أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » غسان سلامة في مهمة مبعوث أممي في ليبيا … أمام مهمة كسر الاستعصاء الليبي

غسان سلامة في مهمة مبعوث أممي في ليبيا … أمام مهمة كسر الاستعصاء الليبي

عاد الأكاديمي والسياسي اللبناني غسان سلامة، إلى الساحة العامة، بعد رفض بلاده تبنّي ترشيحه لمنصب الأمين العام لـ”منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة​” (يونيسكو)، عام 2016. وحاز سلامة ثقة المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة، مُجدداً، من خلال تعيينه في مهمة مبعوث أممي في ليبيا، خلفا للألماني مارتن كوبلر، ليكون اللبناني الثاني الذي يتولى هذا المنصب بعد زميله في الحياة الأكاديمية والسياسية الوزير الأسبق، طارق متري، الذي يشهد مَن واكب مهمته الليبية، أنه أدّى أدواراً كبيرة في محاولة تسهيل الوصول إلى حل، من دون أن ينجح لأسباب تتعلّق برغبات ومصالح عواصم إقليمية ودولية.

الإعلان عن تعيين سلامة تم نهاية الأسبوع الماضي على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، على أن يتولى سلامة مهامه رسمياً اليوم الثلاثاء، بعدما رفضت دول رئيسية في الأمم المتحدة تكليف رئيس الحكومة الفلسطينية الأسبق، سلام فياض، بالمهمة الليبية، تحديداً واشنطن، نزولاً عند طلب إسرائيل، رغم أن فياض تربطه علاقات مميزة بدولة الإمارات، وهو ما يُقال أيضاً عن غسان سلامة المعروف بعلاقات جيدة جداً، خصوصاً مع حكام الإمارات وفرنسا، أكثر دولتين نافذتين اليوم في الملف الليبي، من بوابة دعم اللواء خليفة حفتر وبرلمان طبرق عموماً.

وتبدو مهمة سلامة في ليبيا شبه مستحيلة، نظراً لحدة الأزمة السياسية في هذا البلد الغارق في الفوضى السياسية والأمنية والمقسم بين شرق وغرب وجنوب وبين 3 أطراف رئيسية واحدة، منها ما تحظى باعتراف دولي رسمي، وهي المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج، في مقابل قوى تحظى بدعم فعلي من دول عربية وأجنبية مثل حكومة برلمان طبرق التي تدعم اللواء خليفة حفتر، الرجل الأول للإمارات ولمصر ولدول غربية رئيسية، بالإضافة إلى مليشيات لا تزال قوية في الغرب تابعة لما كان يُعرف بحكومة المؤتمر الوطني الرافضة لأي شرعية لخليفة حفتر، الذي يُرمز إليه على أنه ممثل “الثورة المضادة” في ليبيا.

ويستند سلامة إلى تجربة واسعة في العمل الأممي والسياسي المحلي في لبنان، من خلال عمله مستشاراً سياسياً لبعثة “الأمم المتحدة” في العراق عام 2003، حيث ساهم في صياغة “مجلس الحكم الانتقالي”، بعد إسقاط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين.

وفي حين كاد أحد التفجيرات التي طاولت مقر بعثة الأمم المتحدة في بغداد أن يودي بحياته، شكّل الهاجس الأمني أولوية للمحيطين بسلامة، نتيجة الأدوار السياسية التي أداها لمواجهة الاحتلال السوري للبنان، ومحاولات الاغتيال التي تعرّض لها معظم معارضي الهيمنة السورية على لبنان. وهي مواجهة لم تكن تقليدية، مع ورود اسم سلامة كأحد مُنظري القرار الدولي 1559 الصادر عام 2004، ونصّ على “انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان”.​ وهو القرار الذي تحوّل بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، إلى ما بات يُعرف بـ”انتفاضة الاستقلال” التي شكلت نقطة تحوّل في التاريخ اللبناني الحديث.

لا يمكن ذكر انطلاقة الحياة السياسية للمبعوث الأممي الجديد في ليبيا من دون ورود اسم الحريري الأب كصديق شخصي ومُفتاح لعلاقات سلامة السياسية في أوروبا. في المقابل، كان سلامة أحد مستشاري الحريري الذين وضعوا لمساتهم على اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990. كما ساهم سلامة، وبشكل مباشر، في صياغة تفاهم إبريل/نيسان عام 1996، الذي أنهى العدوان الإسرائيلي على لبنان، بحجة منع “حزب الله” من قصف شمال فلسطين المحتلة بالصواريخ انطلاقاً من جنوبي لبنان. ونص التفاهم على “منع الهجمات الحدودية على الأهداف المدنية، بالإضافة إلى منع استخدام البلدات المدنية لشن هجمات”. وتم تشكيل لجنة مراقبة تضم ممثلين عن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ولبنان وسورية وإسرائيل لمراقبة التنفيذ.

وبعدها بأعوام تولى سلامة منصب وزير الثقافة بين عامي 2000 و2003، خلال تولي الحريري الأب رئاسة الحكومة. وإلى جانب مهامه الوزارية، كُلّف سلامة بتنظيم القمة العربية في بيروت والقمة الفرنكفونية، قبل أن يتم تعيينه في منصب “مستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة”، وهو المنصب الذي تولاه لدورات عديدة، قدم فيها النصح لعدد من الأمناء العامين للمنظمة.

أكاديمي براغماتي

منحت دراسة القانون المحلي والدولي والعلوم السياسية والآداب، غسان سلامة، مجموعة أدوات لإدارة الملفات بصورة عملية، وهو ما برز خلال مواقفه من ثورات الربيع العربي والأحداث اللاحقة لها. ومن المتوقع أن ينعكس تبني سلامة للخيار السياسي في إدارة الأزمات على إدارته للمهمة الموكلة إليه في ليبيا، وهو القائل في إحدى مداخلاته عام 2015 إن “الأزمة السورية لا يمكن أن تُحلّ عسكرياً، بل هي تستدعي، عاجلاً أم آجلاً، حلاً سياسياً قد يُبنى على بيان جنيف وعلى مبادئ فيينا التسعة”.

وتبرز براغماتيته من خلال إحدى المقابلات الإذاعية التي أجراها عام 2016، وتحدّث فيها عن الفيدرالية، مُشيراً إلى أن “مرحلة الحرب الباردة شهدت الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على نوعيّة الأنظمة السياسية وليس على حدود الدول، ويتوجب علينا كعرب ألاّ نتشبث بالدفاع عن فكرتين، إما ثبات حدود الدول وإما التقسيم. بينما نمتلك اليوم خياراً ثالثاً وهو الفيدرالية التي تتحول من داء إلى دواء، في حال كان الهدف جمع ما تفرّق وتشتت”.

وتجاوز سلامة سريعاً ما يمكن وصفه بالنكسة المؤقتة في مسيرته العامة، عبر انسحابه من سباق الترشح لمنصب الأمين العام لـ”منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة​” (يونيسكو)، العام الماضي، بعد أن تبنت وزارة الخارجية اللبنانية التي يرأسها صهر رئيس الجمهورية، رئيس “التيار الوطني الحر”، جبران باسيل، ترشيح سيدة لبنانية وُصفت بالمغمورة، للمنصب الأممي. وهو ما استدعى إطلاق حملة تضامن مع سلامة شملت شخصيات سياسية؛ النائب وليد جنبلاط، وثقافية كجار سلامة في إقامته بالعاصمة الفرنسية باريس، الروائي اللبناني الفرنسي أمين معلوف.

يذكر أن غسان سلامة من مواليد العام 1951 في لبنان، ويتولى حالياً رئاسة مجلس أمناء الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق”، وعمادة “معهد باريس للشؤون الدولية”، ويدرّس العلاقات الدولية في “معهد العلوم السياسية” في باريس وفي “جامعة كولومبيا” بنيويورك. وبحسب ما يرد في التعريف عنه على موقع “آفاق”، فقد اختير سلامة عضواً في عدد من المنظمات العالمية غير الحكومية، كمجموعة الأزمات الدولية، مؤسسة “أوبن سوساييتي”، و”مكتبة الإسكندرية”، و”مركز حل النزاعات”، و”مركز العمل الإنساني” في جنيف. وسبق أن قال سلامة، في حديث إلى تلفزيون “الجزيرة” عام 2006، إن والده ووالدته كان عندهما هاجس كبير بالتعليم، “وهما ضحّا بأملاكهما كي نتعلّم، وإذا ضحى أهلك بأملاكهما ليعلّماك لا تستطيع أن تخذلهما”.

المصدر: العربي الجديد – بيروت ــ عبد الرحمن عرابي