أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » كركوك تتحول إلى جحيم لسكانها بعدما دخلها الحشد الشعبي.. المشروبات الكحولية ممنوعة

كركوك تتحول إلى جحيم لسكانها بعدما دخلها الحشد الشعبي.. المشروبات الكحولية ممنوعة

قال فريد الدين ياسين، الوالد لأربعة أبناء، والواقف أمام محل عاشور يعقوب لبيع المُقبلات في مركز مدينة كركوك العراقية، في تقييمٍ صادق للوضع: “نريد المشروبات الكحولية!”.

يملك يعقوب مطعم الوجبات السريعة ومحلاً مجاوراً للمشروبات الكحولية منذ 20 عاماً.

وأضاف ياسين، بينما كان يُشير إلى الكرنب الأحمر والجزر المخلل والحمص في جهاز التبريد: “لقد كان الويسكي مُنتشراً للغاية. واعتاد الناس شراء مزيجٍ من السلطات لتناولها مع المشروبات”.

وتابع مُتذكراً مشروب عَرَق لبناني جيد (مشروبٌ كحولي بنكهة الأنيسون) كان يبدو طعمه لذيذاً مع سلطة الباذنجان وسلطة الجاجيك، وهي خليطٌ من الخيار واللبن الرائب الكثيف: “طبقي المفضل هو سلطة بابا غنوج”.

وصاح زبونٌ لديه شاربٌ مُهذب ويرتدي لباساً أنيقاً وحذاءً لامعاً أسود اللون، مُشيراً إلى الخيار المخلل: “لا، هذه أفضل”.

وتحظى المقبلات المعروضة للبيع بشعبيةٍ بين سكان كركوك، لكنَّهم يفتقدون المشروبات الكحولية، حسب تقرير لموقع ميدل إيست آي البريطاني.

كانت المشروبات الكحولية متوفرةً بكثرة بعد أن تصدت القوات الكردية البيشمركة لتنظيم (داعش) وتولَّت إدارة المدينة عام 2014.

ولكنَّ في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وفي أعقاب استفتاء استقلال كردستان العراق المُثير للجدل، استعاد الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي الشيعية المُسلحة المدينة الغنية بالنفط، والمُتنازع عليها بين الطرفين. ومنذ ذلك الحين، أصبح من المستحيل الحُصول على قطرةٍ واحدة من الكحول.

وتضع مجموعةٌ من المحلَّات، بما في ذلك محل يعقوب ملصقاتٍ وإعلاناتٍ للجعة التركية “إيفيس” في الخارج، ولكنَّ أبوابها مُغلقة تماماً.

بعيداً عن الكحول

أغلق يعقوب المحل في اليوم الذي تغيّرت فيه إدارة المدينة، وحاول إعادة افتتاحه بعد ذلك بثلاثة أيام. لكنَّه سُرعان ما قرَّر عدم القيام بذلك.

وقال لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني: “جاء حُرَّاسٌ ليُخبروننا بإغلاق محلات المشروبات الكحولية. وكانوا يبدون كجنودٍ في الجيش، ولكنَّهم ربما فعلوا ذلك بناءً على أوامر قوات الحشد الشعبي”.

ولم ينتقِد يعقوب قوات الحشد الشعبي أو الجيش العراقي صراحةً، وشعر أنَّه من المُبكِّر جداً الحكم على الطريقة التي ستستمر بها الحياة في كركوك، لكن عمله أصبح مُتعثِّراً.

وأضاف: “إنَّنا نخسَّر. الناس اعتادوا شراء الطعام والشراب معاً، ونحن نُعاني الآن”.

وفي الواقع، بطبيعة الحال، فإنَّ الأمن يشغل بال السكان بشكلٍ كبير أكثر من توفُّر الويسكي والعَرَق.

ويقول زبون يُدعَى ياسين: “نحنُ منزعجون من حقيقة عدم وجود مشروباتٍ كحولية. ولكن الأمر لا يتعلق بالكحول، بل بالوضع الأمني هنا. حتى الآن، ما زال الوضع آمناً، لذا علينا الانتظار لِنر. وربما أبقى هنا في منزلي، أو أُحاول الانتقال بعائلتي إلى تركيا. وإذا منحتني أي دولةٍ حق اللجوء، سأرحل غداً”.

غياب الأمن والتمرد

بعيداً عن المشروبات الكحولية، تمُرُّ كركوك بتغيُّراتٍ مُهمَّة منذ استعادت الحكومة الفيدرالية العراقية السيطرة عليها، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017.

ففي 5 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أسبوعٍ من حوار موقع “ميدل إيست آي” مع زبائن يعقوب، نفَّذ انتحاريان عمليات تفجير في كركوك، وقتلا 5 أشخاص، وأصابا أكثر من 20 شخصاً آخرين. ولم تُعلن أي جماعةٍ مسؤوليتها عن الهجوم، لكنَّ قوات الأمن العراقية تعتقد أنَّ خلايا تنظيم داعش ربما تُحاول شن عمليات مقاومة، بعد أن خسر التنظيم 90% من الأراضي التي كان يُسيطر عليها في العراق وسوريا.

ويقول محللو الصِّراع إنَّ وحدات الحشد الشعبي التي شاركت في هجوم كركوك مع الجيش العراقي تضمُّ منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق. ويعتقدون أنَّ هذه الجماعات المدعومة من إيران ستبقى فاعلةً في كركوك والمناطق الغنية بالنفط المحيطة بها، فضلاً عن تقارير تكشف تولي إيرانيين أدواراً كبرى في عمليات الأمن المحلية في المدينة.

وحسبما جاء في تحليلٍ لمعهد دراسات الحرب الأميركي الذي يختص بالسياسات العامة: “سيستغل وكلاء إيران أدوارهم في كركوك سياسياً وعسكرياً. ومن المحتمل أن تُسيطر أو تتنافس قواتهم مع الحكومة العراقية، للسيطرة على البنية التحتية العسكرية والمنشآت النفطية في كركوك”.

ولا تزال ترفرف أعلام وحدات الحشد الشعبي ذات الألوان الأبيض والأخضر والأسود على بعض نقاط التفتيش في كركوك، ولا يزال من الممكن قراءة كلمات “عصائب أهل الحق” مكتوبةً على جدارٍ بالقرب من مركز المدينة.

ولكن هناك مؤشراتٌ على أنَّ الجماعات المسلحة قد تُسلِّم المهام الأمنية في كركوك للجيش. فبعد الهجومين الانتحاريين، في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، طلب رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر من سرايا السلام، وهو لواءٌ تابع له في قوات الحشد الشعبي، مغادرة المدينة خلال 72 ساعة.

وتظهر الرايات الدينية في المدينة أكثر من ذي قبل. وأصبحت أعمدة إنارة الشوارع التي كانت ترفرف عليها أعلام إشراقة الشمس الكردية الآن مجردةً من تلك الأعلام. وبدلاً من ذلك، تُوجد الأعلام التي تحمِل رسماً لوجه الإمام الحسين حفيد النبي محمد، والذي يُقدسه الشيعة على نحوٍ واسعٍ كشهيد.

“أين أذنك؟”

لطالما كانت كركوك التي يعيش بها نحو مليون نسمة مدينةً متعددة الأعراق؛ إذ تضم العرب، والكرد، والتركمان. وحتى وقتٍ قريب، كانت الأعراق المختلفة تتعايش بشكلٍ عام في سلام.

لكنَّ السلطات الكردية تقول إنَّ 150 ألف شخص نزحوا من كركوك ومناطق أخرى اجتاحتها القوات العراقية، منذ 16 أكتوبر/تشرين الثاني.

ويُعاني الأكراد من السخرية والازدراء تحت سيطرة الجيش العراقي ومقاتلي قوات الحشد الشعبي، الذين يُسيطرون على المدينة، حسبما قال أحد سكان كركوك في مقابلةٍ مع موقع “ميدل إيست آي”.

وقال أرام، الذي لم يذكر سوى اسمه الأول: “في إحدى نقاط التفتيش، عَرفَ الجنود أنَّني كردي، لذلك أوقفُوني للاستجواب. وقالوا لي “أين أذنك؟”، وهو سؤالٌ ساخر يتهمونه فيه بالغباء. وأضاف: “انتابني قلقٌ شديد، لكن لم يكن بإمكاني فعل أي شيء”.

ابتزاز كردي

ويرى سكانٌ آخرون الأمورَ بشكلٍ مختلف، فيقولون إنَّ العرب والتركمان كانوا مقهورين تحت حكم الأكراد في كركوك.

إذ يقول علاء جمال، الذي يُدير مطعم أسماك في كركوك: “أشعر بأمانٍ أكثر الآن مع سيطرة الجيش العراقي وقوات الحشد”.

ويقع بالقرب من مطعم جمال بقايا مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في كركوك، والذي أُحرِقَ عندما استعادت القوات العراقية الفيدرالية المدينة.

ويقول جمال: “لم يكن الحزب الديمقراطي الكردستاني يتصرف بشكلٍ جيدٍ هنا، وهذا هو ما دفع الناس لإحراق المبنى. لقد شعرنا بالتمييز ضدَّنا تحت حُكم الأكراد، لأنَّنا لسنا أكراداً. فقد كان افتتاح متجر ما أمراً مستحيلاً دون ممولٍ كردي. شعرتُ بالضغط، ولم أحب طريقة حُكمهم”.

ساحة معركة سياسية

حاول مسعود البارزاني الزعيم السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني توصيف السيطرة على كركوك باعتبارها مُخطَّطاً إيرانياً. وقال لمجلة “نيوزويك” الأميركية في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر: “كانت عملية الاستيلاء على كركوك بقيادة إيرانيين، وبمعرفة المسؤولين الأميركيين والبريطانيين”.

وألقى البارزاني، الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق، الذي استقال الأربعاء الماضي، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وسط حالةٍ من الاضطراب شهدها الإقليم بعد الاستفتاء- باللَّوم على حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وهو حزبٌ سياسي رئيسي آخر في كردستان العراق، لموافقته على التخلِّي عن السلطة في كركوك لحكومة العراق الفيدرالية.

وفي خطاب استقالته، اتَّهم البارزاني المُعارضين بارتكاب “الخيانة الوطنية”، فيما يتعلَّق بكركوك، من خلال “التعاون مع قوات الحشد الشعبي ضد شعب كردستان”.

لطالما كان حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على مرِّ السنوات مُقرَّباً من بغداد وإيران أكثر من الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو يُعتبر نقطة الخلاف بين الحزبين الكرديين. وفؤاد معصوم الرئيس الحالي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني هو الرئيس العراقي أيضاً، في حين أنَّ عشيرة طالباني، المُكوِّن الرئيسي لقيادة الحزب، لطالما كانت مُقرَّبةً من إيران على مرِّ التاريخ.

صوَّر كذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني التحوُّل كمحاولةٍ لـ”تعريب” مدينة كركوك، وهو ادعاءٌ مثير لأنّه يُشبِّه العملية الحالية بعمليات الإجلاء الكبيرة التي نفذها حزب البعث ضدَّ الأكراد والتركمان والآشوريين في السبعينيات.

وعلى الرغم من إنكار البعض داخل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني تسليم كركوك، يرى مُحلِّلون أنَّ الحزب لعِبَ دوراً محورياً تحت ضغطٍ إيراني.

فبحسب تقريرٍ لمجموعة “صوفان” الاستشارية الأميركية المختصة بشؤون الاستخبارات، فإنَّ الحزب “سمح لبغداد باستعادة جزء كبير من كركوك دون قتالٍ عبر التفاوض على اتفاق يجعل قوات البيشمركة التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني تتخلى بسهولة عن مواقعها لصالح القوات العراقية”.

“في قلبي”

ربما يُفسِّر ذلك لماذا لا يزال حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مرحباً به في كركوك. فملصقات الرئيس العراقي جلال طالباني، الذي كان رئيس العراق في الفترة ما بين 2005 إلى 2014، وتُوفِّي في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2017، تنتشر في شوارع المدينة.

وفي أحد الطرق الدائرية في المدينة، توجد صوره في ثلاثة من مخارج الطريق الأربعة. وتحمل لافتاتٌ سوداء ما زالت منتشرة في أنحاء المدينة رسالة حداد إلى “مام جلال” أي “العم جلال”، وهو لقب يُعرف به بين الشعب الكردي.

ويقول أحمد أديب، الذي قابله موقع “ميدل إيست آي” مع علاء جمال مدير مطعم الأسماك: “لا يزال حزب الاتحاد الكردستاني يحظى بدعمٍ هنا. فعلاقة الجيش العراقي وقوات الحشد به جيدة، بخلاف الحزب الديمقراطي الكردستاني”.

ويشعر سكان كركوك أنَّه من المبكر جداً الحكم على الطريقة التي ستسير بها الحياة في كركوك. وقال عاشور يعقوب إنَّه سيبقى في المدينة، حتى لو كان ذلك بدون مشروبات كحولية تُخفِّف من حدة الأمور.

وأضاف يعقوب: “بعض الناس هربوا من كركوك، لكن إذا هربتَ فإنَّ هؤلاء الذين يبحثون عنك سيأتون للإمساك بك على كل الأحوال”.

ويعرف زبائنه أنَّهم لم يعد بإمكانهم شراء المشروبات، لكنَّهم يريدون مواصلة دعم عمله. فوفاؤهم للمحل يبدو أنَّه يعكس إيماناً أوسع بتنوع كركوك.

ويقول الرجل ذو الحذاء اللامع، الذي رفض ذكر اسمه: “سأستمرُ في المجيء إلى هنا. فهذا المكان في قلبي”.