أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي ميشال شماس:  منْ يمنع الفرح عن السوريين..؟

المحامي ميشال شماس:  منْ يمنع الفرح عن السوريين..؟

المحامي ميشال شماس:  كلنا شركاء

  المذبحة السورية المستمرة منذ سبع  سنوات، هي واحدة من أكبر المذابح في العالم، إذ لم يسبق أن سمح حاكم في هذه المعمورة بقتل مئات الآلاف من شعبه واعتقال مثلهم وتهجير الملايين منهم لمجرد أنهم تجرؤوا على المطالبة بحريتهم. ولم يكتف بذلك بل مازال يصرُّ على تحطيم وإذلال هذا الشعب الذي تجرأ وقال له:” كفى”، حتى يعود إلى حظيرته خانعاً صامتاً من جديد، ويدعمه في ذلك المستبدين العرب والامريكان والاتراك والإيرانيين والروس وحتى الإسرائيليين الذين تلاقت مصالحهم في أن لا ينتصر الشعب السوري، وكما قال الكاتب الياس خوري في القدس العربي: ” أن يجعلوا من سوريا مقبرة للغة العرب، ودرساً نهائياً كي لا يتكرر حلم الناس بالحرية والعدالة والمساواة.”

  وبعد كلّ ذلك يطلبون منّا أن نصمت على مأساة السوريين وآلامهم ونلتف حول منتخب النظام لكرة القدم ونشجعه، فعلى مدى الأيام الماضية وحتى قبيل موعد المباراة مع استراليا، ضجت صفحات التواصل الاجتماعي بعبارات تدعوا السوريين إلى الفرح بانتصارات المنتخب، كما تدعوهم إلى ترك السوريين يفرحون بهذا “العرس الكروي”. حتى أن أحدهم كتب معلقا على صفحتي: “بالله عليك اترك فلسفتك وتفكيرك جانباً واترك الناس تحلم وتفرح.. ربما السنوات كانت قاسية عليك ولكن حافظ على رحمة قلبك وافرح مع الناس أو اتركهم ليفرحوا، ولا تكن نقدياً نكدياً”. وكتب أخر معلقاً: “حقٌ لنا أن نفرح بعد سيل الدماء التي سالت، ومن يستكثر علينا أن نفرح، هو من يسعى لأن تبقى الأحزان في بيوتنا ووطننا”.

 وكأننا نحن من منع ويمنع السوريين من الفرح، ونحن من كان يطلق الصواريخ ويرمي البراميل المتفجرة على المدن والبلدات السورية، ونحنا من حاصرنا السكان المدنيين، ونحن من اعتقل المعارض اليساري عبد العزيز الخير، ومحامي حقوق الانسان خليل معتوق والفنان زكي كورديللو والطبيب محمد بشير عرب  وعدنان الزراعي.. واعتقلنا معهم مئات الآلاف في المعتقلات وعذبنا الكثير منهم حتى الموت، ونحن من قتلنا غياث مطر ومعن العودات ومروان الحاصباني.. وقتلنا معهم مئات الآلاف من بينهم الكثير من الأطفال والنساء، وهجرّنا الملايين من بيوتهم بعد تدميرها، ونحن من فتح أبواب البلاد لكل من هبّ ودبّ ..الخ،  وتناسوا أن من فعل ومازال يفعل كل ذلك يقبع في دمشق الأن.

   لن أكذّب على نفسي وأقول أنني لم أكن أتمنىّ الفوز على استراليا، ولكنني في الوقت نفسه كنتُ أخشى من هذا الفوز لأنني بصراحة لا أتمنى الفرحة لمن لم تهزه مشاعر القتل والدمار والتعذيب في المعتقلات، فكيفَ لي أن أفرحَ وعشرات الآلاف من المعتقلين من محامين وأطباء وفنانين ورياضيين يعانون من الموت اليومي في معتقلات وسجون الأسد؟ حقيقة لا أفهم كيف يستطيع المرء أن يفرح بينما القتل والاعتقال والتهجير والتدمير لم يتوقف لحظة واحدة؟ وكيف له أن يفرح ومازال هناك سوريات وسوريون يموتون من الجوع والحرمان في المناطق التي يحاصرها النظام، وأهلنا في مخيمات اللجوء يتعرضون للإذلال اليومي؟

 من يستطيع أن يفرح رغم كل ما جرى فهو حرٌ ولن أحرمه من فرحته، لكن أن يروّج لمقولة أن الرياضة ستوّحد السوريين بينما عجزت أنهار من الدماء عن تحقيق ذلك، فهذا هو الوهم بحد ذاته، حتى جماعة النظام أنفسهم لا يرغبون في أن يشاركهم فرحتهم سوى الموالين مثلهم، فهم يعتبرون أن “المنتخب” منتخبهم وبس، وهذا ما عبّر عنه بوضوح  مدير المنتخب وغيره من مسؤولي المنتخب، حتى “شريف شحادة” عبر بوضوح عن ذلك على صفحته: “إن من يرى المنتخب السوري لكرة القدم يوّحد المعارضة الإرهابية والموالاة الوطنية، فهو غبي واهم .. لن يجمعنا شيء مع هؤلاء شذاذ الآفاق ومغول العصر”، وأما عارف الطويل الممثل وعضو (مجلس الشعب) فأكد هو الأخر: “هذا المنتخب يمثل سوريا بالنجمتين الخضراوين، ويمثل الجيش السوري والشعب السوري والنظام السوري، ويلي ما عجبوا يدق راسو بالحيط”.

كان يمكن للعبة “كرة القدم” أن تلعب دوراً مهماً في توحيد السوريين كما ساهمت “لعبة الركبي” بتوحيد شعب جنوب أفريقيا لو اقترنت انتصارات فريق “كرة القدم” باتخاذ خطوات أساسية ومهمة من قبل النظام السوري، كأن يعلن وقف القتال ويطلق سراح المعتقلين ويفك الحصار عن المناطق التي يحاصرها ويسمح بعودة لائقة لجميع اللاجئين ويختمها بالاعتذار عما فعله نظامه طيلة السنوات السبع بالشعب السوري. لا أن يجير انتصارات “الفريق” باعتباره نصراً للنظام، ويجبر اللاعبين على تمجيد رأس النظام وجيشه باعتباره حامي الحمي وراعي الرياضة والرياضيين ويستغل تلك الانتصارات  للقول أن كل شيء طبيعي في سورية.

 لكن للأسف لا يوجد في سورية لا في المعارضة ولا في الموالاة  شخص عظيم مثل نيلسون مانديلا الذي لم تشغله سنوات السجن ولا نضالاته السياسية عن فهم دور الرياضة في إعادة توحيد بلاده المقسمة بين السود والبيض، فاستغل “لعبة الركبي” التي تتمتع بشعبية كبيرة بين سكان جنوب أفريقيا ليرسل من خلالها رسائل للبيض بأنهم مواطنون مرحب بهم, وللسود بأن عليهم الاندماج في وطن واحد مع إخوتهم البيض, ولم يخب ظنه في رياضة” الركبي حيث شكلت جسراً لعبور شعبه من نفق التمييز العنصري إلى أفق القيم الإنسانية النبيلة، بعد أن ساهم الفريق الوطني بقوة بتوحيد جمهور السود والبيض من خلال الرايات واللاعبين والتصريحات و الإعلانات وطريقة التشجيع.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع