أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » فرنسا في الصراع السوري: هل كانت يوماً الأم الحنون؟! بقلم جورج ميالة

فرنسا في الصراع السوري: هل كانت يوماً الأم الحنون؟! بقلم جورج ميالة

جورج.ك.ميالة – ليليا نحاس – كمال السروجي- مجلة صوَر

الأزمة السوريّة والمفاجآت الفرنسيّة:  سيرة التخبّط السياسي للحكومات الفرنسيّة المتعاقبة

جورج .ك. ميالة

ألقى وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه في نيسان 2011 بمعهد العالم العربي بباريس خطاباً نارياً حمل توجّهات جديدة للاتحاد الأوروبي، الذي تشكّل فرنسا أحد أهمّ دوله، فيما يتعلّق بالعلاقات مع العالم العربي، ذكر فيه إنه على الغرب أن يقبل حكم الإسلاميين، طالما أن الأمر يتمّ وفقاً لإرادة الشعوب، وشدّد على أن فرنسا والغرب يجب عليهم مساعدة المطالبين بالحرية على إسقاط الأنظمة القائمة، حتى ولو تطلّب الأمر تدخّلاً عسكرياً. هذه النظرة الجديدة للعالم العربي، لاقت وقتها استغراباً كبيراً من دوائر صنع القرار في فرنسا، في بلد يعتبر قلعة العلمانية الأولى في العالم.

وتنفيذاً للرؤى الجديدة، تبنّى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الجمهوري الهوى، والذي ترك الرئاسة الفرنسية في أيار 2012، سياسة صارمة بقطع العلاقات مع النظام السوري، ولم تتوقّف الحكومة الفرنسية عن مطالبة بشار الأسد بالتنحّي، حيث قدمت فرنسا لمجلس الأمن العديد من المشاريع الداعية لإدانة النظام وضرورة محاسبته، وتأمين الظروف للتصدّي للأزمة الإنسانية المتفاقمة، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل، ولم تتمكّن من تحقيق نتائج حقيقية، نتيجة لاعتراض الدول الأعضاء الأخرى.

وخلالها تحوّلت باريس لملجأ وملاذ آمن للمعارضة السورية، ورحّبت بالكثير من اللاجئين السياسيين والإنسانيين، ودعمت تشكيل المجلس الوطني السوري في الثاني من تشرين الأول 2011، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت به، وفي الأثناء انتقل الدعم السياسي إلى العمل العسكري عبر تسليح فصائل من قوات المعارضة، وتمويلها والدفاع عنها إعلامياً وسياسياً.

ومع وصول الرئيس الاشتراكي فرنسوا أولاند لسدّة الحكم، بقي الخطاب الحكومي عالي اللهجة، بل تطوّر لتكون فرنسا أكثر المدافعين عن الثورة السورية، خصوصاً بعد استخدام السلاح الكيماوي في غوطة دمشق في آب 2013، ما جعل الحكومة تؤكّد ألا رجعة عن إسقاط نظام الأسد ومحاسبته، رافق ذلك زيادة الدعم المقدّم للمعارضة، وخصوصاً للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي أعلن عن تشكيله في تشرين الثاني 2012.

تطوّر الأحداث في سوريا، وتمدّد تنظيم داعش على مساحات واسعة شرقي وشمال شرق سوريا، وموجة التفجيرات الإرهابية التي ضربت باريس وغيرها من المدن الفرنسية، إضافة للهجرة غير الشرعية، وصعود تيارات واسعة معادية للمهاجرين، والتي اعتبرها الكثيرون تشكّل تهديداً للاتحاد الأوروبي وخطراً يهدّد مستقبل الوحدة الأوروبية، كل هذه الأحداث العاصفة لم تفلح في تغيير موقف الحكومة ضد نظام الحكم في دمشق، لا بل قوبل من زار بشار الأسد من برلمانيين فرنسيين وصحفيين بموجة استهجان كبيرة، رغم أن هناك تأكيدات أن الصلات لم تنقطع بين أجهزة الاستخبارات الفرنسية والسورية في ملفّ الجهاديين والإرهاب.

الضغط الداخلي والخارجي على حكومة أولاند دفعه للدخول في الحرب على داعش مع التحالف الدولي، عبر تنفيذ ضربات جوية راح ضحيّتها المئات من المدنيين في كل من سوريا والعراق.

ترى الخارجية الفرنسية أن الفوضى السائدة في سوريا تزعزع الاستقرار في المنطقة بأكملها، وتؤمّن بيئة ملائمة لأنشطة وتدريبات المنظمات الإرهابية، إضافة لتوسّع مأساة اللاجئين الهاربين من داعش، وبشكل رئيسي من همجية النظام السوري، هذا الواقع يهدّد الأمن الفرنسي مباشرة، لأن الجهاديين يأتون من سوريا والعراق.

وبالمقابل يرى آخرون أن مصدر القيادات الجهادية ليس من سوريا والعراق، بل هم أوروبيون يسافرون لتلك المنطقة لتنفيذ أجنداتهم، وبالتالي يجب على فرنسا حلّ مشاكلها الداخلية ومعالجة الأسباب التي تدفع أبناءها للانخراط في هذه الجماعات.

شاركت فرنسا بقرارات مجلس الأمن القاضية بضرورة إيجاد حلّ سياسي في سوريا، وسارعت الأوساط السياسية الفرنسية للتأكيد على أن الخطوات العسكرية مهمة لكنها غير كافية، وأن التصدّي لمخاطر ضياع الشرق الأوسط يتطلّب إيجاد حلول سياسية، تؤمّن الأساس لإعادة وحدة سوريا، من أجل محاربة تنظيم داعش، مع ضمان عدم وجود أي خطة لتكريس حكم نظام بشار الأسد، وأكّدت أنه من غير المعقول التوصّل لأية تسوية سياسية مع رجل مسؤول عن هذا الكم الهائل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

في المقابل، يقول مراقبون إن الفرنسيين طالما عوّدوا العالم العربي على المفاجآت السياسية، فالرئيس جاك شيراك استقبل بشار الأسد استقبال الرؤساء في قصر الإليزيه، قبل تسلّمه الحكم، وتعاون مع النظام السوري في مجلس الأمن الدولي للوقوف ضد الحرب على العراق عام 2003، ما جعل فرنسا وقتها تدفع ثمناً باهظاً لعدم دعمها للتحالف الدولي لاحتلال العراق، تمثّل بعزلة غير معلنة من الولايات المتحدة مستمرّة حتى الآن. كما قام خلفه ساركوزي بكسر العزلة الدولية عن نظام الأسد، بعد الاتهامات الكثيرة التي وجهت للنظام في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، صديق فرنسا المقرّب. إلا أن ساركوزي غيّر موقفه من النظام مع اندلاع الثورة السورية، وجاء خلفه أولاند ليقول قبل مغادرته الإليزيه، إنه يترك الرئاسة وفي نفسه غصّة لأنه لم يردع نظام الأسد المجرم ولم يستخدم السلاح ضده.

إلا أن فرنسا دخلت مرحلة جديدة برئاسة إيمانويل ماكرون، الذي كسر التوقّعات، وألغى الأعراف السياسية الفرنسية التقليدية، وأطلق تصريحاً غريباً، قال فيه لثماني صحف أوروبية، إنه لا يرى أي بديل شرعي لبشار الأسد، وإن فرنسا لم تعد تعتبر رحيله شرطاً مسبقاً لحلّ الصراع، وأضاف إن الأسد عدو للشعب السوري لكن ليس عدواً لفرنسا، وإن أولويّة باريس هي الالتزام بمحاربة الإرهاب، وضمان ألا تصبح سوريا دولة فاشلة.

أثارت تصريحات ماكرون، والتي جاءت بعد أيام على استقبال رياض حجاب رئيس الهيئة العليا للتفاوض، موجة سخط شديد من النشطاء السوريين في فرنسا، دفعتهم لتوقيع عدة عرائض تطالبه بتوضيح الموقف، كما قام سفير الائتلاف في باريس وغيرة من ممثلي الهيئة العليا للمفاوضات هناك بعقد عدة لقاءات مع أطراف في الحكومة الفرنسية لاسيتضاح التصريح وغاياته.

كما اتّهم الكثير من الفرنسيين الرئيس ماكرون بأنه يقترب من الطروحات الروسية في الملفّ السوري، وأن تصريحاته تأتي في إطار التقارب مع روسيا وربما الدخول بمفاوضات ومقايضة الملفّ السوري بالأوكراني، وهذا بعيد كل البعد عن الموقف الثابت للحكومة الفرنسية بالنسبة للمأساة السورية. كما اتّهموه بأن طروحاته تأتي في ظل حالة تخبّط سياسي تعيشه حركته السياسية التي انتصرت انتصاراً ساحقاً ولا تملك برنامجاً سياسياً واضحاً للوضع الداخلي والخارجي.

وفق كل المعطيات السابقة والأمواج الهائجة التي تحرّك فرنسا، يبقى السؤال الأهم: هل تكمل فرنسا مسيرتها الداعمة لثورة السوريين حتى تحقيق مطالبهم، والتي يراها كثيرون بأنها لم تكن جدّية وكافية لتحقيق التغيير المطلوب، أم تغرق في ألاعيب السياسة الدولية؟

تفتح مجلة صُوَر ملفّ فرنسا والثورة السورية بلسان نشطاء سوريين وفرنسيين من أصل سوري مقيمين فيها، وتستطلع أحوال اللاجئين والصعوبات التي يواجهونها في الاندماج بمجتمعهم الجديد.

نشطاء سياسيّون سوريّون في فرنسا: حراكنا كان مُشرذَماً، وسلبيّاتنا مماثلة لسلبيّات السوريّين في كلّ مكان

كمال السروجي

التقت “صُوَر” عدداً من الناشطين السياسيّين السوريّين في فرنسا لسؤالهم عن واقع الحراك السياسي السوري هناك، والدور الذي لعبه في توضيح القضية السورية للرأي العامّ الغربي. وتقييمهم للدور الفرنسي في الأزمة.

نجوى سحلول ـ دكتوراه في علم اللغات، ناشطة سياسية

بدأ الحراك الثوري في مدينة ليون ثالث أكبر المدن الفرنسية، وأحد أهمّ المدن الاقتصادية الأوروبية، بدعوة من أربعة طلاب موفدين من وزارة التعليم العالي لوقفة احتجاجية بعد نحو شهرين من انطلاقة الثورة حضرها 15 شخصاً. واتّسم الحراك خلال عامي ٢٠١١ و٢٠١٢ بالحيوية والأمل، حيث نُظّمت العديد من الأنشطة كالمظاهرات والاعتصامات، وبحضور فرنسيّ جيّد، إضافة لحراك ثقافي كالمحاضرات والمعارض الفنّية والحفلات الموسيقية للتعريف بالثورة السورية.

واكبت هذه النشاطات تطوّرات متسارعة في سوريا، ومع تعاظم الكارثة الإنسانية تحوّل معظم النشطاء إلى العمل الإغاثي، الذي أصبح طاغياً على كل النشاطات، وتعبيراً عن انسداد الأفق السياسي.

يدين الفرنسيون بشكل عامّ وحشية النظام السوري في تعاطيه مع الشعب، ولكن لم تتحوّل هذه الإدانة لانخراط جماهيري واسع في حراك لدعم الشعب السوري، على خلاف تعاطي الشعب الفرنسي مع قضايا إنسانية دولية في الماضي كالحرب على العراق وأزمة كوسوفو وغيرها.

حمل السوريون منذ البداية مسؤولية إيصال صوت الثورة، وواجهت مهمّتهم مجموعة من المصاعب، أبرزها غياب التجربة السياسية، وبالتالي عدم القدرة على تحليل الواقع والتفاعل معه، خصوصاً مع التقلّبات المستمرّة للأحداث، كما اتّسم عمل معظم من شارك في البداية بالعاطفية وبالتشرذم رغم النيّات الحسنة.

من جهته قام النظام بدعاية مضادّة، وجنّد الكثير من المؤيّدين له من سوريين ولبنانيين وجنسيّات عربية أخرى متجذّرة في المجتمع الفرنسي، وخاصة في الحقل الإعلامي وكذلك في الحقل السياسي والأكاديمي، الأمر الذ ي أثّر على بعض الباحثين الفرنسيين، ممّا دفعهم لتأييد دعاية النظام منذ البداية.

لم تحظَ الثورة بتعاطف القوى السياسية الفرنسية الرئيسية بالشكل المطلوب، على خلاف الحكومة التي بدى موقفها أكثر جذرية ووضوحاً. بالنسبة لبلد يضع العلمانية شعاراً له بل عقيدة، كان خروج المظاهرات في سوريا من الجوامع دليلاً على توجّهاتها الدينية البحتة، وتعزيزاً لبروباغندا النظام، وكل التوضيحات لم تنجح بإقناع الكثيرين من الفرنسيين بالعكس.

في جانب آخر لعب تسلّح الثورة، ودخول المجموعات الإسلامية على الخطّ ثم ظهور داعش، والعمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا، دوراً مثبّطاً، جعل الحديث عن نضال الشعب السوري لنيل حرّيته أمراً ثانوياً، ما أدّى لتعقُد الوضع، الأمر الذي لم يساعدنا على تعبئة أعضاء فاعلين من هذه القوى السياسية والمجتمعية، فما بالك بجمهور فرنسي بعيد عمّا يحصل خارج حدوده. كل هذه الظروف الصعبة، لم تمنعنا من النجاح بتشكيل تجمّعات مؤيّدة للثورة  تساهم فيها قوى سياسية ونقابية صغيرة.

محمد طه – دكتوراه في الآثار

منسّق عام تنسيقيّة باريس لدعم الثورة السورية

بدأنا منذ نحو ستّ سنوات العمل في تنسيقيّة باريس لخلق نقطة تظاهر ثابتة في العاصمة الفرنسية، لتكون مكاناً لتجمّع الثوريين، واستمرّت بزخم وحضور متفاوت. لكن  سرعان ما اختفت هذه الجهود المؤسّساتية، لتقع المسؤولية على عاتق أشخاص قدّموا الكثير من وقتهم و جهدهم وحتى من مالهم، وتحمّلوا الكثير من الاستفزازات والمضايقات.

عجزت المعارضة السورية الرسمية حتى اليوم عن إيجاد مكان يجتمع فيه السوريون ويشكّل نقطة إعلامية تعكس صورة الثورة في الداخل. ورغم هذا الفشل نجحنا على الأقل بتذكير المجتمع الفرنسي بأن هناك مكاناً ما على وجه البسيطة اسمه سوريا يتعرّض لحرب إبادة، وأوصلنا جانباً من معاناة الشعب السوري.

مشاكل السوريين في باريس مشابهة لمشاكل السوريين في كل مكان، وتتلخّص بتربيتنا لأكثر من جيل على التسلّط و الديكتاتورية، وعدم القدرة على العمل الجماعي أو المؤسّساتي. ما يحتاج لدراسات نفسية واجتماعية وسياسية طويلة لتوضيح مواطن الخلل والعمل على تجاوزها.

حاولنا هذه السنة إعادة هيكلة تنسيقية باريس لإعادة الحياة بشكل أكبر للنشاط الثوري في فرنسا، إيماناً منا بأن الثورة السورية تمرّ بمنعطف خطير يتطلّب من كل سوري حرّ أن يعمل بشكل مكثّف لمناصرة الثورة.

بشر الحاج إبراهيم ـ دكتوراه في الهندسة

ناشط سياسي

فرنسا من أكثر الدول التي أعلنت تضامنها مع الثورة السورية وبقيت ثابتة على موقفها خلال فترتي نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند. منذ البدايات كان خطّها الدبلوماسي الذي تحدّده وزارة الخارجية واضحاً. وتمّ تحذير السفارة السورية من مغبّة التعرّض للمعارضين، إثر تعميم أصدرته هذه السفارة طلبت فيه الوشاية بمن يدعم الثورة.

كما تمّ إعلان سفيرة النظام في باريس، لمياء شكور، شخصاً غير مرغوب به في فرنسا. ولكن لم يكن ممكناً إخراجها من البلاد بحكم شغلها لمنصب ثان هو سفيرة سوريا في اليونيسكو، ومقرّها باريس.

الخطأ الأساسي الذي ارتكبته فرنسا هو دعمها الحصري للمجلس الوطني وبعده الائتلاف، مقابل دعم محدود للهيئات والمؤسّسات الأخرى. وكان إعلان الائتلاف ممثّلاً “وحيداً” للشعب السوري في فرنسا سيفاً ذا حدّين: سهّل التعامل مع الائتلاف ومن انتمى إليه من مؤسّسات، لكنه من جهة أخرى شكّل حصاراً على أي تحرّك للمؤسّسات الموجودة خارج الائتلاف.

الكارثة الحقيقية التي أصابت الحراك السوري في فرنسا كانت الشرذمة والتشتت، وبدلاً من أن نكوّن تجمّعاُ واحداً ونعمل بشكل منسّق، كان عدد الجمعيات يقارب المائتين عام 2015، يحرّك بعضها شخص أو شخصان فقط.

عرفنا فترة كانت باريس فيها تشهد اعتصامين أسبوعيين في نفس التوقيت ومكانين مختلفين، بدلاً من أن نكون جميعاً في اعتصام واحد ولدينا صوت واحد.

أمّا النشاط الإعلامي فقد قام على مجهودات فردية، وهي مجهودات مشكورة وذات فائدة، لكنها لم تكن كافية للتأثير في الرأي العامّ، أو لرسم خطّ واضح ومفهوم من قبل الأغلبية.

المكتب الإعلامي الأول للائتلاف كان مقرّه مدينة صغيرة بدلاً من أن يكون في باريس. ولم يكن حاضراً بقوة في المشهد الإعلامي في البلاد، والبعض لم يسمع بوجوده حتى اليوم، وعندما حاولنا تأسيس مكتب إعلامي ثانٍ، استقطب في البداية شخصيات سورية وفرنسية مرموقة إعلامياً وسياسياً، انهارت المبادرة، وقصة هذين المكتبين تحتاج إلى تقرير كامل، وشفافية وصراحة من قبل الائتلاف لتوضيح ما حصل.

كنّا كسوريين مقيمين في فرنسا شبيهين بإخواننا الموجودين في سوريا من جهة التفرقة والصراعات، وقياساً بأهمية فرنسا كدولة عظمى ومصدر قرار دولي على عدّة مستويات، كانت انتصاراتنا في المعارك الصغيرة، الإعلامية أو السياسية، غير كافية لنكسب الحرب الكبرى ضد النظام وحلفائه النشطين والمنظّمين.

نور خربوطلي ـ  مترجمة وطالبة دراسات عليا في العلوم السياسية

ناشطة سياسية

من الإيجابيات التي حقّقها النشاط الثوري في فرنسا، أنه شكّل أفضل انعكاس للثورة السورية في أوروبا، من ناحية الأنشطة وحجم وطبيعة التظاهرات وقدرتها على إيصال رسائلها السياسية، كما كشف للمجتمع الفرنسي حقيقة الدور السلبي للمجتمع الدولي في سوريا، وهذا ما لم تعرضه الجاليات السورية في دول أوروبية أخرى.

ورغم ذلك لم يتمكّن السوريون المعارضون من الوصول إلى المجتمع الفرنسي بشكل عام، فالتواصل بين المعارضة السورية والوسط السياسي الفرنسي كان محدوداً. ولذلك أسباب موضوعية، فاليسار الفرنسي مازال يعدّ النظام مقاوماً ممانعاً، واليمين يخشى على مسيحيّي الشرق، فضلاً عن خوفه التاريخي من مشكلة المهاجرين.

تعدّدت توجّهات السوريين في فرنسا ممّا أثّر على وتيرة نشاطاتهم، فأصبحنا نجد أحياناً ثلاث مظاهرات في يوم واحد لدعم الثورة السورية بتوجّهات مختلفة، بالإضافة لعدم وجود مقرّ أو مركز لتجمّع الجالية السورية أو سفارة حقيقية تمثّل المعارضة السورية، وعدم وجود مرجعية سياسية وتنظيمية حتى اليوم للسوريين في فرنسا.

الشباب السوري الناشط في فرنسا لم يتخلَّ عن الثورة برأيي، ولكنه انشغل بمشاكل الحياة وصعوباتها، كإيجاد سكن ودراسة اللغة ومتابعة الدراسة الجامعية بعدها. وانشغل أيضاً بعيش خيباته على صعيد الثورة وعلى الصعيد الشخصي.

سوريّو فرنسا : لجوء “خمس نجوم” وصعوبات في الاندماج

ليليا نحاس

لا توجد أرقام دقيقة لأعداد السوريين المقيمين في فرنسا، وتغيب الهجرة الاقتصادية بالمعنى المحدّد  للكلمة بين السوريين، على خلاف ما هو سائد بين اللبنانيين ومواطني دول المغرب العربي، فقبل الثورة كان لا يمكن الدخول إلى فرنسا إلا بفيزا سياحية أو بهدف الدراسة، قسم من السوريين جاء بفضل بعثات دراسية من جامعات سورية ثم قرّر البقاء والعمل، ومنهم من جاء على حسابه الخاص، إمّا بتمويل عائلي أو عن طريق ممارسة مهن مؤقّتة، وكثيرون منهم انتهى الأمر بهم للعمل دون إنهاء دراستهم.

يضاف إليهم هجرة ثمانينيات القرن الفائت، بعد ملاحقات المتّهمين بالانتماء إلى الإخوان المسلمين وغيره من التيارات السياسية،  نتيجة القمع والتصفيات التي نفذّها نظام الأسد الأب بحقّ معارضيه.

ومع تعاظم الحرب التي يشنّها النظام ضد أبناء المناطق الثائرة، وبدء موجة الهجرة غير الشرعية واللجوء، وصل بضعة آلاف من السوريين لفرنسا كطالبي لجوء، خصوصاً ممّن يملك معارف وأقرباء في البلاد، أو ممّن يتقن الفرنسية أو درس فيها.

تقوم الحكومة الفرنسية على خلاف بقية دول أوروبا، بقبول طلبات اللجوء عبر سفاراتها المنتشرة في العالم، وخصوصاً دول الجوار السوري كتركيا ولبنان والأردن، كما تعمل على استقدام العائلات عبر برنامج إعادة التوطين التابع للأمم المتحدة.

إضافة لذلك عملت منظمات وجمعيات فرنسية، وعلى رأسها مراسلون بلا حدود، على تبنّي الصحفيين السوريين، الذين يتعرّضون للاضطهاد من النظام السوري والتنظيمات المتطرّفة كداعش وجبهة النصرة، عن طريق تسهيل منحهم حقّ اللجوء.

صعوبات السكن

يُعدّ تأمين السكن أبرز المشاكل التي تواجه السوري عند وصوله إلى فرنسا، فلا يوجد سكن مخصّص لاستقبال اللاجئين (كامب) أسوة بالدول الأوروبية الأخرى، انطلاقاً من مبدأ أن اللاجئ حرّ في اختيار مكان إقامته ولا يجب تقييده بمكان للإقامة أسوة بالفرنسيين، في حين يرى آخرون أن هذا نتيجة للتقصير الحكومي.

بعد حصول اللاجئ على قرار لجوئه، تبدأ الجمعيات المختصّة بمساعدة اللاجئين بالسعي لتأمين مسكن ملائم، عن طريق التسجيل بالسكن الاجتماعي، وهو سكن مخصّص للعاطلين عن العمل من الفرنسيين أو ممّن ليس لديهم القدرة على تأمين سكن خاص بهم، ونتيجة أزمة السكن الموجودة والتي يعاني منها المواطنون منذ أكثر من عشر سنوات، امتدّت المشكلة لتشمل السوريين الواصلين حديثاً.

وتفادياً لهذه المصاعب، تطلب السفارة الفرنسية، ممن وافقت على طلبات لجوئهم وجود كفيل يقيمون عنده مؤقتاً، وفي حال تأمينه يتمّ السفر مباشرة، وعند غيابه على اللاجئ الانتظار حتى يتمّ تأمين سكن له، الأمر الذي يؤخر السفر فترة طويلة قد تمتدّ لتصل عاماً كاملاً.

تقول السيدة أسماء برادعي للمجلّة:  “لولا وجود أخ زوجي هنا، وإقامتنا في بيته، لكنّا فكرنا بالعودة إلى تركيا، من الصعب جداً أن تجد بيتاً تستأجره دون أن تملك عقد عمل. في باريس الكثير من أصحاب البيوت يطلبون أن تكون قيمة راتبك الشهري أربعة أضعاف الأجرة الشهرية، وهذا لا يتوافر عند الكثير من الفرنسيين فكيف لدى اللاجئين.”

وتتابع : “تدفع مؤسّسة الضمان الاجتماعي حوالي 60 بالمئة من أجرة البيت، ونحن ندفع الباقي إضافة لفواتير الكهرباء والانترنيت”.

فيما تقول الناشطة الفرنسية ماريان كازينكا والتي تساعد السوريين في تحسين ظروف حياتهم الجديدة: “كثير من السوريين يرغبون في الإقامة بباريس، بالمقابل الفرنسيون يحاولون تركها نحو مناطق أخرى أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً، لذلك أنصحهم بالتوجّه نحو المدن الأخرى، وخصوصاً إلى الأرياف التي يحمل أصحابها الكثير من الطيبة والتعاون الأهلي، على خلاف المدن المكتظّة”.

وفي المقابل تقوم عدد لا بأس بها من الأسر الفرنسية باستضافة اللاجئين السوريين في بيوتها ريثما تتحسّن ظروفهم.

تروي الصحفية منى برهان  تجربتها لصُوَر قائلة: “وصلت مع زوجي وطفلتي الصغيرة، وكان لدينا كفيل ينوي استقبالنا، ولكنه سرعان ما انسحب من الموضوع، ما اضطرنا للنوم  لليلة واحدة في الفندق، بعد ذلك تواصلنا مع أحد الجمعيات في باريس، أمنت لنا الإقامة لمدة خمسة أيام في أحد الفنادق بشكل مجاني، بعدها تواصلت مع أحد العائلات المسجلة لديها والمصرحة برغبتها باستضافة السوريين، انتقلنا إلى مكان أشبه بالسكن الجماعي يتبع للحكومة، ريثما تجهّز العائلة نفسها لاستقبالنا، وصلنا لمدينة كومبين شمالي فرنسا، وكانت العائلة في استقبالنا، أعطونا بيتاً صغيراً عبارة عن العيادة الخاصة لرب الأسرة الذي أصبح متقاعداً. بيتنا الجديد عبارة عن غرفتين وملحقاتهما، قاموا بتجهيزه بكل ما يلزم، ونحن مرتاحون معهم، هم أناس لطفاء جداً ومحبّون، يرافقوننا في كل زياراتنا لإتمام أوراقنا بكل رحابة صدر”.

وتتابع برهان: “سافرت العائلة في إجازة العطلة الصيفية، فقاموا قبل سفرهم بالاتفاق مع مجموعة من معارفهم لمساعدتنا ومرافقتنا في جميع تنقّلاتنا ريثما يعودوا من عطلتهم، سوف نبقى عندهم حتى نحصل على قرار اللجوء، وتجد الدولة لنا بيتاً لنستقرّ فيه”.

التعليم

يخضع الطلاب اللاجئون في المرحلتين الإعدادية والثانوية، لامتحان تحديد مستوى في عدد من المواد العلمية والأدبية، ثم يدخلون المدرسة ويخضعون لدروس مكثّفة في اللغة الفرنسية إضافة للمواد الأخرى.

يقول علاء حسام الدين وهو أحد الطلاب المتفوّقين هذا العام على مستوى الجمهورية في امتحانات البكالوريا لصُوَر: “قسم من الطلاب تسير أمورهم الإدارية بكل سلاسة، وقسم آخر محروم من التعليم منذ أكثر من عامين دون أن يملك حلولاً”.

ويتابع: “على سبيل المثال هناك عائلات جاءت إلى فرنسا من مخيّمات اللجوء في لبنان ولم يدخل أبناؤها المدارس منذ خروجهم من سوريا، فعندما كان الطالب في الصف الثامن بعمر 13 أو 14 عاماً، أصبح عمره في فرنسا 17، ولا تقبل المدارس الفرنسية بتسجيله بسبب كبر سنه”.

ويضيف: “هناك روتين قاتل في فرنسا، الأمر الذي يهدّد مستقبل هؤلاء الطلاب بالحرمان من التعليم”.

وبالنسبة للتعليم الجامعي، يلقى الطلاب السوريون تسهيلات تساويهم بالطلاب الفرنسيين، من ناحية المنح الجامعية وتأمين السكن الطلابي، بعد تحقيقهم شرط اللغة المطلوب.

يقول ربيع حاجو، طالب في كلية الاقتصاد للمجلّة: “يتقاضى الطالب الجامعي مبلغ 550 يورو، مع حسومات في أجرة السكن الجامعي، إضافة لوجبات طعام مجانية والتأمين الصحي، الأمر الذي يجعله مستقّلاً عن أهله، تماماً مثل وضع الطالب الفرنسي، كما يمكننا العمل خلال عطلة الأسبوع لعدة ساعات من أجل تحسين وضعنا، ولكن ما تقدّمه الجامعة من مساعدات كافية لمتابعة الدراسة”.

أما في مجال الدراسات العليا فلا يتلقّى اللاجئون السوريون أي معاملة خاصة، وعليهم منافسة الطلاب الفرنسيين للحصول على هذ ه المقاعد.

أمّا سلمى المقيمة في مدينة مونبللييه فتقول للمجلّة: “أنا خريجة هندسة معلوماتية وبعد وصولي إلى فرنسا عام 2014، تابعت دراسة الماجستير، وأرغب بمتابعة الدكتوراه، لكن لا يوجد أي معاملة خاصة لنا، يجب علي منافسة الفرنسيين، والأمر صعب، لأن نظام التعليم في سوريا مختلف عن فرنسا، إضافة لصعوبات اللغة تجعل أمر حصولي على مقعد الدكتوراه أقلّ احتمالاً”.

الاندماج

يرتبط مفهوم الاندماج في المجتمع الفرنسي، بالدخول لسوق العمل بشكل أساسي، والذي يتطلّب ما لا يقلّ عن ثلاثة أعوام.

ويعاني أصحاب الشهادات الجامعية من صعوبات في تعديل الشهادات، للسماح لهم بممارسة مهن كالطبّ والصيدلة وطبّ الأسنان والمحاماة والتعليم، والتي تتطلّب في بعض الأحيان إعادة الدراسة بشكل كامل، للحصول على شهادة فرنسية والدخول بسوق العمل.

يقول الطبيب أحمد العمّار: “أنهيت اختصاصي في طب الأطفال عام 1985، واضطررت للجوء إلى فرنسا مجدّداً عبر الأردن، تفاجأت أن شهادتي غير معترف بها هنا، وعلى أن أتقدّم لامتحانات متعدّدة، فرص النجاح بها أقرب للمستحيل لشخص خمسيني مثلي، بعد ثلاثة أعوام نجحت في العثور على فرصة عمل مؤقتة بأحد المشافي دون تعديل شهادتي، ولكن لم أنل نفس المرتبة الوظيفية في العمل، رغم أنني أعمل مع فرنسيين كنا قد درسنا سويّة”.

في حين يجد الباحثون عن الأعمال الحرّة تسهيلات أكبر، كأعمال التجارة والزراعة والصناعة والخدمات بعد إتقان المقدار الأساسي من اللغة، إلى جانب ذلك يمنع القانون الفرنسي ارتداء الرموز الدينية أثناء العمل، ما يشكّل مانعاً للكثيرات من الانخراط في سوق العمل.

يقول محمد صلاح الدين المقيم في بلدة “باو” جنوبي غربي فرنسا لمجلّة صُور: “بعد عامين من وصولي، اكتشفت أن تعديل شهادة الحقوق وتأمين فرصة عمل تتطلّب جهداً لا يقلّ عن خمسة أعوام، وأنا متزوج ولدي أربعة أولاد، قرّرت ترك مهنتي، والتوجّه نحو العمل الحرّ، اشتريت سيارة شحن، وجهّزتها ليكون فيها مطبخ صغير، وبدعم من مكتب العمل جعلتها مطعماً متنقّلاً، كل يوم أستقر في أحد أسواق القرى المجاورة، أبيع المنتجات الشرقية، التي تلقى رواجاً كبيراً عند العرب وبعض الفرنسيين، تساعدني زوجتي في تجهيز وبيع المنتجات، فعملنا خاص ولا قيود على الحجاب في مثل هدا النوع من الأعمال”.

وفي سياق آخر تسعى منظمات المجتمع المدني الفرنسية والنشطاء المتعاطفين مع اللاجئين لتعويض النقص الحكومي الحاصل في دعم اللاجئين عن طريق تنظيم أنشطة للتعريف بالمجتمع الفرنسي وثقافته، إضافة لطرق الحصول على العمل، وحملات توعية موجّهة للمجتمع الفرنسي، لمواجهة حالات العنصرية التي بدأت تظهر بقوة في بعض المناطق، إضافة لذلك تكثّف الجمعيات جهودها لإعطاء دروس اللغة الفرنسية، والتي تكلّف مبالغ كبيرة في حال أراد الشخص أن يسجّل بها بمفرده.

سياسات جديدة

خصّصت الحكومة الفرنسية الجديدة جانباً من خططها للتعامل مع ملفّ اللاجئين، بعد الانتقادات الواسعة لسياسات الحكومات السابقة بخصوص هذا الملفّ الشائك والجدّي، وتشدّد الحكومة على التفريق بين المهاجرين الاقتصاديين الذين يصلون من بعض دول إفريقيا والمغرب، وبين اللاجئين القادمين من دول الحروب كسوريا وأفغانستان، لهذا السبب تسعى لزيادة وتنظيم اللاجئين الواصلين للأراضي الفرنسية بطرق شرعية، وترحيل كل من يرفض طلب لجوئه على وجه السرعة، كما أقرّت الحكومة خطّة لتقليص المدة الزمنية للبتّ بقرارات اللجوء من 14 شهراً حتى ستة شهور.

ويَعتبر ناشطون فرنسيون وسوريون يعملون في ملفّ اللاجئين من جنسيات مختلفة أن السوريين في فرنسا يحصلون على معاملة خاصة، يحصل من خلالها من يثبت أن عليه خطراً سياسياً على إقامة دائمة مدتها عشر سنوات، ثم يمنح الجنسية إن تمكّن من الاندماج وتأمين عمل مهما كان نوعه، في حين يحصل الآخرون على حماية إنسانية لمدة عام قابلة للتجديد، وحديثاً يحصل الواصلون عبر برامج إعادة التوطين التابعة الأمم المتحدة، على إقامة مدّتها عامان يتمّ تجديدها.

تقول إحدى الناشطات السوريات رفضت ذكر اسمها للمجلّة: “عندما نقارن أوضاع اللاجئين السوريين، بالقادمين من إفريقيا أو أفغانستان، فيمكن أن نصف أوضاعهم بأنها خمس نجوم، لا يوجد تأخير في الحصول على الإقامات، ويتمّ البدء بمعاملات تأمين السكن فور الحصول على قرار اللجوء”.

في حين يُجمع لاجئون تحدّثت معهم المجلّة أن فرنسا من ناحية نوعية الإقامة والأوراق المدنية ومدّتها هي من الأفضل في أوروبا، لكن من ناحية فرص العمل هي الأسوأ.

إلا أن للمنشقّين عن جيش النظام رأي آخر، فهم يكابدون ظروفاً أقلّ ما توصف بالقاسية.

يقول أحد الضباط المنشقّين لصُوَر: “وصلت إلى فرنسا منذ 3 سنوات، وإلى لآن لم يتمّ البتّ بقرار لجوئي، حتى اللحظة أنا محروم من جميع حقوقي، عدا الإقامة المؤقتة وتعويض ماليّ بسيط لا يكفي لأسبوعين، أسرتي مازالت في مخيّمات تركيا ولا أدري متى يتمّ اللقاء مجدّداً “.

المصدر : مجلة صوَر