أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » حمزة رستناوي: ‬الحداثة الشعرية العربية في خمس ملاحظات

حمزة رستناوي: ‬الحداثة الشعرية العربية في خمس ملاحظات

تعقيبا و ذو صلة بمقال الصديق د. مازن أكثم سليمان ” هل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شاعر‭ ‬عربي‭ ‬ملعون “‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ و المنشور في الجديد-العدد 29- تاريخ 1-6-2017، سوف أعرض لعدد من النقاط، التي يمكن فهمها أيضا بشكل منفصل عن المقال‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أوّلا- لا يمكن اجمال الحداثة الشعرية العربية في حكم واحد ” سُلطة‭ ‬الذّات‭ ‬الشاعِرة‭ ‬المُسَبّقة‭ ‬بوصفِها‭ ‬‬ ‬سُلطةً‭ ‬مركزيّة‭ ‬مُتعالية‭ ‬ومُشبَعة‭ ‬بالأيديولوجيا،‭ ‬وهوَ‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يُغلِقُ‭ ‬الباب‭ ‬بعُنف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬مُنطلَقات‭ ‬رامبو‭ ‬الأثيرة .. المَلامِح‭ ‬الرامبوية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يُمكِن‭ ‬أنْ‭ ‬تتعايَشَ‭ ‬مع‭ ‬أيِّ‭ ‬نكوصٍ‭ ‬أيديولوجيّ‭ ‬ماضويّ‭ ‬حطَّ‭ ‬بظلالِهِ‭ ‬الثَّقيلة‭ ‬والعريضة‭ ‬على‭ ‬فضاءات‭ ‬الشعرية‭ ‬العربيّة،‭ ‬وعلَّقَ‭ ‬إمكانيّات‭ ‬ولادة‭ ‬ الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬المَلعون‭!‬” انتهى الاقتباس. الحداثة الشعرية العربية هي حداثات وأشكال متعددة.. تختلف في مدى حضور أو انسحاب أو تشظّي .. سلطة الذات الشعرية بصفتها ذاتا فردية أو ذاتا للجماعة ، بصفتها مُعايشة مُحايثة أو متخيّلة متعالية. في نماذج ليست قليلة الحضور في الحداثة الشعرية العربية كانت التجارب الشعرية تقدّم نفسها بلغة مُعايشة أكثر تواضعا ولكنها طافحة بالثورة والتمرّد على سلطة الذات و الأنا الأحادي / الجماعي المؤدلج. نجد ذلك على سبيل المثال سوريا في نماذج محمد الماغوط و رياض صالح الحسين و تجربة علي الجندي مثلا في ( الراية المنكسة 1962) و تأكيده على قيم التمرد الفردي، والمنظور العبثي الوجودي الفجائعي للعالم ، وقريب من ذلك نجده عربيا عند صديقه بدر شاكر السياب في المرحلة الأخيرة من حياة ، عقب انهيار حلمه الشخصي في الأيديولوجيا الماركسية والقومية العربية ، في مجموعات الأخيرة المعبد الغريق (1962)، ومنزل الأقنان (1963)، و شناشيل ابنة الجلبي (1964) كما أنّ تجارب الحداثة الشعرية العربية في جانبها التموزي المؤمن بالانبعاث قدّمت نماذج شعرية فذّة وخالدة مثل قصيدة أنشودة المطر للسياب أو أغاني مهيار الدمشقي لأدونيس و قصيدة الجسر لخليل حاوي بالإضافة الى غالب تجربة محمود درويش، و يبقى سؤال المآلات وما انتهت اليه هذه التجربة اليوم مشروعا ، بانتظار تحريك مياه الحداثة الراكدة و اطلاق مبادرات و رؤى تجديدية و تنظيرية ، يمكن اعتبار ” الاعلان التخارجي – مازن أكثم سليمان 2011 ” مثالا عليها.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
*
ثانيا- في الكثير من تجارب رواد الحداثة العربية جرى تحييد الأنا الشخصي الاجتماعي السياسي العام عن الحضور الابداعي الشعري ، أو على الأقل تخفيف جرعة الأيديولوجيا الأحادية عند الشعراء المؤمنين بها ، بما أتاح حضور جماليات و تجارب و مغامرات شعرية أصيلة . ربّما هنا يمكن استنتاج تفوق حال الحداثة الشعرية العربية على حال الحداثة السياسية العربية المعاصرة لها كما عبّرت عن نفسها بالمشروع القومي والماركسي و الليبرالي أيضا، حيث انتهت جميعها الى طريق مسدود، وهذا أمر مفهوم حيث أن الابداع الشعري عمل حدسي وفردي ، بينما الابداع السياسي عمل صعب جماعي منظّم متعدد يحتاج الى استراتيجيات و تكتيكات و يواجه تحدّيات خارجية مباشرة لا نجد مثيلا لها في حال الثقافة و الشعر.
*
ثالثا- منطق الجوهر النافي المهيمن عربيا فقد صلاحيّته في حقل السياسة ، وبدا ذلك واضحا عقب اندلاع ثورات الربيع العربي ،حيث انتهت بنا الحال الى دول فاشلة وحروب أهلية و توحّش واحتلالات مباشرة وهجرات جماعية. بالمقابل يحافظ منطق الجوهر على صلاحية معيّنة في حقل الفنون والأدب ، يظهر ذلك في العمل الفنّي من خلال الأنا الشاعرة الفردية أو الجماعة ، عبر آليات تأكيد التفرّد والتنافس والايمان اللانهائي بقدرة الخيال والخلق والانبعاث ، و بما قد يتيح للعمل الفني حيوات مستقلة قد تأخذ صيغ نبوئية أو خلاصية ، مع الالتزام ببرهان الفطرة وأولويات الحياة و العدل والحرية مثلا.
*
رابعا- قصور الحداثة الشعرية العربية عن التأثير في الثقافة العربية المعاصرة ، و ضعف حضور الحداثة الشعرية فيها، يعود في حدود كبيرة الى ضعف تسويق وفشل سياسي في ادارة الشأن الثقافي ، فالمناهج الدراسية و حتى الجامعية لغير المتخصصين بالأدب العربي الحديث، تعطي اهتماما أكبر للشعر العربي الكلاسيكي القديم مقارنة بالحديث، و تُدرّس تاريخ الأدب العربي على أنّه الأدب العربي، وقصيدة النثر الى الآن نجدها غائبة عن مناهج الدراسة الثانوية – الفرع الأدبي مثلا ، وهي غير مُعترف بها أو غير مُكرّسة كجنس أدبي في المستوى الجامعي حتّى ، فشاعر سوري كرياض صالح الحسين يكاد يكون مجهول حتى بالنسبة إلى حاملي البكالوريوس السورية في الأدب العربي، و أدونيس تعرَّف القطاع الواسع من السوريين عليه بسبب مواقفه السياسية من الثورة/ الحرب السورية وعلى الغالب بطريقة متجزأة وسطحية، أما محمد الماغوط فالقلة القليلة من السوريين يعرفون أنه شاعر؟! و هم أصلا يقيمون له احتراما خاصا بصفته مؤلف أعمال مسرحية سياسية ساخرة قدمها دريد لحام (فرقة تشرين المسرحية السورية ) كمسرحية غربة ومسرحية ضيعة تشرين .
*
خامسا- التصنيف شأن الناقد و ليس شأن الشاعر، و إذا كان التصنيف و نظرية التجنيس آلية إجرائية مفيدة لدراسة النتاج الشعري، ولكن ينبغي أن لا تتحول إلى اختلاق خنادق جديدة ، و ينبغي أن لا تكون مؤدلجة وفقا لتصورا قبلية وهنا أوافق الصديق مازن في دعوته إلى ” تفكيك‭ ‬ثوابت‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬المُتكلِّسة‭ ‬الآن،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ثنائياتها‭ ‬المُفتَعَلة‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬الشعر‭ ‬الرؤيويّ‭-‬الشعر‭ ‬اليوميّ‮» كل ذلك وفق منطق تحزّب أيديولوجي يعكس هيمنة منطق الجوهر النافي على الحياة الاجتماعية العربية ، فأصبحنا نتكلم عن شلة قصيدة النثر و شلة الكلاسيكي و شلة التفعيلة ..و كأنها أحزاب سياسية مغلقة على أصحابها. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

المصدر: الحوار المتمدن



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع