أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » فواد الكنجي: اللوحة السريالية بين الشكل والمضمون وأفاق الحركة

فواد الكنجي: اللوحة السريالية بين الشكل والمضمون وأفاق الحركة

اللوحة السريالية بين الشكل والمضمون وأفاق الحركة

فواد الكنجي

قبل أي حديث عن الفنان السريالي واللوحة السريالية لابد إن نقف قليلا للحديث عن طبيعة المهارات والملكات التي يملكها الفنان التشكيلي لإبداع إشكال اللوحة.
فالفنان مع الفن حالة الروح مع الجسد لا يمكن الفصل بينهما، فالفن هو وسيلة لتعبير عما يشعر الفنان من انفعالات وأحاسيس ومشاعر اتجاه قضايا ومواضيع تحيط ببيئته الاجتماعية والوطنية كونه يعيش في روحها، وان مكامن التعبير عن الحدث والرؤيا عنها تتوقف على قوة إدراكه وثقافته ومهاراته في التعبير الفني الذي هو أولا وأخير يعتبر صنعة وإتقان ومهارة، وهو ما يعرف بالنشاط الفني والذي يعتمد إضافة إلى ما ذكرناه إلى الفكر والخيال اللذان يقومان بابتكار الإشكال المناسبة للمواضيع التي تشغل بال الفنان ويصوغها حسب قوة موهبته وقدرته الفنية وخبرته كمبدع وبما يمتلك من وعي ثقافي وأخلاقي يسخره لمعالجة قضايا المجتمع .
فمهارة الفنان السريالي، هي مهارة عالية جدا بكونه يتقن صنعة (فن الرسم) بمهارة والإتقان، ليخرج اللوحة بشكل مقنع وبتداخلات ملائمة وبطريقة ساحرة تبهر المتلقي لها بحجم الدقة والحذق والبراعة والإتقان، وهذه الأمور لا تأتي إلا من له خبرة التي تحفز وتربط عملية الإبداع والتعبير عنها عبر طرح الرؤية واسترجاع الماضي وربطه بالحاضر والمستقبل وعلى مواقف مختلفة وفق مهارة حركية في التخيل والتحليل وإطلاق الأفكار المكبوتة وإسقاط الشعور بالعقل الباطني والأحلام.
فهذه العملية التي يقوم بها الفنان السريالي برسم لوحاته السريالية إنما يأتي بكون السريالية كمدرسة فنية تنطلق التعبير بالأفكار اللاشعورية للفنان والتي تقوم بربط بين العقل والعقل الباطني والأحلام لان انطلاق رؤيتها يأتي من خلال ابتعادها عن الواقع وإطلاق كل ما هو مكبوت من الأفكار والتصورات الخيالية.
بكون السريالية والتي تعني بـ( ماوراء الواقع)، ولما كان مفهوم (الواقع) كما نعلم هو كل ما هو موجود سواء في عالم المادة أو الحس أو الوعي او بكل ما يدركه الإنسان مباشرة في العالم الخارجي أو ما يشعر به ويعيه في عالمه النفسي، وعليه فان السريالية (لا تهمل هذا الواقع ولا تنكره ولكنها ( لا ) تثق به ولا تعول عليه)، ولهذا رأي (اندريه بروتون) مؤسس الحركة أو المذهب السريالية بان السرياليون ((يبحثون دوما عن واقع خفي يقبع في أعماق النفس دون أن يشعر الإنسان بوجوده وقد تكون درسا في الأعماق منذ زمن الطفولة، أو ربما في الأجيال السابقة، إنه واقع موجود، ولكن في عالم اللاشعور أو اللاوعي، وهو يؤثر في شخصيتنا وسلوكنا وتصرفنا ودوافعنا دون أن نعي آلية هذا التأثير، ويظهر بين الحين والآخر حين تنعدم رقابة الشعور في أشكال مختلفة كالأحلام النوم وأحلام اليقظة وهذيانات السكر أو التخدير أو الحمى و زلات اللسان والأخطاء غير المقصودة، والميل أو عدم الميل نحو شخص من الأشخاص أو شيء من الأشياء، وفي التنويم المغناطيسي والأمراض النفسية والمخاوف التي لا نجد لها مبررا معقولا والنزوات والجرائم الغامضة التفسير…))، هذا هو عالم (ما وراء الواقع)، إنه جزء من الذات وهو موجود ولكنه غير مرئي ولا ملاحظ، كالوجه الآخر للقمر.. بكون الذات الواعية لا تؤلف إلا جزءا يسيرا من الكيان الفرد الظاهر و لكن ما خلفها تعوم ذاته في أعماق الذات اللاواعية التي تخرج وتلوح في بعض الأحيان بشكل ومضات وتجليات روحية.
ومن هذا المنطلق حين نتأمل لوحات (سريالية) نراها مفعمة بالغموض والتصورات المعقدة بكون التعبير الفنان عن انفعالاته تظهر خلف ما هو خلف الحقيقة البصرية الظاهرة في اللوحة، فلما كان الفنان يلتجئ إلى اللون لتعبير التلقائي النفسي بعيدا عن الأسس التقليدية، فهو يرسم بربط إشكال وأجسام غريبة التركيبات غير مترابطة لخلق نماذج بعيدة عن الواقعية، كأسلوب يلتجئ الفنان السريالي في تعبيراته عن مكونات النفس، وبما توحي إليه أحلامه، وبما تأتي إليه الأفكار اللاشعورية، ولهذا تخرج محتوى اللوحات السريالية بمحتوى غامض، كون الفنان يعير للمحتوى أهمية أكثر من الشكل، وهذا لا يعني بان الإشكال في اللوحة السريالية تبتعد عن التقنية والدقة، والعكس هو الصحيح، إذ اللوحة السريالية هي لوحة في قمة الإتقان تبدعها يد الفنان لرسم الإشكال بشكل مذهل، كون الفنانين السرياليين يجيدون رسم الفن الكلاسيكي التقليدي الذي يعطي كل الأهمية بتفاصيل الشكل ودرجات اللون، فان الفنان السريالي يتجه بهذا الاتجاه ولكن يخرج عن ما هو مألوف بإشكال غير واقعية ولكنها عالية التقنية في رسم التفاصيل للإشكال الغريبة والمتناقضة ولا شعورية التي يجيد الفنان السريالي الربط بينها وإخراجها في اللوحة بشكل أكثر جمالا من الواقع ذاته ليفاجئ المتلقي، ليكون واقع الحال للفن السريالي بان المتلقي له لم يعد يرى الشكل كما اعتاد إن يراه، ولا المضمون عاد ليدرك من خلال وعي العقل له، بل من خلال العقل اللاوعي، لان فن السريالي بهذه الرؤية يكون (الشكل والمضمون) بدون هوية وهو ما أرادوا الفنانين السرياليين أمثال ( ميرو ..و ماكس ارنست.. و تانجي.. و ماسون.. و ماركريت.. و سلفادور دالي ) إن يخرجوا (فن الرسم السريالي) إليه، وبطريقة رسم إعمالهم أعطوا لهذا الفن شهرة عالمية لا توصف إلا بالروعة .
فالفنان (السريالي) ينطلق في الرسم من خلال (الإيحاء) و (الإشارة) فهم يكثرون من استخدام (الرمز) ليتركوا اللوحة مبهمة ومطلقه لكل القراءات، لان الفنان يلجئ إليها لإفراغ شحناته العاطفية المكبوتة والنفسية فيها، بكون المذهب (السريالي) هو تجسيد فّني والأدبي لمنهج (فرويد 1873- 1930) في التحليل النفسي القائم على العالم الباطني اللاشعوري، والذي توصل إليها (فرويد) من خلال تجاربه وملاحظاته ومعالجاته النفسية إلى وضع منهجٍ في (التحليل النفسي) يرمي إلى تفسير كثير من الأمراض النفسية والانحرافات السلوكية ويبحث عن العقد النفسية المترسبة في أعماق اللاشعور، التي تعمل في ظلام اللاوعي بمنزلة المنبع والدافع لكثير من الرغبات والميول وضروب السلوك. وكان العالم النفسي (فرويد) يستعين أيضا بتحليل الأساطير والنصوص الأدبية لتدعيم نظرياته، وبهذا لفت النظر إلى الصلة الوثيقة بين (الإنتاج الأدبي) و (العالم الباطني)، وجعل من اكتشافات التي توصل إليه التحليل النفسي اتجاها أدبيا نقديا وفكريا جديدا كان له التأثير الكبير في توجيه المبدعين في أنتاج إبداعاتهم في القرن العشرين، وكان من أبرز ما طرحه (فرويد) في نظريته النفسية هذه أن ((العقد الجنسية المكبوتة والمتراكمة في أعماق اللاشعور هي المحرك الأساسي للتصرف البشري ولاسيما ما سماها بعقدة أوديب..))، وبهذا المنهج اتخذوا السرياليين والتزموا بها في نظرتهم وفي تحليلهم وانطلاقهم في إعمالهم عبر الغنوص في الواقع النفسي الحقيقي، وقد تجلت في إعمالهم الأدبية والشعرية والقصصية والمسرحية والفنون التشكيلية والسينما، وكانت إعمالهم تحاول دوما الغوص في الأعماق النفس والاغتراف في أعماقها ومشابكتها مع معطيات الواقع الواعي، مجافيةً معطيات المنطق والعلم الموضوعي ورقابة الفكر، وغير مكترثة بالواقع الاجتماعي وما يفرضه من المواصفات الأخلاقية والنظم وما يسوده من العقائد والفلسفات، لان كل هذه الأمور عندهم زائفة وغير مجديه ويجب أن تنسف ليتم للفنان السريالي بناء عالمه ومستقبله منطلقا من أرض حالمة نظيفة يلتقي على صعيدها مع كل البشر في عالم شفاف مليئا بالحب والحرية والسعادة .
ولهذا لا تخرج اللوحة (السريالية) بوحدة الموضوع بل بموضوعات عدة تقبل تفسير لأي محتوى يراد منه، لان الإشكال والرموز المطروحة في اللوحة تشبه الأحلام وأحلام اليقظة وبكل ما هو متناقض واللا واقعي، ولهذا فان اللوحة السريالية تفسر من قبل المتلقي حسب حالته ألنفسيته لحظة تلقيه اللوحة.
فالتناقض الذي قام على وفقه (الفن السريالي) أصبح سمة هذا الفن لإظهار وكشف بان حياة الإنسان قائم وفق هذا التناقض، ولهذا استمدوا الفنانون السرياليين مواضيع لإعمالهم غير مستقاة من علاقات واقعية وغير مأخوذة من الواقع التقليدي، ولهذا التجئوا إلى ما هو مكبوت في النفس وتحرير النفس منه عبر الأحلام وأحلام اليقظة ليتم لها الانطلاق إلى ما وراء الواقع لتكون النفس أكثر فعالية وأعظم اتساعا نحو واقع اللاوعي واللاشعوري، حيث يتيح للفنان حرية واسعة لتحلق بكل الاتجاهات، المعقولة واللامعقولة في عالمنا، وحيث التحرر التام من القيم الأخلاقية والرغبات المكبوتة والغرائز النفسية، بكون الأفكار التي تأتي من خلال الأحلام واللاوعي، وكل ما يأتي من خلال ما هو مدفون في النفس وفي أعماقها تكون متحررة من أية رقابة، ولهذا فهي صادقه التعبير وبدون أي تشويه، ولهذا فان الفنان حين يشرع في الرسم فانه يعبر عما يتلقاه من أعماقه السحيقة ومن خلال أحلامه – أحلام اليقظة وأحلام الذهن إثناء النوم – فرغبته بتعبير عن هذه المكنونات الدفينة تصاحب الفنان السريالي نوع من الضغوط النفسية الشديدة في فعل التعبير عما يريد إفصاحه عما تعاني منها هذه النفس، فتاتي رسوماته بحركات تعبيرية وتجريدية في منتهى التعقيد، كونه يعتمد على الاستعارات من تلك المفردات كأسلوب لفنه، ولهذا تأتي اللوحات (السريالية) بأقصى (تجريد) كونها تعكس حالة التعبير عما في النفس والأحلام أكثر من أنها تعبر عن شيء محدد بعينه، لأن الفنان السريالي يريد التعبير عن شيء في غياب الضوابط الخارجية وفي غياب الوعي، ومن هنا فإن العودة إلى اللاشعور والخيال والأحلام قد ألهمت كبار الفنانين التشكيليين- كما قلنا – من أمثال( ماكس ارنست و ميرو و ماسون و تانجي و ماركريت و سلفادور دالي) و هم الذين أعطوا لـ(لسريالية) شهرة عالمية والذين برزوا بهذه الرؤية (السريالية) إلى الحد الذي نستطيع فيه التحدث عن (السريالية) كفن تشكيلي ورسم زيتي, ولكن يجب علينا ألا ننسى أن (السريالية) ليست مدرسة فنية أو حركة تشكيلية فحسب بقدر ما هي شكل من أشكال (الإشراق الروحي)، وفي الحقيقة إن الأعمال المتنوعة للسرياليين وخاصة في إعمال الفنانين الذين ذكرناهم أنفا تبدو لنا على أنها تملك قدرا كبيرا من التشابه، ولكن ما يدهشنا فيها بان هذه الإعمال ليس فيها هذا التشابه المدرسي بين فنانيها كما هي حال المدرسة التكعيبية أو الوحشية أو الدادائية, بل إن الاختلاف عميق قائم بين فنانيها، ومن هنا فإن من الصعوبة بمكان أن نبسط المذهب (السريالية) في الفن، لان التلقائية أو التعبير عن الفكر في غياب سيطرة العقل فأنهم، كحاصل تحصيل، يقدموا إعمال في غاية التعقيد لأنها إعمال أتت نتيجة تقنية (الصدفة) في تحديد الشكل النهائي للوحة وابتعاد العقل الناقد، ونحن نعلم بأن (السريالية) قد وضعت آمالها في التقنية التي تعتمد (التلقائية) في التعبير أي (التقنية التلقائية) وهذه التلقائية تتضمن عدة أساليب لعلا أبرزها هو الرسم التلقائي الذي يماثل (التحديث) في موضوع المطروح وشكله، و الذي هو شكل من أشكال التعبير المباشر عما تحت الشعور وهذه التقنية تحتاج إلى حالة غير مألوفة أو غير عادية من الانفعال يطرحه الفنان السريالي في إعماله، ومن هنا علينا أن نتيقن بان لـ(التلقائية) هذا الركن الذي يركن إليها ويركز عليها الفنان (السريالي) هي ذو طبيعة (آلية ميكانيكية) مثل الملصقات على اللوحات التي يلجئ إليها الفنان السريالي على نحو ما يفعل الفنان السريالي (ماكس ارنست) على تقديم لوحات مختلفة العمق و الاختلاف، و عملية نقل الصور التي قدمها الفنان (أوسكار دومنكر) و أوصلها (ماكس ارنست) إلى درجة عالية من الإتقان .‏
ولما كانت (السريالية) إملاء من الفكر اللاوعي في غياب كل مراقبة من العقل والمنطق، فكيف يمكن الوصول إلى هذا الفكر اللاوعي…..؟
فـ(اندريه بريتون) يحدد مصدر الوصول إلى هذا الفكر عبر (الآلية الكتابة او الرسم) وبعفوية الفكر الحر او (الفكر الطليق)، والمراد بـ(الآلية) هنا هي تسيير عقل المبدع من قبل قوة داخلية تقهر كل المقاومات الواعية اليومية، والكتابة الآلية هي نوع من هذيانات كما في حالات الأحلام والجنون يجري فيها تدفّق تيار اللاوعي، وتتخللها صحوة من الروح والهام وفيض ينطلق إلى عوالم مبهره خلاقة، والذي يدخل هذه التجربة يطلق نفسه على سجيتها ويملي كل ما يخطر بباله من التداعيات و يدونه في حالة الصحو دون تنقيح أو تجميل أو زيادة أو نقص، وهم يرون أن حصيلة هذه الكتابة هي الكشف عن ما ينتجه العقل في اللاشعور.
ولما كان الفنانٍ إنسانا تراوده الأحلام والرؤى والتداعيات، ويطلق العنان للخيال والشعور واللاشعور ويعبر عن كل ذلك سواء بالرموز أو بالجمل أو رسومات بشكل غير واعية لا منطقية ولا مقصودة ولا مترابطة ولا يراعى فيها الشكل، ولهذا فان السرياليون يقدمون كل ما هو مدهش بمعنى كل ما هو غير مألوف في علاقة جديدة مرئية ومألوفة وفي نفس الوقت غير مألوفة بمعنى أنهم يصورون العالم لنراه بشكل لم نعتد إن نراه بما هو كان عليه وتبديل في إقامة العلاقات مع ألأشياء وتنظيمها بشكل مغاير بما اعتدنا رؤيته عبر صور ومضامين اللامعقول ليقدموا لنا (الغرابة) لنواجه أنفسنا بعالم مخيف فيما وراء مظاهر الحياة البراقة.
ولهذا تجلا إبداع واهتمام الفنان (السريالي) بالعالم الباطني وهذيانات الروح والأحلام وإملاءاتها لتفجيرها من الأعماق السحيقة المختفية في أعماق ذات الإنسان وتركها لتتدفق ليتم لها التعبير عما يجري في أعماقها وعلى هواها ودون رقيب، لان هذه (التلقائية) الصادرة عن اللاوعي والبعيدة عن رقابة العقل الواعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار, ولهذا فهي تنطلق حرة في التعبير عن الأفكار بنشاط لا حدود له، وهذا الاختراق في التعبير اللا محدود والغير الماطر بقوالب ثابتة هو ما يطلق عليه بـ(المدهش) وهو مصدر (الجمال)، ولا جمال فيما سواه، ولا مكان للقيم والتقاليد عليها بكون كل تلك الأطر لا قيمة لها ولا رعاية ولا حرمة ولا سيطرة للماضي على الحاضر، وكل تلك القوالب الرتيبة يجب أن تحرق منعا للعودة، ومنعا لتقديس البشر مهما كان ..وأين من كان .. بكون البديل عند (السرياليين) هي الثقة بـ(الإنسان) الراهن وما ينطوي عليه من القُدرات، وإيمانهم بأنه (الإنسان) ذاته هو الوحيد القادر على تغيير العالم، إذ استطاع النفوذ إلى هذه القدرات وإطلاقها بحرية تامة، ولهذا بحثوا السرياليين عن برامج وضعيه لتطوير المفاهيم الاجتماعية السائدة في المجتمعات من المعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية…الخ، لذلك توجهوا (السرياليون) نحو الاتجاهات (الشيوعية) فسعوا من أجل توسيع مجال تطبيق (المادية الجدلية الماركسية) وبذلوا جهود كبيرة لإحداث ثورة لتغيير حياة الناس وتشكيل مجتمع ثوري بدلا من المجتمع القائم، وشملت ثورتهم ثورة على كل أصعدة الحياة السياسية والثقافية والفنية والاجتماعية، للوصول إلى نقطة مركزية عليا يختصرون العالم ليتم هيمنتهم عليه، ومنها ينطلق الفكر ويشع في جميع جهات الحياة المرئية والخفية لتجديد الفرد والحياة الاجتماعية والانتصار على الواقع والتحكم في المستقبل. ومع كل ما طرحته السريالية في مسعى منها لإصلاح الحياة البشرية سواء ما جاء منها في تمردها على الأديان او الفلسفات لكنها لم تستطع الإتيان بالبديل ومن ثم انسياقها مع (الماركسية) جاء وفق رؤيتها حين وجدت من (الماركسية) نظاما فكريا وعمليا جاهزا هو أقرب الأنظمة إلى طبيعتها الثورية على ما بينهما من الاختلاف لان اختلاف المنطلق بينهما أدى إلى تفسخ الحركة السريالية بعد أن اتضح عدم الجدوى في المضي قدما، وبقيت نزوات قلقةً ومتنافرة من بعض النشطاء السرياليين ملتفين حول (الفن والأدب) والذين وجدوا فيه أقرب من ذواتهم في تعبير عنها من المضي قدما إلى بناء (نظام كوني وبشري شامل) وعلى غرار النظام (الشيوعية) (ولكنهم أخفقوا) ولهذا تركوا الإنسان قلقا مرتعدا في مهب العواصف، ولهذا لم يبقى لهم خيار سوا اللجوء إلى (الفن والأدب) واحتضانه ليجعلوا (السريالية) وفق هذا المحيط مقتصرا في طرح الأفكار دون الإجابة عن أي أسئلة تطرح.
ولهذا ظلت (السريالية) نشاط (فني وأدبي) يتشبث بها الفنانون والأدباء لحبهم في المغامرة والبحث عن طريق جمع بين المعرفة والخلاص وبين النقائض، ومحاولاتهم الربطَ بين عالم اليقظة والأحلام، والواقع الخارجي والداخلي، والعقل والهلوسة والجنون والعبث، وهدوء المعرفة وحمى الحب وتمرد الثورة، وهنا يطرح السؤال نفسه هل وفّق الفنانين السرياليين في تحقيق هذا الطرح والى أي مدى …………؟

المصدر: فواد الكنجي