أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » رسالة دكتوراه حول دور اليهود واليونانيين في اقتصاد مصر / معلومات تاريخية مهمة جدا اخفتها عنا الكتب المدرسية

رسالة دكتوراه حول دور اليهود واليونانيين في اقتصاد مصر / معلومات تاريخية مهمة جدا اخفتها عنا الكتب المدرسية

دور يهود ويونان مصر الاقتصادي في النصف الأول من القرن العشرين
أينما كُنتَ في مصر تجد يونانياً أو يهودياً يبيعك شيئاً
في عشرينيات القرن العشرين كانت الإسكندرية مدينة متوسطية بامتياز يغلب عليها الطابع الحرفي اليوناني. وكان مشهوراً عن اليهود في القاهرة تجارتهم وباعتهم المتجولون ناهيك عن حضورهم الثقافي، وكذلك السياسي الذي كان أكبر من اليوناني. خالد سلامة حاور الباحثة الفلسطينية-الألمانية نجاة عبد الحق حول الدور الاقتصادي لليهود واليونانيين في مصر بين عامي 1885 و1960، متسائلاً: هل تكفي نظرية “المؤامرة والارتباط بالقوى الاستعمارية” وحدها لتفسير ريادة بعض الأقليات اقتصادياً في بلد عربي كبير كمصر؟

السيدة نجاة عبد الحق، لماذا اخترت “الدور الاقتصادي لليهود واليونان في مصر بين عامي 1885 و1960” ليكون موضوع أطروحتك لنيل شهادة الدكتوراه؟

نجاة عبد الحق: لسببن أولهما أكاديمي؛ إذ أنني أثناء دراسة الاقتصاد في المرحلة الجامعية الأولى انزعجت من انفصال علم الاقتصاد عن الحياة اليومية للإنسان العادي وتحول علم الاقتصاد في جزء كبير منه إلى أرقام وحسابات.

والسبب الثاني شخصي؛ إذ أنني تربيت في بيئة متعددة دينياً ومنفتحة؛ فوالدتي ألمانية مسيحية ووالدي فلسطيني مسلم. ودرست أحد أهم مراحل دراستي في مدرسة ألمانية مسيحية-لوثرية في مدينة بيت جالا في الضفة الغربية. كانت المدرسة مختلطة من مسلمين ومسيحيين، وكانت زيارة الكنائس والاحتفال بأعياد الميلاد المجيد أمراً ليس غير عادي بالنسبة لي.

عندما قدِمْتُ إلى ألمانيا أدركت كم هو أحادي الجانب هذا المجتمع، إذا غضضنا النظر عن المهاجرين. بالطبع يوجد هنا تعددية سياسية وتعددية بالآراء، ولكن في النهاية المجتمع الألماني مجتمع مسيحي وسط أوروبي ولديه معايير محددة لا يُسمح بالخروج عنها. هنا افتقدت التعددية التي كانت في بلادنا وأدركت كم نحن أغنياء وأثرياء بفسيفساء مجتمعنا. وحز في نفسي أن نفقد هذا الموزاييك. خروج اليهود واليونان كان المربع الأول في مسلسل نشهد فصوله حتى الآن في فقدان مسيحية العراق ونفقد الآن مسيحي سوريا ويقل عدد مسيحي فلسطين.

 

كيف تناول الباحثون والكتاب قبلك موضوع الدور الاقتصادي للأقليات في مصر وفي الوطن العربي عموماً؟ وكيف تقيمين ذلك التناول؟

نجاة عبد الحق: ما قمت به من بحث هو مكملٌ لما هو موجود، ولا يعني أن ما كُتب هو خطأ بالمعنى المطلق. بشكل عام، تناولت مجموعتان من الدراسات موضوع الدور الاقتصادي للأقليات: مختصون بالأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وَمؤرخون وباحثون بالعلوم السياسية.

تناول الانثروبولوجيون الموضوع من زاوية التقسيم الإثني للعمل، بمعنى: اختصاص الأرمن بالمجوهرات واليونان بالقطن والتبغ والسُّنة في كذا والشيعة في تلك، وقد تناولت هذه الدراسات المجتمع العثماني. وزاوية الدراسة هذه ليست خاطئة، غير أنها لا تكفي لتفسير سيطرة جماعة ما على قطاع ما، وخصوصاً في مرحلة متطورة من الرأسمالية. التفسير هذا صحيح عندما نتحدث عن عمليات اقتصادية بسيطة، ولكنه يفقد مفعوله عندما نتحدث عن إنشاء صناعة متطورة في مصر وخاصة بعد عام 1919.

كما ركز المؤرخون والمختصون بالعلوم السياسية، وخصوصاً دراسات ما بعد الاستعمار، بشكل مبالغ فيه -بحسب رأيي- على دور الاستعمار في دعم النخب المتعاونة معه ومكافأة هذه النخب بمنحها بعض الامتيازات. نعم، كان هناك امتيازات للنخب خاصة حاملي الجنسيات الأجنبية، ولكن هذا الأمر لا يكفي وحده لتفسير النجاح الاقتصادي لليهود واليونان في مصر. بالتأكيد تساعد هذه الامتيازات على النجاح، ولكنها دون وجود الفكرة الاقتصادية الخلاقة والمبادِر الاقتصادي لن تفيد في إنشاء صناعات بالشكل الذي شهدته مصر.

إذاً، كيف تصفين العلاقة بين البريطانيين والنخب المتعاونة معها؟

نجاة عبد الحق: لم تكن هذه العلاقة سمناً وعسلاً على الدوام، ليس مع اليهود واليونان فحسب، بل مع كل النخب المتعاونة مع البريطانيين. فقد حصل عراك بين رؤوس الأموال اليهودية واليونانية والمصرية من جهة واللورد كرومر من جهة أخرى. فقد منع كرومر إقامة مصانع للنسيج في مصر وأصر على أن تكون في لانكشير في بريطانيا. علاقة اللورد كرومر مع هذه النخب كانت صعبة ولم تكن كما يتخيله البعض -ببساطة- تحالفية. الموضوع أعقد من ذلك بكثير.

ما الصعوبات التي واجهتك في بحثك؟

نجاة عبد الحق: لم أتمكن من الوصول لملفات وأرشيف الحاخامية اليهودية في مصر. رفضت رئيسة الجالية اليهودية في فترة بحثي والمسؤولة عن تلك الملفات آنذاك، كارمن واينستاين، فتحها، ليس لي فقط بل للجميع. ويعود ذلك إلى الخوف من أن تسيطر الحكومة المصرية عليها وانعدام الثقة في قدرة الحكومة المصرية على المحافظة على هذا الإرث. والسبب الآخر هو سعي يهود أمريكا وإسرائيل للحصول على هذه الوثائق ونقلها لخارج مصر، فقد تم قبل حوالي 120 سنة إخراج “الجنيزا” من مصر. والجينزا وثائق قديمة تؤرخ ألف عام تقريباً لكل ما يخص الحراك التجاري والديني الخاص باليهود في مصر، وتم اكتشافها في كنيس بن عزرا في الفسطاط عام 1896. وهناك حادثة أخرى تم خلالها العثور في أحد المطارات المصرية على أسفار من التوراة معدة لتهريبها إلى الخارج.

التحدي الآخر هو صعوبة الحصول على تصريح الدخول للأرشيف المصري. انتظرت خمسة أشهر حتى حصلت على التصريح. يضاف إلى ذلك وجود بيروقراطية عقيمة أثناء البحث في الأرشيف.

وواجهتني صعوبة قلة المصادر باللغة العربية والإنكليزية فيما يخص اليونانيين في مصر، إذ أن لغة الأرشيف ومعظم ما كُتِبَ من دراسات هي باللغة اليونانية.

 

ما هي المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في بحثك؟

نجاة عبد الحق: أحد أسباب اختياري لمصر دون غيرها هو توافر مصادر ومراجع للبحث وأرشيف مبوب معنون. اعتمدت بشكل أساسي على أرشيف “الوقائع المصرية” (الجريدة الرسمية)، التي نُشرت فيها كل القرارات والمراسيم والتعميمات الحكومية. كما اعتمدتُ على ملفات “مصلحة الشركات”، وهي مؤسسة حكومية أُسست عام 1947 لتنفيذ ما عُرف آنذاك بـ”التمصير”. واعتمدتُ على بعض الوثائق من “الأرشيف الصهيوني المركزي” في القدس. واستندت أيضا على عدة كتب ودراسات تناولت تاريخ مصر، تاريخ يهود مصر، تاريخ يونان مصر، تاريخ الحركة العمالية في مصر، وتاريخ الحركة الصناعية في مصر. وكانت الكتب بالدرجة الأولى باللغتين العربية والإنكليزية، وإلى حد ما بالفرنسية وبعض المراجع القليلة باللغة الألمانية. كما أجريتُ العديد من المقابلات في مصر وأوروبا.

وماذا عن منهجية البحث؟

نجاة عبد الحق: اعتمدتُ على نظرية في النمو الاقتصادي لباحث اقتصادي معروف هو جوزيف شومبيتر. تقوم نظريته على دور الشخص المبادِر في عملية النمو الاقتصادي. حيث أنه ومن وجهة نظر شومبيتر المبادِر هو الخلّاق اقتصادياً. وقام بحثي على تطبيق ما حصلت عليه من بيانات على المعايير، التي وضعها شومبيتر. وفرضيتي الأساسية في البحث تقول إن النجاح الاقتصادي لهاتين الأقليتين يقوم على أنه ينطبق عليهما مواصفات شومبيتر للمبادِر الاقتصادي: وجود الفكرة الاقتصادية الخلاقة، التعليم العالي وانعدام الأمية تقريباً، المقدرة على الوصول لرأس المال، الاطلاع على ما يجري في الأسواق الخارجية (استباقية معلوماتية عن الآخرين).

ليلى مراد (1918 – 1995)، مغنية وممثلة مصرية.

 

4

ليلى مراد (1918 – 1995)، مغنية وممثلة مصرية من عائلة يهودية: “بالنسبة للحضور الثقافي والفني، يكفي أن نذكر أن مؤسس أول استديو للإنتاج السينمائي في مصر، “استديو مصر”، هو اليهودي توغو مزراحي. هذا إلى جانب وجود عدد كبير من الفنانين والممثلين، مثل ليلى مراد ومنير مراد ونجوى سالم والموسيقار داوود حسني. وأصدر الأخوة هراري، ذوو الأصول اليهودية الحلبية، المجلة الأدبية الرفيعة “الكاتب المصري”، والتي رأس تحريرها طه حسين”، وفق ما تخبر نجاة عبد الحق موقع قنطرة.

وبالإضافة إلى ذلك فإنه أثناء البحث وجدت أن هناك شبكة متكاملة بين الأشخاص من نفس الجالية. تجدر الإشارة هنا إلى أن الثقة بين أبناء الأقلية الواحدة والتشابك بينهم واستباقية المعلومات وحركة رأس المال، مثل الحصول على القروض الخاصة، يقلل من المخاطرة ويقلل من “تكاليف المعاملات التجارية” وغياب هذه التكاليف يزيد من نسبة الربح.

قبل الدخول أكثر في النشاط الاقتصادي، حبذا لو تزويديننا بفكرة عن الحضور السياسي والثقافي-الفني لليونان واليهود في مصر؟

نجاة عبد الحق: ينقسم اليهود في مصر إلى مصريين أصلاء لا يختلفون عن أي مصري؛ يرتدون الجلابية ويأكلون الفول والقلقاس، ولا يتكلمون إلا العربية. منهم اليهود القرّاؤون وطقوسهم مشابهه لطقوس المسلمين. وجزء جاء إلى مصر بعد خروج العرب من الأندلس في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ويعرف هؤلاء بـــ” اليهود السفارد”، كان هذا الجزء يتكلم لغة اللادينو، وهي لغة يهود الأندلس والمتعلمين منهم العربية. وجزء جاء إلى مصر بعد شق قناة السويس، حيث كانت مصر آنذاك بلد هجرة مثل كندا وأستراليا اليوم. والجزء الأخير كانوا من الأشكيناز الذين فروا بسبب اضطهاد اليهود في شرق أوروبا في الربع الأخير من القرن الـ 19 وأول القرن الـ 20.

الحضور السياسي لليهود كان أكبر من الحضور اليوناني. إذ كان هناك وزيران يهوديان في فترة الملك فاروق، ولم يكن هناك أي وزير يوناني. وكان هناك أعضاء بارزون في حزب الوفد من اليهود.

بالنسبة للحضور الثقافي والفني، يكفي أن نذكر أن مؤسس أول استديو للإنتاج السينمائي في مصر، “استديو مصر”، هو اليهودي توغو مزراحي. هذا إلى جانب وجود عدد كبير من الفنانين والممثلين، مثل ليلى مراد ومنير مراد ونجوى سالم والموسيقار داوود حسني. وأصدر الأخوة هراري، ذوو الأصول اليهودية الحلبية، المجلة الأدبية الرفيعة “الكاتب المصري”، والتي رأس تحريرها طه حسين.

وماذا عن حضورهم المجتمعي وإلى أي حد كانت كل من الأقليتين جزءاً عضوياً مندمجاً في المجتمع والمنظومة المصرية؟

نجاة عبد الحق: كان اليونان منعزلين، إلى حد ما، بسبب اللغة والدين، فالكنيسة اليونانية مختلفة عن مثيلتها القبطية. وكان لليونان، بشكل عام، نواديهم ومدارسهم الخاصة والأحياء الخاصة بهم، ولم يكن لهم زواج مختلط مع غيرهم. ونادراً ما كان هناك اختلاط يوناني-إيطالي أو يوناني-أرمني.

 

 

1

جوقة مصرية يهودية في كنيس في الإسكندرية:

 

 

.

في المقابل، لم يكن الحي اليهودي غيتو مغلقاً، بل سكنه مسلمون أيضاً. في حين كان هناك فصل بين اليهود العرب واليهود الأشكيناز (اليهود الشرق-أوروبيين)؛ إذ سكن كل منهم في جزء من الحي الخاص بهم. والاندماج بين اليهود وباقي المصريين كان عالياً جداً مقارنةً بالاندماج بين اليونان والمصريين. وبخلاف اليونانيين، عمل اليهود في القطاع الحكومي ووظائف الدولة.

ما هو التوزع المناطقي والطبقي لليونانيين في مصر؟

نجاة عبد الحق: قبل الهجرة الداخلية من صعيد مصر والنوبة إلى الإسكندرية في عشرينيات القرن العشرين كانت الإسكندرية مدينة متوسطية بامتياز ويغلب عليها الطابع اليوناني. وتمركز اليونان كذلك في بورسعيد ودمياط والمنصورة وشبين الكوم وفي حي الفجالة في القاهرة. هذا عن تجمعاتهم الكبيرة، ولكن كانوا موجودين كبقالين وسماسرة في كل مكان تقريباً، وللّورد كرومر جملة شهيرة: “أينما رفعت حجراً في مصر تجد يونانياً يبيعك شيئاً”.

القسم الأكبر من اليونان كانوا طبقة متوسطة من الحرفيين والصناعين وعاملين في قطاع الخدمات. وكانت هناك طبقة بروليتاريا حقيقية، أسست أول حركة عمالية في مصر.

وماذا عن التوزع المناطقي والطبقي لليهود؟

نجاة عبد الحق: تمركز اليهود بشكل أساسي في القاهرة والإسكندرية ومدن الدلتا. وكان مشهوراً عن اليهود أن بينهم الكثير من التجار والباعة المتجولين بين القرى والنجوع والمدن. وبحسب فتوى للعالم اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون، كان التجار المتجولون اليهود يقيمون الصلاة في المساجد إذا لم يتوفر معبد يهودي للصلاة فيه.

كان في الأقلية اليهودية تمايزٌ طبقيٌ كبير؛ فكان يوجد اليهودي المعدم واليهودي الفاحش الثراء. لم يكن هناك -بشكل عام- طبقة عاملة أو فلاحون بين اليهود. غلبت على اليهود فئة التجار والموظفون الصغار وعمال المُياومة. وكانت هناك طبقة صغيرة من البرجوازية الغنية وأخرى صغيرة أيضاً متعلمة، أصبحت فيما بعد فرانكفونية. ما يستوجب الذكر هنا أن جزءاً من اليهود كان يسارياً وشيوعياً ولعب دوراً محورياً في اليسار المصري.

ما القطاعات الاقتصادية التي كان لكل من اليهود واليونان في مصر سيطرة عليها أو حضورٌ قويٌ فيها؟

نجاة عبد الحق: للإجابة على السؤال يتعين علينا الحديث عن مرحلتين:

المرحلة الأولى قبل الثورة المصرية عام 1919 وتأسيس “بنك مصر”. في هذه المرحلة سيطر اليونان على زراعة وصناعة القطن من الألف إلى الياء: من تحسين البذار وإكثاره إلى الزراعة والجني والحلج والتصدير. جيش محمد علي باشا والقطن واليونانيون في مصر لا يمكن فصل أي منها عن الآخر. وبرز اليونانيون في صناعة التبغ. إذ كانوا يستوردون التبغ المزروع من قِبل يونانيين على سواحل البحر الأسود في تركيا ويصنّعونه. وشهدت هذه الصناعة انتعاشاً بسبب استهلاك الجيش الإنكليزي للتبغ المصري في الحرب العالمية الأولى. كما كان لليونانيين حضور في الصناعات النسيجية وبعض الصناعات الخفيفة والورشات كالميكانيك والحلويات وغيرها.

 

3
محطة الرملة في الإسكندرية قديماً:

فيما يخص اليهود، كان لهم ولرأسمالهم مساهمة كبيرة في الشركات الكبيرة كشركة “كوم أومبو لصناعة السكر”، وفي مد وتشغيل السكك الحديدية والنقل الداخلي كعربات سوارس، والكهرباء، والعقارات، والتجارة بجميع أنواعها.

بعد عام 1919 شارك اليهود -بنسب مختلفة- في معظم الشركات الوطنية المصرية، والتي بلغ عددها 850 شركة، على امتداد 80 عاما، وهي فترة البحث. وبلغت نسبة مساهمتهم حوالي 40 بالمئة فيها. أما اليونانيون فلم ينخرطوا في الشركات الوطنية، إلا بشكل قليل جداً، وبقيت لهم شركاتهم الخاصة بهم. كان لليونانيين دور حيوي في الصناعات الصغيرة والمتوسطة. والطبقة الرأسمالية بينهم كانت صغيرة مقارنة باليهود. كما اضطلع اليونانيون بدور مهم جدا في تشغيل قناة السويس بعد حرب 1956.

في كتابك، نقرأ أن السرديتين القوميتين، العربية/المصرية والإسرائيلية/الصهيونية، طغتا على دراسة “خروج” اليهود من مصر. ما هو منطلقهما وأين نقاط الافتراق ونقاط التلاقي لهاتين السرديتين؟

نجاة عبد الحق: تقول السردية القومية العربية/المصرية إن أوضاع اليهود في مصر كانت جيدة وكانوا يتمتعون بنفس حقوق باقي المصريين، ورغم ذلك لم يكونوا جزءاً من النسيج المجتمعي المصري، وإنهم في أول فرصة سنحت لهم أداروا ظهورهم لمصر وطعنوها في ظهرها. وكانت النتيجة التي خلصت إليها هذه السردية أنه لا يمكن تحملهم أكثر من ذلك في مصر ولابد من طردهم.
اللورد كرومر (1841- 1917) كان رجل دولة وإدارياً للمستعمرات البريطانية. وقد تقلد مناصب في الحكم والإدارة في مصر بعد عام 1879 وحتى عام 1907. ومن كتبه (مصر الحديثة). وللّورد كرومر جملة شهيرة في تلك الفترة: “أينما رفعت حجراً في مصر تجد يونانياً يبيعك شيئاً”.

 

1

تنطلق السردية الإسرائيلية/الصهيونية من الفكر الصهيوني، الذي يقول إن اليهود في الشتات كانوا مضطهدين ولم يكونوا ينعمون بالسلام، والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هو خروجهم من مصر وغيرها و”عودتهم” إلى إسرائيل. المثير هنا أنه حتى عام 1942 لم يكن جَلْبُ يهود البلدان العربية من أولويات الحركة الصهيونية. ألقى ديفيد بن غوريون خطاباً مهما آنذاك تكلم فيه عن “عوفدا عرفيت” (اليد العاملة العربية). قال ديفيد بن غوريون إنه يتوجب على الحركة الصهيونية إحضار ما يقارب مليون يهودي من البلاد العربية إلى إسرائيل. وهنا بدأ مخطط ممنهج للحركة الصهيونية لإضعاف وخلخلة أوضاع اليهود في مجتمعاتهم العربية لإجبارهم على الرحيل إلى إسرائيل. وهذا ما حصل في النهاية.

للوهلة الأولى تبدو كل من السرديتين متناقضتين. غير أن كلتاهما تنطلقان من منطلق قومي ضيق وترفضان حق الفرد بأن يكن له أكثر من هوية: أن يكون يهودياً ومصرياً ويتكلم العربية بجانب الفرنسية. ولكن تلتقي السرديتان في النتيجة، ألا وهي ضرورة طرد/خروج اليهود من مصر.

الجدير ذكره هنا أن غياب الخلفية السياسية حالَ دون حصول عراك فكري فيما يخص “خروج” اليونانيين من مصر. خرج اليونان بفعل قوانين التأميم وانقطاع مصادر رزقهم.

ما هي الأسباب المباشرة وغير المباشرة والتسلسل الزمني لـ”خروج” اليهود من مصر؟

نجاة عبد الحق: في أثناء الحرب العالمية الثانية، حدثت أزمة اقتصادية كبيرة في مصر بسبب نقص السلع وارتفاع الأسعار، إذ كانت مصر مركزاً لتمويل الجيش البريطاني في الشرق الأوسط والهند. ثم تبع ذلك قانون “التمصير” عام 1947، الذي نص على أن تكون كل الأيدي العاملة في الشركات المصرية من المصريين. بدأ القانون بتمصير العمالة (ذوي الياقات الزرقاء) ثم تبعه آخر بضرورة تمصير الإداريين (ذوي الياقات البيضاء).

ثم جاءت حرب فلسطين عام 1948. غير أنه لم يغادر في عامي 1948 و1949 مصرَ إلى إسرائيل مباشرة إلا حوالي الألف يهودي. بعدها بثلاث سنوات جاءت حركة الضباط الأحرار عام 1952 وما تبعها من ضعضعة سياسية ساهمت أيضاً في خروج جزء بسيط من اليهود. ثم جاءت عملية لافون عام 1954 لتحدث شرخاً بين المجتمع المصري والأقلية اليهودية. وكما نعلم فإن عملية لافون قام بها يهود مصريون بتخطيط من الموساد الإسرائيلي لاستهداف مصالح بريطانية وأمريكية في مصر، وذلك للإضرار بعلاقات مصر مع هذا الدول. ثم جاءت حرب السويس عام 1956، والضربة القاضية كانت مع التأميم عام 1960. جرى كل ذلك خلال عقد من الزمن.

أين كانت وجهة اليهود بعد مغادرتهم مصر؟

نجاة عبد الحق: لم يتوجه من المئة ألف يهودي إلى إسرائيل سوى 30 ألفاً. والباقون هاجروا إلى كندا وجنوب أمريكا وأستراليا وغرب إفريقيا وإيطاليا وفرنسا. ويقال، بحسب تقديرات غير رسمية، إن ما يقارب من ثلث مَن ذهب إلى إسرائيل عاد وتركها.

ماذا كان وراء خروج اليونانيين من مصر ومتى حدث ذلك؟

نجاة عبد الحق: كان السبب الوحيد لخروج اليونانيين اقتصادياً، ألا وهو: تراجع مصادر رزقهم ومن ثم انقطاعها نهائياً. بعكس خروج اليهود في غضون عشر سنوات، خرج اليونان بالتدريج وعلى مدار ثلاثين عاماً. بدأ ذلك عام 1927 وانتهى مع قوانين التأميم والإصلاح الزراعي في نهاية الخمسينيات.
كورنيش الإسكندرية سنة 1945:

 

“قبل الهجرة الداخلية من صعيد مصر والنوبة إلى الإسكندرية في عشرينيات القرن العشرين كانت الإسكندرية مدينة متوسطية بامتياز ويغلب عليها الطابع اليوناني. وتمركز اليونان كذلك في بورسعيد ودمياط والمنصورة وشبين الكوم وفي حي الفجالة في القاهرة. هذا عن تجمعاتهم الكبيرة، ولكن كانوا موجودين كبقالين وسماسرة في كل مكان تقريباً … القسم الأكبر من اليونان كانوا طبقة متوسطة من الحرفيين والصناعين وعاملين في قطاع الخدمات. وكانت هناك طبقة بروليتاريا حقيقية، أسست أول حركة عمالية في مصر… وتمركز اليهود بشكل أساسي في القاهرة والإسكندرية ومدن الدلتا. وكان مشهوراً عن اليهود أن بينهم الكثير من التجار والباعة المتجولين بين القرى والنجوع والمدن.”، وفق ما تذكر نجاة عبد الحق.

وإلى أين توجه اليونانيون بعد خروجهم من مصر؟

نجاة عبد الحق: عاد جزء إلى اليونان، وجزء آخر توجه إلى إفريقيا وجزء ثالث هاجر إلى أستراليا.

كم كان عدد كل من الأقليتين وكم بقي منهما اليوم؟

نجاة عبد الحق: في أربعينيات القرن العشرين كان عدد اليهود في مصر حوالي 100 ألف (أي نحو 0,5 بالمئة من عدد سكان مصر). وفي عام 1927 كان عدد اليونانيين في مصر حوالي 225 ألفاً (أي نحو 1,8 من عدد سكان مصر).

اليوم لم يبقَ من اليونانيين في مصر إلا حوالي بضع مئات من الأشخاص ومن اليهود سوى عشرة أفراد. يجب التنويه إلى أن يونانيين كثيرين من الجيل القديم يأتون في وقاتنا الحاضر لزيارة الإسكندرية واستذكار أيامهم فيها.

ماذا كان نتيجة غياب الأقليتين على الاقتصاد المصري؟

نجاة عبد الحق: كان الاقتصاد المصري في عام 1937 أكبر اقتصاد إفريقي. وهذا يعود بجزء منه إلى وجود نخب اقتصادية رفيعة، ومنها اليونانية واليهودية. وطبعاً لا ننسى الدور الكبير للرأسمالية المصرية. الشركة ليست أبنية وآلات ومكاتب؛ الشركة فكرة. مما لا شك فيه، أنه ومع خروج الأقليتين اليهودية واليونانية، حصل نزيف في جزء كبير من الأدمغة الاقتصادية المصرية.

حاورها: خالد سلامة

حقوق النشر: موقع قنطرة

الدكتورة نجاة عبد الحق، أكاديمية وصحفية فلسطينية-ألمانية ولدت عام 1974 في نابلس في الضفة الغربية. أتمت دراستها في الاقتصاد بجامعة بيزريت ومن ثم حصلت على الماجستير في الاقتصاد والعلاقات الدولية من جامعة لايبزيغ الألمانية. وحصلت بعد ذلك على الدكتوراه بتقدير امتياز من جامعة إرلنغن-نورنبيرغ في عام 2012. تعمل حالياً إلى جانب التدريس في جامعة إرلنغن-نورنبيرغ في مجال الإدارة والاستشارة للمشاريع الإعلامية بين العالم العربي وألمانيا.