراحل، أحمد فؤاد نجم. وأعجبت بالممثل المصري الراحل، أحمد زكي، وخاصة في فيلمه “البريء” (1985)، واعتبرت الممثل، عمر الشريف، حلم كل البنات، وفكرت بتصوير فيديو كليب “عارف” معه.

انتقدت مراراً بسبب أسلوب حياتها؛ ملابسها، تأخرها الدائم عن مواعيدها، نومها في النهار، وسهرها طوال الليل، ولجوئها إلى “البلايستايشن” للتنفيس عن غضبها وتوترها، بالإضافة إلى الإشاعات التي لاحقتها حول ارتباطها بابن الفنانة الجزائرية الراحلة، وردة. في إحدى المقابلات، قالت ذكرى إن “الحرية مبدأ.. لو حد يجي ناحيتها ح قوله لأ”، أثناء حديثها عن الزواج، ومؤكدة أن “الفن يعوض الخسارات كلها”.

بعد موت ذكرى، لم يستطيع أحد تعويض الفراغ الذي تركته. كانت هي الخسارة التي لا تعوّض. ووسط الإشاعات و”الإثارة” التي لفّت موتها، كما لفّت حياتها، رحلت ذكرى من دون تحقيق أمنيتها التي عبرت عنها في إحدى المقابلات قبل موتها بحوالي 5 أشهر؛ سألها المذيع حينها “ما الذي يريح قلبك؟”، لتجيب ذكرى، مستعينة بأغنية للفنان عبدالله الرويشد، “آه يا راحة البال، أشتريكي بعمري بس مين يبيع”.

المصدر: العربي الجديد – ماجدولين الشموري