أخبار عاجلة
الرئيسية » تكنولوجيا » اتركوا ما في أيديكم واعرفوا أكثر عن البيانات الضخمة وكيف تتحكم بأنفاسنا

اتركوا ما في أيديكم واعرفوا أكثر عن البيانات الضخمة وكيف تتحكم بأنفاسنا

عصرنا هو عصر “البيانات الضخمة” دون منازع. البيانات الضخمة ليست مجرد موضة عابرة، ولا أمراً يمكن تجاهله. لقد أصبحت نسيجاً حيوياً وأساسياً في تشكيل حيواتنا ورسم مساراتها.

ذكر تقرير أعدّه البيت الأبيض، أهم مصادر البيانات الخاصة بالأفراد وهي وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهاتف المحمول والسجلات والبيانات المحفوظة لدى السلطات المحلية وقواعد البيانات التجارية التي تجمع البيانات الفردية من معاملات تجارية وسجلات عامة وغيرها، والبيانات الجغرافية والدراسات الاستقصائية والوثائق التقليدية الممسوحة ضوئياً ونظام تحديد المواقع “جي بي أس” وفواتير المدفوعات الشخصية وخرائط الشبكات اللاسلكية.

ولا تنتهي القائمة بل تغطي كافة تحركاتنا في الحياة اليومية، حتى أن الكلمات التي تُكتب للبحث عن شيء للشراء أو معلومة ما يجري حفظها وإن كانت قد مسحت قبل ضغط زر البحث.
“تسونامي البيانات”  

بحسب مجلة “فوربس”، جرى بين عامي 2013 و2015 خلق بيانات تعادل ما شهده التاريخ البشري كاملاً. وبحلول العام 2020، سيتم خلق حوالي 1.7 ميغابايت من المعلومات الجديدة في كل ثانية  لكل فرد على هذا الكوكب.

سجّل العام 2015، على سبيل المثال، 40 ألف عملية بحث على غوغل خلال الثانية الواحدة. وفي أغسطس من العام نفسه، رصد فيسبوك استخدام مليار شخص للتطبيق يومياً، وشهد الموقع إرسال 31.25 مليون رسالة و2.77 مليون فيديو في الدقيقة الواحدة.

أما يوتيوب فسجّل خلال دقيقة واحدة تحميل 300 ساعة مصورة، كما تمّ التقاط تريليون صورة والملايين منها تمت مشاركتها إلكترونياً.

وفي العام 2020، سيكون هناك في العالم حوالي 6.1 مليار مستخدم للهواتف الذكية، وأكثر من 50 مليار جهاز ذكي، كلها متصلة ببعضها في العالم.

هكذا نغرق في “تسونامي” من البيانات التي تعد في شكلها الأولي الخام غير منظمة. أما مصطلح “البيانات الضخمة”، الذي أدرجته جامعة “أوكسفورد” في قاموسها ككلمة جديدة، فعرّفه “معهد ماكنزي العالمي” في العام 2011 بمجموعة من البيانات يفوق حجمها قدرة أدوات قواعد البيانات التقليدية على التقاطها وتخزينها وإدارتها وتحليلها.

هذه البيانات الديناميكية والمتنوّعة، التي يولّدها الأفراد والآليات والآلات، استوجبت إيجاد أنظمة جديدة تعالج من خلال أجهزة الاستشعار والتطبيقات الخاصة تلك البيانات وتحوّلها إلى معلومات ومعرفة.

وعندما تصبح معرفة يُفترض أن تساعد البشرية على استبصار المستقبل والتحكم بشكله المرتبط بالمستهلكين والمنافع والمخاطر والأداء والإنتاجية.
كيف نستفيد من البيانات الضخمة إذاً؟

كما تدخل البيانات الضخمة في كل تفصيل حياتيّ، تساعد عند معالجتها وتحويلها إلى معلومات في تحسين كل تفصيل كذلك.

على سبيل المثال، في المجال الأكاديمي، يمكن رصد المشاكل التعليمية وتحسين خطط التعليم. وفي مجال النقل، تساعد مقاطعة المعلومات على إنشاء نظام نقل متوافق مع حاجات الأفراد وطبيعة المناطق التي يعيشون فيها.

وفي القطاع المصرفي، تكشف عمليات الاحتيال وتحدّ من دعم الشبكات الإرهابية، وفي القطاع الطبي ترصد الأوبئة وتساعد في وضع خطط صحية سليمة بناء على بيانات المواطنين المتعلقة بمناطقهم وأعمارهم وأجناسهم.

وفي القطاع العسكري والأمني، تساعد في متابعة وضع الجنود وتكييف الخطط وضبط تطور التوجهات الإرهابية، فكما قال نابوليون بونابرت مرة “الحرب تعتمد على المعلومات بنسبة تسعين في المئة”، والآن مع هذا التطور باتت النسبة تقارب المئة في المئة.

ولكن لماذا نرى بلداناً دون أخرى تستفيد من بياناتها الضخمة؟ هل لأنها تمتلكها والأخرى لا؟

بحسب الباحثين، تمتلك جميع بلدان العالم البيانات وإن بضخامة مختلفة، لكن الفارق بينها هو في استغلال ما تملكه وتحويله لمعلومات. وحتى بعد امتلاك الأخيرة، تختلف القدرة بين الأنظمة على ربط المعلومات ببعضها البعض وكذلك في الإفادة منها و”تقريشها” في خطط بناءة.

أقوال جاهزة

ماذا عن الأهم: المخاطر الظاهرة والمستترة؟

اختارت مجلة “نيوزويك” لغلاف عددها الأخير موضوع “البيانات الضخمة”، وعلى الصورة التي تُظهر صفاً لا ينتهي من البشر، كل يحمل في يده هاتفاً يسلب نظره وتفكيره، كتبت بالخط العريض “مغسولي الأدمغة”، وفي العنوان الفرعي “كيف تفسد البيانات الضخمة الديموقراطية”.

يعالج التحقيق المطول مسألة “البيانات الضخمة” وكيف شاركت بالسيطرة على خيار الناخبين.

في التحقيق نتعرف على شركة “كامبريدج أناليتيكا” التي بنت قاعدة بيانات ضخمة عن الأمريكيين وباعتها لحملة دونالد ترامب الانتخابية. ومن بين القدرات التي أتاحتها بيانات الشركة للحملة، كان أبرزها القدرة على “التنميط النفسي” للناخب.

يشرح صاحب “كامبريدج أناليتيكا” ألكسندر نيكس، الذي تحمل شركته شعار “الداتا تتحكم في كل ما نفعله… كامبريدج أناليتيكا تستخدم الداتا لتغيير السلوك”، كيف تتيح محيطات البيانات تحديد مشاعر كل رجل وامرأة في أمريكا بدقة فائقة، واستخدامها لاحقاً في الحملات الانتخابية.

ويتم تقسيم أنواع الشخصيات إلى مجموعات فرعية، ثم تُستخدم عوامل أخرى لتقسيم تلك المجموعات الفرعية إلى مجموعات أصغر، ما يسهل خلق رسائل موجهة بدقة ومصممة لتناسب كل شخص تقريباً حسب احتياجاته العاطفية والنفسية.

يمكن تجربة الأمر بشكل فردي: يسمح موقع جامعة كامبريدج، حيث تم تطوير نظام عمل كامبريدج أناليتيكا ولكن غير المرتبط تجارياً بالشركة، بتجربة طريقة التنميط النفسي من خلال فيسبوك وذلك عبر موقع https://applymagicsauce.com.

ويسمح لمستخدمه بالتمدد كشبكة العنكبوت بين بوستات الأصدقاء على فيسبوك وطبيعة الأصدقاء و”لايكاتهم”، وخلال ثوان يستطيع تحديد الميول الشخصية التي توضح درجة الانفتاح والوعي والسعادة والتقبل والعصبية، ويتم بناء ذلك من خلال أدق التفاصيل كالتمييز مثالاً بين من يضع تاريخ ميلاده على صفحته الفيسبوكية من عدمه.

هكذا تمكن ترامب من قولبة رسائله والمستهدفين بها بين منع السلاح من عدمه والهجرة والبطالة…. وأبعد من ذلك، فقد كان فريق ترامب قد بنى قاعدة بياناته الضخمة الخاصة به والتي عالجت ميول الناخبين حسب قوائمهم الشرائية وفواتيرهم وامتلاكهم لرخص سلاح و…
سجن بانوبتيكون

شبّهت “نيوزويك” عالم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والخوارزميات وكل التنميط النفسي الشامل بسجن بانوبتيكون Panopticon والذي يعني “مراقبة الكل” (مراقبة: opticon الكل: Pan).

وبانوبتيكون هو نوع من السجون كان قد صممه الفيلسوف الإنكليزي وعالم الاجتماع جيريمي بنثام في العام 1785، ويقوم على تمكين عنصر أمن واحد من مراقبة جميع السجناء في الوقت عينه وعناصر الأمن من مراقبة السجناء في كل ثانية ودقيقة من اليوم، من دون أن يعرف هؤلاء ما إذا كانوا مراقبين أم لا.

وكان بنثام قد وصف تصميمه بـ”الطريقة الجديدة للحصول على قوة العقل بالعقل”، بينما اعتبره منظرون آخرون لاحقاً كميشيل فوكو وجورج أورويل رمزاً للقوة اللامرئية.

أما مراقبينا، بحسب “نيوزويك”، في القرن الواحد والعشرين فلا يحاولون فحسب بيعنا فكرة قضاء الإجازة في توسكانا الإيطالية فقط لأننا بحثنا عن إيطاليا على غوغل أو اشترينا كتاباً عن فلورنسا عبر أمازون، بل يستغلون عقوداً من أبحاث العلوم السلوكية بطرق معيبة وغير معقولة لجعل البشر يتخذون قرارات من دون أن يلاحظوا كيف يتخذونها.

إنها من اللحظات التي تتفوق برعبها على أفلام الرعب.
قانوني؟ نعم، أخلاقي؟ لا

يقول صاحب كتاب “فقاعات الترشيح: ما يخبؤه الإنترنت عنك” إيلي باريسر إن مسألة التنميط النفسي تحتوي على مخاطر جمة، وأحدها يكمن في التوقف عن سماع الحجج السياسية الفعلية وبالتالي فقدان القدرة على الحوار بالمطلق، محذراً أن العالم قد يتجه بسرعة ليصبح قائماً على “التوجيه/ الاستهداف المصغر” (Microtargeted world).

كما يحذر باريسر من “فقاعات الترشيح” التي تحصر نتائج بحث معين نقوم به على الانترنت في ما يعتقد الأخير أننا نريد رؤيته، لكن ليس بالضرورة ما نريد رؤيته فعلاً. وفقاعة الفرد المرشحة هي عالم المعلومات الفريد الخاص به على الانترنت، فالموجود في فقاعة أحدهم يعتمد على من يكون وما يقوم به.

والحاصل، حسب باريسر، هو أن الفرد لا يقرر ما الذي يدخله، والأكثر أهمية، أنه لا يرى في الواقع ما الذي يُحرّر بعيداً عنه ولا يصله.

يعطي باريسر مثالاً، فيقول “طلبت من مجموعة من الأصدقاء أن يبحثوا في غوغل عن مصر وأن يرسلوا لي لقطات لما حصلوا عليه. حين وضعت اللقطات المختلفة جنباً إلى جنب، كانت الروابط المذكورة في صفحاتهم ملفتة جداً. لم يحصل دانييل مثلاً على أي شيء حول التظاهرات في مصر على الإطلاق في صفحته الأولى من نتائج بحث غوغل، بينما أتت نتائج بحث سكوت مليئة بها.

إلى هذا الحد بلغ مدى الاختلاف في نتائج البحث بين الأشخاص، وعلى ما يقول إريك شميت “سيصبح من الصعب على الناس مشاهدة أو استهلاك شيء لم يتم بمعنى ما تخصيصه لهم”.

وفيما تجاوزت تكنولوجيا “البيانات الضخمة” نقاش الأطر القانونية والتنظيمية، لا يزال النقاش السياسي/ القانوني حول أطرها الأخلاقية وتلاعبها بالعقول والعوامل النفسية شبه نادر.

من جهته، يقول غريغ جونز، نائب رئيس شركة “إكويفاكس” إحدى أكبر شركات جمع المعلومات، بأن الشركات ككامبريدج أناليتيكا باتت تعرف أدق خصوصيات الأفراد لدرجة تسمح لها بتقديم العرض المثالي لكل فرد وفي الوقت المثالي. ولكن هل استخدامهم لبيانات الأفراد قانوني؟ يجيب جونز بنعم لكنه يشكك في كونه أخلاقياً.

سحق الإبداع

تحت عنوان “البيانات الضخمة ومخاطرها المستترة”، كتب الباحثان كارلو راتي وديرك هيلبينغ يقولان إننا “نقترب بسرعة من إنتاج ما أسماه الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو ببصيرته الثاقبة “ذاكرة العالم”: نسخة رقمية كاملة من كوننا المادي”.

يعطي الباحثان مثالاً عن طريقة عمل موقع “أمازون” شارحين الممارسة المألوفة المتمثلة في شراء كتاب عن طريق الموقع. بحسب الشرح “تحتفظ شركة أمازون بجبل من المعلومات عن كل مستخدميها، بدءاً من أوصافهم العامة إلى تاريخ بحثهم إلى الجمل التي يضعون عليها علامات إبراز في الكتب الإلكترونية”، وهكذا “تتنبأ الشركة بما قد يرغبون في شرائه مستقبلاً”.

وكما هي الحال في جميع أشكال الذكاء الاصطناعي، تُستخدم الأنماط السابقة للتنبؤ بأنماط المستقبل، ويصبح بإمكان “أمازون” أن تنظر إلى آخر عشرة كتب اشتراها فرد معين، لتقترح بدقة متزايدة الكتاب التالي الذي ربما يرغب في قراءته.

لكن محاولة السيطرة على كل أشكال الفوضى (البناءة) تهدد بخسارة كبيرة.

يشرح كل من راتي وهيلبينغ ذلك بالقول إن “الكتاب الأكثر أهمية الذي ينبغي لك قراءته بعد تلك الكتب العشرة السابقة ليس الكتاب المنسجم تماماً مع نمط ثابت، وإنما الذي يفاجئك أو يدعوك إلى النظر إلى العالم بطريقة مختلفة”.

هكذا تشكل نبوءة البيانات الضخمة خطراً على أشكال الصدف الخلاقة والخيارات العفوية، وما ينطبق على “أمازون” ينطبق على جوانب المجتمع كافة، إذ تهدد بسحق الإبداع والديمقراطية.

في المحصلة، يحذر الباحثان من ضرورة تجنب هذه النتيجة بأي ثمن. لماذا؟ لأن نزعة توخي الأمثل من خلال البيانات التي تستمد الحلول من نماذج محددة سلفاً، تستبعد غالبا الأفكار التحويلية أو المعاكِسة للتوقعات البديهية التي تدفع البشرية إلى الأمام.

ولأن الحياة لا تستقيم إلا بقدر معين من الصدف البحتة التي تتيح نشوء أفكار أو طرق جديدة في التفكير، يصبح الحفاظ على القدر المطلوب من العشوائية ضروري على المستوى الكلي للحياة ذاتها، لمجتمع أكثر إبداعاً وتنوعاً ومرونة.

المصدر: رصيف 22