أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » شلل وعمى.. في المدن السورية

شلل وعمى.. في المدن السورية

“حلب” السورية التي عاشت أهوال القصف والتدمير والحرب الطاحنة في الحرب الأهلية الجارية، قبل أن تحتل خرائبها قوات النظام، ليست مجرد مبان مهدمة ونفوس محطمة، بل وعذاب مرير عاشه السكان أشهراً طويلة ولا يزالون، رغم أنهم “خرجوا” من حرب دامية لم تبق ولم تذر. متى ستنتهي المدينة من لعق جراحها وكيف ستلتئم تمزقاتها؟ لا أدري، ولكن ذلك قد يكون أسهل من استرداد السكينة والتعايش مع مرارة التجربة وحكم التاريخ، وتقبل ما فعلته أدوات الدمار بهم، وبخاصة من شوّهتهم الحرب ووضعت الكثيرين منهم أمام حقائق وظروف معيشية مُرّة.

قرأت عن حياة مصابي الحرب في هذه المدينة، ولا يمكن الاستمرار في القراءة دون أن تجرفك موجات الغضب واليأس، ودون أن تغرق عيناك بالدموع. يواجه آلاف المعاقين في حلب مصيرهم المؤلم، تقول “القبس”، في ظل انعدام الدعمين المادي والنفسي، وفي ظل غياب أي اهتمام محلي أو دولي يخفف من محنتهم، ويعينهم على الالتحام بالحياة الطبيعية.

وتضيف الصحيفة الكويتية: “محمود قوج”، وعمره 31 سنة، فتكت القنابل بجسده وبترت يده اليسرى بعد إصابته بصاروخ استهدف مجمعاً سكنياً كان يوجد فيه محمود مع رفاقه. ماذا يبقى من وجودك المادي والروحي. إن استهدفك صاروخ من قاذفة قنابل؟! “أشعر بأني أصبحت نصف رجل”.. يقول محمود: “بِتُّ غير قادر على ممارسة كثير من واجباتي اليومية، لا يوجد أصعب على المرء في حياته من نقص أحد أطرافه”.

“محمود” صادق، ذلك لأن اليد أهم بكثير من الساق والقدم، وأصعب في إخفاء العاهة، أو إيجاد بديل صناعي، يقول محمود: “بقيت أكثر من سنة ونصف السنة من دون طرف صناعي، حتى تكفّل بعض أصحاب الخير وساعدوني، هناك الآلاف مثلي ممن فقدوا أطرافهم يعيشون على الأمل بأن يُهيئ الله تعالى لهم من يساعدهم”.

الطرف الصناعي لم يغير في حياته كثيراً، “إذ لا يمكن الاعتماد عليه كما اليد الطبيعية، ولا القيام بكثير من الأعمال التي يحتاجها في جسمه، كتغيير ملابسه بنفسه، والدخول إلى الحمام، والكثير من الأمور الأخرى”.

شاب آخر في نحو الثلاثين أصابته شظايا صاروخ حراري وأفقدته البصر تماماً، يقول: “اشتقت إلى رؤية شروق الشمس وخيوط الفجر وشفقها عند الغروب. أتوق إلى رؤية ابنتي التي ولدت بعد إصابتي بشهر واحد. أصبحت اليوم بعمر السنتين، أتمنى أن أنظر إلى وجهها، ولو للحظة واحدة، يقولون لي إنها تشبه أمي وإنها طفلة جميلة، يصفون لي شكلها وحالها، وأنا أحاول أن أتخيلها فيحترق قلبي كمداً على ما وصلتْ إليه الحال”. فقدان البصر حاصره بوحدة قاتلة، وأصبحت حياته كما يقول كالجحيم، فهو كما يقول مراسل “القبس” ماجد عبدالنور، “بحاجة إلى من يرافقه كظله بشكل دائم، عند الطعام والشراب والخروج من المنزل وحتى الذهاب لبيت الخلاء”.

الطفلة “بشرى محمد”، ذات الأحد عشر ربيعاً، تقضي اليوم حياتها طريحة الفراش في منزلها، بعد إصابتها بالشلل الرباعي، جراء طلقة قناص اخترقت العمود الفقري وأصابت النخاع الشوكي، فأصبحت عاجزة عن الحركة، وأصبحت “مجرد صنم لا يتحرك منه إلا اللسان”.

تشعر بشرى بالحزن وتقضي معظم وقتها تبكي على ما حلّ بها وتشتاق إلى المدرسة كثيراً، وتشير إلى أنها كثيراً ما تحتاج إلى من يحك لها رأسها أو قطعة من جسمها، وأنها تضطر إلى أن توقظ أمها في الليل بالصراخ مرات عدة، من أجل حكة بسيطة أو شعور بالعطش.

وهناك “أبو عمر” في الخامسة والخمسين من العمر، يجلس أمام منزله يدخن سيجارته عاجزاً عن ممارسة أي عمل ويقول: “أُصبت بشظايا قذيفة مدفعية غادرة أدت إلى بتر الساقين من منطقة الفخذين بشكل كامل”.

الجرائم المرتكبة ضد الشعب في سوريا، يقول الكاتب مرزوق الحلبي، يفوق هولها حتى ما ارتكبت ولا يزال ضد الفلسطينيين كماً وكيفاً! و”سيبدو الاحتلال الإسرائيلي – الأجنبي للأرض الفلسطينية مجرد “نزهة بريّة” مقارنة بكمية العنف الهائل في سوريا”، ويضيف الحلبي مقارناً فيقول: “إن إحصاء عدد القتلى من الفلسطينيين، منذ بدء الصراع العسكري في ثلاثينيات القرن الماضي، يوصل العدد وفق التقديرات الفلسطينية إلى مئتي ألف قتيل فلسطيني في أعلى تقدير، بينما النظام السوري قتل من شعبه نحو 370 ألف مواطن في خمس سنوات فقط! وبينما تمارس إسرائيل عنفها تجاه الفلسطينيين بقواها الذاتية فإن النظام الدموي في دمشق يستعين بأربع قوى أساسية خارجية، هي روسيا بوتين وإيران و”حزب الله” ومرتزقة عراقيين وأفغان وسواهم”.

خليل علي حيدر*

*كاتب ومفكر- الكويت



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع