أخبار عاجلة
الرئيسية » معلومات عامة » ماذا تقول أسماء الشوارع والساحات عن ثورات العرب وصراعاتهم؟

ماذا تقول أسماء الشوارع والساحات عن ثورات العرب وصراعاتهم؟

في معارك التاريخ وثوراته، تتغيّر مفاهيم الحكم وطبيعته، وكذلك تنعكس توجهاته الجديدة في أسماء المدن والشوارع وحتى في أسماء أحداث التاريخ.

لعلّ أشهر مثال يتبادر إلى الذهن هو مدينة إسطنبول، التي بتغيير اسمها من القسطنطينية، أعلنت بداية حقبة تاريخية جديدة غيّرت خريطة المنطقة.

ومثل ذلك يحدث في تغيير أسماء الشوارع والساحات بعد معارك التغيير داخل البلد نفسه، عندما تنتصر ثورة وينجحُ نظامٌ جديدٌ.

نجد أمثلة من كل مراحل التاريخ، وعلى كامل مناطق العالم، إذ قلمّا يتواصل استخدام أسماء الأماكن على مرّ العصور دون تغييرها.

وفي العالم العربي، استبدلت أسماء أماكن عدة بعد الثورات، قديمها وجديدها. فهل تغيير اسم الشوارع والساحات يؤثر على سرد التاريخ وحقيقة المكان؟

أسماء الشوارع والميادين تحاوطنا ليلاً ونهاراً، نقولها عند الذهاب إلى العمل ونمرّ عليها أثناء العودة للمنزل، نراها في النزهة ونتواعد بجوارها مع صديق أو رفيق.  

ولكنها أيضاً المنصة الأهم والأسرع التي يوصل بها الحكم السياسي ما يريده من رسائل إلى الناس. فهي بمثابة إعلام بصريّ، مثلها مثل الدعايات والإعلانات.

 يقول الدكتور محمد رحيل، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة الأمريكية أنّ منح أسماء جديدة للشوارع والأماكن العامة بعد أي تغيير سياسي يحدث لأسباب عدة.  

أبرزها مسح بصمات النظام السابق من الدولة وإعلان بدء مرحلة جديدة، وهو عادة أهم خطوة لأي نظام جديد لترسيخ قواعده في أذهان العامة عبر إعادة تسمية الشوارع والميادين.  
في مصر، استولت الجمهورية على إنجازات الملكية

 يتكئ تغيير أسماء الشوارع والميادين ونسبه للنظام الجديد على سياسة محي آثار السلطة القديمة أو الاستعمار.

لذا نجد على سبيل المثال، ما حدث في مصر بعد 1952، حين انتصرت حركة الضباط الأحرار، وغيرت كل ما يتبع الملكية، خاصة من عهدي الملكين فؤاد وفاروق.  

لعلّ البداية جاءت بعد تعيين عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة وزيراً للشؤون البلدية والقروية في 29 يونيو 1956.  

حيث قام البغدادي بتعديل أسماء الأماكن والشوارع التي تحمل أسماء ملكية، فاجتهد في ترك بصمة ثورة يوليو وأعضائها على شوارع وميادين المحروسة، وأعطى لمصر صبغة عسكرية صارخة.

فتحوّلت بعدها كل المسميات التابعة للملكية إلى أسماء أخرى أغلبها ثورية. فاستبدل شارع الملك فؤاد بـ26 يوليو (نسبة إلى تاريخ 26 يوليو 1952 الذي غادر فيه الملك فاروق مصر).  

ومستشفى الملكة نازلي في الإسكندرية تحوّلت إلى مستشفى الأنفوشي للأطفال، وكذلك مستشفى فاروق، التي أصبحت مستشفى الجلاء، وأصبح داخل كل مدينة في المحروسة شارع باسم الثورة أو الأحرار أو الجيش.

ولا يمكن تجاهل الشارع الأشهر في القاهرة، الممتد من حي العباسية إلى مصر الجديدة ومدينة نصر، والذي حمل اسم “صلاح سالم”، وهو عضو مجلس قيادة الثورة. 

انتشار هذه الأسماء يعبر عن الاستراتيجية وفكر الأنظمة التي تحكم الدولة. في هذا السياق تقول آمنة أمين، الباحثة في الدراسات الإنسانية والثقافية، لرصيف22، إن تغيير الأسماء لتحمل علامة القوى الحاكمة هو محاولة لتغيير منظور سرد التاريخ.  

لأن التسمية واجهة للسلطة، يتغير معها أصل مبنى أو صرح ما، وتتبادر للأذهان تواريخ مختلفة لعصر بنائه. وتابعت أمين :”على سبيل، مستشفى الجلاء للولادة في وسط البلد، يظن معظم الناس أنها أنشئت بعد ثورة 1952 من قبل مجلس قيادة الثورة بمجرد سماع لفظ الجلاء”.  

لكن الحقيقة، كما تؤكدها أمين “أنها بنيت في عهد الملك فاروق في ثلاثينيات القرن الماضي، لخدمة النساء وتقليل حالات الوفيات، وكانت تسمى باسم مستشفى فاروق للولادة”.  

القوى الحاكمة تستهدف الأماكن الحيوية ذات الأسماء الرنانة التي يزورها الناس باستمرار لتوصل رسالتها من خلال الاسم الجديد.  

فيما تعبر محمد رحيل، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، إطلاق تسميات جديدة تحابي النظام الجديد نوعاً من التزيف للتاريخ، ويعتقد بأنها وسيلة من وسائل تصفية النظام القديم نفسياً ومعنوياً: يدمّر كل الإنجازات الواضحة للنظام السابق، وتدريجياً يبدأ ينسبها لنفسه.  
سوريا الأسد  

اعتاد السوريون على تسمية الشوارع والأماكن والساحات العامة والأحياء، بأسماء القادة والملوك والأحداث الهامّة.

وأمّا المدارس، خاصة ما بني منها في العقود الأخيرة، فبمعظمها حملت أسماء شهداء من الحقب المختلفة، أغبلها من العصر الحديث. وكثيراً من الأحيان يتم تغيير هذه الأسماء، لمحو ذكرى وتأسيس أخرى.

عندما جاء انقلاب حزب البعث عام 1963، استبدلت على أثره أغلب أسماء الشوارع بأخرى ثورية أو أسماء أحد القادة العسكريين، أو أبطال من عصور تبنّاها البعث كأحداث لا تتعارض مع رسالته وأهدافه، والأمثلة كثيرة، أهمها صلاح الديّن والأمويون.   

ومن هذه الأسماء نجد شارع الثورة الشهير في دمشق، وكذلك أسماء شوارع كثيرة كانت تحمل اسم شكري القوتلي، رئيس سوريا بين عامي 1943 و1949 ثمّ بين عامي 1955 و1958، التي تغيّر بعضها إلى النصر والتحرير والثورة في المحافظات كافة، وهي مبادئ يكرسها البعث.  

وبعد ما يسمّى بـ”الحركمة التصحيحية”، أصبحت الكثير من المنشآت والشوارع تشير إلى شخص واحد، هو الأسد، حتى باتت سوريا تسمّى “سوريا الأسد”، فأصبح هناك مدارس الأسد، وشوارع الأسد، وسد الأسد.

التغيير لتخليد شخص أو فكرة ليس حكراً على عصرنا، ولا على العالم العربي، وفي صميمه يسعى “لتخليد بعض الرموز أو الأفكار، وفرض أيدلوجية جديدة”، كما يقول رحيل،لكنها نظرة مرحلية وآنية، وفيها تخوف من عودة النظام القديم، ورغبة في قطع خط الرجعة مرة أخرى عليه. 

ما يحدث بعد التغيير هو الأهم في تتبع نجاح هذه السياسات أو فشلها، كما تقول أمين: فإن هناك فئة تتأقلم مع هذا التغيير وتقبله، فيما ترفضه وتقاومه فئة أخرى، أو يبقى الاسم القديم عالقاً ومستخدماً. 
تونس: التغيير للتكريم

التغيير في تونس كان من نوع آخر، فبعد ثورة الياسمين، وضع اسم محمد بوعزيزي، شراراة ثورات الربيع العربي بعدما أضرم النيران في نفسه، بشكل شعبي غير رسمي بداية، على ساحات عدة في تونس.

جاء ذلك كنوع من الثورة على الحكم السابق، وتكريماً للقيمة الرمزية لبوعزيزي، خاصة عندما منح اسمه لشوارع وساحات حملت اسم زين العابدين بن علي رئيس تونس السابق.

“نجد شوارع كثيرة في الدول العربية بأسماء الثورة والجلاء والأحرار والنصر أو أسماء الأحزاب أو الشهداء. وفي مصر على سبيل المثال لا يخلو حي من أسماء الضباط الأحرار إذا كان جمال عبد الناصر أو صلاح سالم أو محمد أنور السادات وغيرهم”، بحسب أمين.

إلى ذلك، يقول عبد الحميد زيد، أستاذ ورئيس قسم الاجتماع في جامعة الفيوم لرصيف22، أن حركات التغيير السياسي في المجتمع تشهد تعديلاً جذرياً في أسلوب المعيشة والتنظيم السياسي والقانوني.

ومن هنا نجد أن أول التغييرات تكون في أسماء الميادين والشوارع التي تحمل أسماء رموز العهد السابق، كإعلان للخروج من عباءة النظام السابق، سواء كان ملكياً أو جمهورياً، ولتذكير المواطنين دائماً برموز النظام وانجازاته.

تقول أمين بهذا الخصوص: “بعد تعرض المواطن إلى هذه الرسائل المتكرر ستتغير مصطلحاته وذكرياته مع المكان بشكل لا إرادي، وبالتالي سيدخل في ثقافة العامة الأيدلوجية الجديد بكلماتها ومرادفاتها”.
فلسطين وصراع التهويد

يختلف الوضع في فلسطين عن باقي الدول العربية، فيضاف إلى محو الآخر، عنصر فرض تاريخ جديد وتشويه مجتمع وثقافة شعب بكامله، حيث تستبدل قوى الاحتلال بين الحين والآخر أسماء شوارع عربية في فلسطين بأخرى عبرية.

يعتقد زيد، أن النظام يبث عبر هذه الأسماء رسائل واضحة للشعب، وهي أن ما تم وما سيتم هو تغيير للرؤية السياسية، وتغيير للهوية.

ويتابع: “الرسالة هنا لا تقتصر على السكان المحليين فقط، لكنها للدول الأجنبية أيضاً”.

تغيير الأسماء في فلسطين هو ساحة صراح بحد ذاته، يخوضها الفسطينيون للتمسّك بالحقوق والتاريخ والهوية. 

كيف يؤثر تغيير الأسماء على الهوية؟

توضح أمين أن الحكم الجديد يقوم بما يشبه تصفية للتاريخ: فيترك أسماء بعض رموز النظام الذي سبقه إن كانت تتفق مع أفكاره وتكرس سياسته، ويغييب ذكرى من يعارضه.

فعلى سبيل المثال، رموز ما قبل ثورة 1952، كطلعت حرب وسعد زغلول وعمر مكرم، لأنها حاربت الاستعمار والقوى الخارجية، بقيت أسماؤها في الشوارع والميادين بعد الثورة، لتخلق استمرارية، ولتمنح بذلك شرعية للنظام الجديد.

لكن ماذا عن الهوية العامة للشعب وتأثيرها في ثقافتهم وحياتهم؟

اعتبر عبد الحميد زيد، أستاذ علم الاجتماع، أن الهوية مثبتة بتراث وقيم وثقافة الشعوب، ومهما حدث من تغيرات في التسمية، ستظل القيم المحورية للمجتمع ثابتة ولن يؤثر عليها أي تغيير.

لكن اختلف في ذلك الدكتور محمد رحيل، الذي يعتقد أنّ هذا التغيير يعدُّ تشويهاً للهوية العامة للشعب لأنه يزيف التاريخ بشكلٍ مباشرٍ.

فيما رأت آمنة، أنّ أيدلوجية أسماء الشوارع تؤثر في الهوية العامة، فالمواطن يتعرض لها بشكل شبه يومي، وبالتالي ستتكرر في ذهنه رسالة النظام: النصر، الحرية، الأحرار، استقلال، ثورة، جلاء، جيش، حتى تترسخ هذه المفاهيم بسهولة.

تغيير أسماء الشوارع هو وسيلة من وسائل مراكز القوى لترسيخ معلومة معينة في تشكيل هوية المواطنين من ناحية، وفرض وجهة نظر للتاريخ من جهة أخرى.

ولكن في السياسة، كما في باقي مناحي الحياة، لا يدوم أي شيء، ومع أننا أميل لفهم تغيير الأسماء كأداة سياسية، ربما علينا أن نقدّر جانباً إيجابيّاً أساسياً في هذه الممارسة، ألا وهو التغيير.

المصدر: رصيف 22