أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » لغز استقالة سعد الحريري من السعودية

لغز استقالة سعد الحريري من السعودية

لغز استقالة سعد الحريري من السعودية

     الدكتور محمد أحمد الزعبي

     12.11.2017

   تشير كلمة  لغز هنا الى وجود إشكالية ذات احتمالين أو أكثر ، ومن المفروض على الباحث الجاد  أن يعتمد أحد هذين الإحتمالين باعتباره هو الأمر الصحيج ويستبعد بقية الإحتمالات باعتبارها غير صحيحة  . إن وصول الباحث الى هذه النقطة يعتبر بداية الوصول الى فك طلاسم هذا اللغز أو هذه الإشكالية . إن الفقرات السبع التالية إنما تمثل الدرجات التي لابد من صعودها وصولاً إلى تفكيك ومن ثم فهم هذه الإشكالية . هذا مع العلم أن الكاتب قد بدأ بكتابة هذه المقالة قبل ظهور السيد سعد الحريري على شاشة التلفاز في المقابلة التي أجرتها معه الإعلامية بولا يعقوبيان هذا اليوم ( تاريخ المقالة ) .  

       1. كانت زيارة محمد بن سلمان الى الولايات المتحدة الأمريكية ولقاءه مع رئيسها السيد ترامب  ، تمثل الخطوة الأولى في توليد هذه الإشكالية ،ومن الطبيعي أن يكون الرجلان قد اتفقا على العمل معا ضد نظام طهران  ، وهو ماكان يمثل أحد مداخل ترامب  الى رئاسة أمريكا في حملته الانتخابية  ضد هالاري كلنتون  . ومن الطبيعي أيضاً أن يكون ترامب قد لفت نظرالسيد محمد بن سلمان الى ضرورة  سحب البساط من تحت حكومة طهران في اتهامها للنظام السعودي بالاستبداد والفساد . اي أن يقوم بإبطال حججها السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية التي ماتوجهها عادة الى النظام السعودي ، وتصفه بالوهابي والتكفيري والمتخلف الخ . إن مانريد قوله هنا هو أن السيد محمد بن سلمان قد عاد من واشنطن وهو يحمل في جيبه موافقة واشنطن على ماسيقوم  به ( وهو ماقام  ويقوم به فعليا الآن ) في المجالين السياسي والاقتصادي، تمهيدا لحرب محتملة مع إيران  . ومن الواضح هنا أن مثل هذه الحرب فيما لو وقعت ( لاسمح الله ) فستنطبق عليها صفة الحرب بالوكالة بامتياز

2. في محاولتنا لفك لغز استقالة سعد الحريري رئيس وزراء لبنان من السعودية ، وليس من لبنان لابد من الإشارة إلى مغادرة الأب ( الملك سلمان ) إلى الخارج في إجازة ما ، وإعلانه قبل سفره عن أن ابنه محمد هو من سيقوم على أمر المملكة نيابة عنه خلال فترة غيابه ، وهو مايمثل عملياً إبلاغا غير مباشر للشعب السعودي بأنه قد قرر التنازل عن السلطة أو في طريقه الى التنازل عنها ، لابنه محمد  الذي لم يعد لقبه (ولي ولي العهد) ، وإنما أصبح ( ولياً للعهد ) بصورة كاملة  ، كما ويمكن  أن يشير هذا الأمر ، ـ وهذا من وجهة نظرنا ـ الى أن الملك سليمان كان على اطلاع  على ماينوي ابنه محمد القيام به داخليا وخارجيا ولذلك ، رغب أن ينأى بنفسه عن هذا الموضوع  ، الذي ربما تكون له عواقب خارج حسابات التجربة السياسية لولده محمد ، ويصبح تدخله ( كملك ) عندئذ  ضروريا ، لإعادة المياه الى مجاريها في المملكة .  

 3. لابد على طريق حل هذا اللغزأوالإشكالية من  محاولة الإجابة على التساؤل المشروع التالي :

لماذا وكيف جاء سعد الى السعودية مرتين متقاربتين في الوقت الذي كان فيه ولي  العهد على وشك البدء بحملته في تنظيف المملكة من الفاسدين وبمن فيهم محمد بن نايف ، ومتعب بن عبد الله ،وكافة الأمراء الذين يمكن أن يقفوا في طريق تنفيذه لبقية الخطوات التي ربما يكون ترامب قد شجعه على القيام بها  في المملكة ، والتي ستصب في نهاية المطاف في طاحونة أمريكا ، ألا وهي حسب تقديرنا –  أن تقوم الرياض بالنيابة عن أمريكا(بالوكالة) بشيطنة طهران وكسر شوكتها الطائفية في المنطقة ، ولا سيما في سورية ولبنان ، حيث تواجدها العسكري في هذين القطرين يثير نقمة شعبيهما ( العربيين) على نظام ولي الفقيه ( الفارسي ) في طهران . إن المسكوت عنه هنا ، هو ان أمريكا لن تقاتل واقعيا إلى جانب السعودية ، وسيكون دورها إعلامياً وليس عسكرياً .  إن  سفر الشيخ سعد الحريري إلى السعودية التي يحمل جنسيتها ( بالضافة إلى جنسيته اللبنانية)، في مثل هذه الظروف غير الطبيعية ، وتقديمه الاستقالة من رئاسة الحكومة اللبنانية التي يهيمن عليها حسن نصر الله  من عاصمتها الرياض ، إنما يدخل – حسب تقديرنا أيضاً –  في  إطار التوافق السعودي الأمريكي للعمل المشترك ضد طهران ، وبالتالي ضد زعانفها في سوريا ( بشار الأسد وقاسم سليماني  ) ولبنان ( حسن نصر الله )  كما أن الصاروخ البالستي الذي  طال العاصمة السعودية ( الرياض ) إنما يدخل بدوره في نفس هذا الإطار ويدخل بالتالي في إشكالية تقديم الحريري استقالته من الرياض وليس من بيروت .

  4. إن القيام بشيطانية إيران ، وبيان عدم جدوى الحوار معها ، أمام الرأي العام العربي والعالمي ، تمهيداً لرفع سقف هذه الشيطنة لاحقاً ،هو ماعبرعنه ولي العهد محمد بن سلمان  بقوله ذات لقاء تلفزيوني في رده الضمني على مطلب البعض بمحاولة حل هذه الإشكالية بين الرياض وطهران عن طريق الحوار، وليس الحرب :  ( كيف يمكننا أن  نتحاور مع نظام  مايزال ينتظر عودة المهدي / الإمام الغائب ؟!) وهو أمر( عودة الإمام الغائب ) يعتبر بالنسبة للمسلمين السنة مثاراً للاستغراب والإبتسام . كما ويصبح من الضروري أيضاً ( في ضوء هذه الشيطنة ) شيطنة  بعض المحسوبين على إيران في المنطقة وبالذات حزب الله اللبناني  ، الذي أصبح اسمه الدارج في مابات يعرف ب المناطق المحررة من سوريا ( حزب الشيطان ) بدلا من حزب الله .

  5. لقد أقدم ولي العهد ، وهنا بصفته رئيساً للجنة مكافحة الفساد  بحبس أعداد كبرة من الأمراء ورجال الآعمال ورجال الدين  ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم ، بطريقة غير قانونية ،وغير شفافة فكان تعليق الرئسس ترامب على هذه الاعتقالات والمصادرات رغم عدم صدورها عن الجهات القضائية المختصة بعد  ( إن الملك سلمان وابنه محمد يعرفان  ما يقومان به )  .  هذا مع العلم  أن  ردود السلطات السياسية الأمريكية على ماقام به السيد ولي العهد في السعودية  جاءت متناقضة  ، وتحمل في طياتها النفخ في كور هذه الأزمة ، بما يجعلها تصب في طاحونة بقية الأزمات في المنطقة ، تلك الأزمات التي  يمكن أن تفتح الطريق أمام استعانة بعض هذه الأنظمة المأزومة بإسرائيل ، سواء على شقيقات عربيات أخريات ، آو على لجم المطامع الإيرانية في محاولة تشكيل الهلال الشيعي  ، أو ربما طريق الحريرلجديد الذي بات يربط بيروت بطهران مرورا بالعراق وسوريا . أي عمليا بالأقطارالعربية التي اعلنت إيران متفاخرة ذات يوم ، بأنها إنما تسيطر على عواصمها (!!) ، الأمر الذي يدخل ـ وهذا حسب تقديرنا ايضاً وأيضاً ـ في إطار دخول إيران على خط الحرب المضادة لثورات الربيع العربيلعام 2011 .

6.  إن تواطؤ ميشيل عون وحسن نصر الله على سعد الحريري وإصرارهم على كونه محتجزاً من السعوديين  ، ولا يستطيع العودة الى لبنان لممارسة مهامه كرئيس للوزراء  ، انما يشير ويؤكد أن التوافق الذي تم عليه بين مثلث سعد الحريري وميشيل عون وحسن نصر الله ، كان يصب في مصلحة حزب الله بصورة أساسية ، وهو ما أشارإليه الحريري  في مقابلته المتلفزة مع الإعلامية بولا يعقوبيان ، والمنقولة على الهواء هذه الليلة (12.11.2017 ) مشيرا الى  خرق بعض الفرقاء لاتفاقال ( النأي بالنفس / بلبنان ) عن النزاعات والصراعات في المنطقة  ، ومن الواضح أنه كان يشير إلى تدخل حزب الله في كل من سوريا واليمن ، وإلى تصرفاته ( حزب الله ) السياسية والعسكرية كما لو أنه حزب إيراني وليس حزبا لبنانيا ، الأمر الذي يتناقض مع  ما نص عليه البيان الوزاري التوافقي  ، الذي أخذت حكومته ثقة البرلمان على أساسه .  

7. وفي الاتجاه المعاكس  لما يقال ويشاع عن احتجاز السعودية  للشيخ سعد الحريري في إطار حملة اللجنة التي  يرأسها ولي العهد محمد بن سلمان  على الفساد ، يرى الكاتب أن الحكومة السعودية ولا  سيما الملك سلمان هي من يرغب بعودة الحريري إلى لبنان ، ولكنه هو الذي يتريث ، في إطار حسابات أمنية خاصة به . والتي أطلق عليها شبكة الأمان ، وأيضاً في إطار إمكانية أن ينحاز رئيس الجمهورية ميشال عون مع مطلبه المشروع كرئيس للوزراء في مسألة النأي بالنفس ، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى انسحاب قوات حزب الله من سوريا وعودتها إلى لبنان ، وهو مطلب سعودي بقدر ماهو مطلب لسعد الحريري أيضاً . كما أن تحقيقه يعطي لزوبعة استقالة الحريري معنى لبنانيا إيجابياً ، يجعلها أكثر من زوبعة في فنجان “.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع