أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » الحكاية الكاملة للواء اسكندرون / إعداد: حسّان كنجو

الحكاية الكاملة للواء اسكندرون / إعداد: حسّان كنجو

اليوم الثالث والعشرين من شهر أيار/مايو من عام 1939، موجة غضب عارمة تجتاح المدن السورية وعلى رأسها العاصمة دمشق احتجاجاً على سلخ لواء اسكندرون وتسليمه للأتراك والاعتراف به كمحافظة تركية من قبل حكومة الانتداب الفرنسية، أعمال شغب عمّت أرجاء سورية والهجمات توالت على المخافر الفرنسية مع مطالبات بالأكثرية لإسقاط ثالث حكومة (سورية) تتولى مهامها خلال أقل من ثلاثة شهور، والجيش المراكشي – الفرنسي ينتشر في شوارع دمشق وعدة مدن رئيسية أخرى بعد فشل (الدرك) وقوى الأمن في ضبط الشارع الغاضب.

بدأت قضية لواء اسكندرون منذ (الإضراب الأربعيني) الذي جرى في عموم المحافظات السورية عام 1936 والذي دام أربعين يوماً للمطالبة بالاستقلال وإنهاء الانتداب على سورية. وقد أذعنت فرنسا لهذه المطالب وعقدت مع سورية في 9 أيلول عام 1936 معاهدة تضمن لها الحرية والاستقلال والدخول في عصبة الأمم، إلا أن المادة الثالثة من هذه المعاهدة كانت هي (فتيل) أزمة اللواء، حيث نصت هذه المادة على نقل جميع الحقوق والواجبات الناجمة عن المعاهدات والاتفاقيات وجميع الاتفاقيات الدولية التي عقدتها الحكومة الفرنسية فيما يخص سورية أو باسمها، إلى الحكومة السورية بعد انتهاء الانتداب عنها. وهذه المادة تضمن الأتراك اللواء في الوقت نفسه حق استعمال لغتهم في التعليم وإدارات الدولة، وإنماء ثقافتهم القومية والتي تطابقت في محتواها مع المادة 7 من اتفاقية أنقرة، إلا أن تركيا رفضت إبقاء لواء اسكندرون ضمن الدولة السورية، بعد اعتبار المعاهدة السورية الفرنسية غير كافية لضمان حقوق الأتراك فيه وعليه فقد حوّلت تركيا مطالبها من (حقوق الأتراك) إلى استقلالية اللواء ومنحه حكماً ذاتياً كـ (دولتي سوريا ولبنان) في ذلك الحين، مع إنشاء اتحاد فيدرالي بين الدول الثلاث، إلا أن قوانين الانتداب جعلت فرنسا ترفض هذه المطالب لترد تركيا برفع القضية لـ (عصبة الأمم) للبت بها.

في كانون الأول عام 1936، أرسلت الحكومة التركية إلى السكرتير العام لعصبة الأمم مذكرة تطلب فيها تسجيل الخلاف بين فرنسا وتركيا على مصير لواء الاسكندرونة بعد استقلال سورية وعرضت تركيا اقتراحها بإنشاء دولة مستقلة فيه شأن دولتي سورية ولبنان وإنشاء اتحاد فيدرالي بينها بعد يومين من المذكرة، إلا أن رئيس الوفد الفرنسي رد على طلب تركيا فقال عن مستقبل أتراك اللواء بعد عقد المعاهدة السورية الفرنسية: “إن مواد هذه المعاهدة لا تؤثر في وضع لواء الاسكندرونة، ولا في حقوق السكان الأتراك لأن ذلك مضمون في اتفاقية أنقرة لعام 1921 التي أقرتها المعاهدة السورية-الفرنسية”، إلا أن الحكومة التركية ادعت في المذكرة التي قدمتها إلى مجلس عصبة الأمم، أن الأتراك في اللواء مضطهدون من قبل السلطة المحلية، وطلبت سحب القوات الفرنسية منه. وقد كذب مندوب فرنسا هذا الادعاء واقترح مقرر المجلس إرسال مراقبين دوليين إلى اللواء لمراقبة الوضع عن كثب، وقد عارض مندوب تركيا هذا الاقتراح ولكن المجلس وافق عليه بعد أن امتنع المندوب التركي عن التصويت وقد عين رئيس المجلس ثلاثة مراقبين أحدهم وطلب إليهم السفر فوراً إلى اللواء للاطلاع على الحالة القائمة فيه.

في الثاني عشر من شهر كانون الثاني/يناير 1937، تظاهر الآلاف من أهالي اللواء (عرب وأرمن وتركمان) أمام لجنة المراقبة التابعة لعصبة الأمم وأبدوا رفضهم القاطع لسلخ اللواء عن وطنهم الأم سورية، وقد قامت اللجنة بعدها بيوم بزيارة مدينة الريحانية فقام أهالي الريحانية بمظاهرات مماثلة فاق عددها 20 ألفاً وعبروا فيها عن رفضهم إلحاق اللواء بتركيا.

كما استقبل أهالي اسكندرون والسويدية ومعظم مدن اللواء لجنة المراقبة بمظاهرات حاشدة، وأبدوا فيها رغبتهم بالبقاء داخل حدود الدولة السورية وقد أعد المراقبون تقريرهم وفقاً لما شاهدوه والذي تضمن على عدة بنود هي:

1- إن الأتراك لا يشكلون أكثرية السكان في لواء اسكندرون

2- إن الغالبية العظمى من سكان اللواء بما فيهم نسبة كبيرة من الأتراك لا يريدون الانفصال عن سوريا

3ـ إن الأتراك في اللواء ليسوا مضطهدين من جانب السلطة المحلية السورية)

جميع مقررات اللجنة لم تكن كافية لوقف تواطؤ فرنسا وخروجها عن سياسة الانتداب المتعارف عليها دولياً، حيث جرت محادثات ثنائية بين فرنسا وتركيا خلال وجود لجنة المراقبين، وانتهت في 24 كانون الثاني عام 1937 بعد الاتفاق بين الدولتين على جعل اللواء منطقة مستقلة ذاتياً في نطاق الوحدة السورية، على أن تكون مجردة السلاح، وأن تضمن عصبة الأمم استقلال كل منهما وقد اتخذ مقرر المجلس السيد “ساندلر” هذا الاتفاق أساساً في وضع تقريره الذي رفعه إلى مجلس العصبة، متضمناًً مقترحاته الأساسية التي يجب أن يبنى عليها نظام اللواء وقانونه الأساسي فأقره المجلس في جلسة 29 كانون الثاني 1937 ثم عهد بصياغة القانون الأساسي للواء عام 1937 والذي كان (بداية نهاية اللواء) داخل الأراضي السورية.

الاتحاد برس – إعداد: حسّان كنجو