أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » في ثقوب الزمن بقلم نجوى بركات

في ثقوب الزمن بقلم نجوى بركات

إذ تكرج السنة كالطابة، لتدخل في ثقب الزمن، يهلّل اللاعبُ فينا جذلا بفرحة الانتصار. فهو لا يزال على قيد الحياة، والملعب ممتدٌّ إلى ما لا نهاية، والعشب نديّ وفسيح، والريح مهادنة ثابتة، والمباراة دوما في أولّها مهما سجّل من أخطاء، وانتصارات، والجمهور من حوله، وكأس الفوز ترنو إليه من بعيد. يسير مسافةً، بحسب ما ترسمه له الطابة من طريق، والأعلام الصغيرة تلوّح، ومريدوه يتبعونه كيفما مال، يشهقون خوفا وترقبّا، أو يصفقّون منتشين.

هي مباراة ما بين اللاعب الذي فينا والنسيان. وها نحن، عشيّة العام الجديد، مؤهلون لخوض المزيد، مسلّحون للمضيّ قدما، مستعدّون للاستمرار. محاربون وناجون وصامدون ومجانين وعقلاء. تعلّمنا الدرس القديم، ووضعنا العبَرَ حيث ينبغي أن تكون. رنّمي يا ملائكة الفرح، هللي وارتفعي أيتها الأبواق، الحفل في بدايته، والألعاب النارية إلى ارتفاع، الكؤوس ملأى وعليّة، والقلوب فرحة منفتحة. يخطو الرقص خطواته، وتعزف الموسيقى ألحانها، والراقص منتشٍ بالمقبل الجديد. كسّروا العتيق، ارموا القديم، مزّقوا المهترئ والقاتم والحزين. هيا، أقبِل أيها الجديد، ولتكن خيرا، ولتكن ثمرا، ولتكن حبا وكنزا وغبطةً ونجاحا وهدأة، ولتكن كليّ الجدّة وجديدا كليةً أيها الجديد. أرقامٌ، ما هي إلا أرقامٌ تمسك أيادي بعضها، وتكرّ ماضيةً، بترتيبٍ ونظام. لا يقفز واحدها على الآخر، لا يتراجع ولا يتقدّم، ينتظم في سيره، رضيّا، منصاعا، منصرفا إلى مصيره المحتوم. أرقامٌ جيء بها من لا مكان، وضعت في رزنامةٍ ألصقت على وجوهنا، فرحنا نحسبها ونقيم لها ألف حساب.

وإذ تكرج السنة كالطابة لتدخل في ثقب الماضي، يصحو القلبُ فجأةً كأنه في منامٍ لا ينتهي، وكأنّ الزمن غبارٌ يحتاج عمرا ليتراكم، وبضعَ جزيئات الثانية ليهبّ متطايرا. لسنا نعي الوقتَ إلا ثقيلا، بطيئا، بليدا، أو هاربا متبعثرا متبخّرا. معضلةٌ أن نشيخ، فيما يميع الوقت على أيدينا كالسكّر الذائب، أو يتضعضع بين أصابعنا كالزئبق الشرّير تتكرّر أجزاؤه إلى ما لا نهاية، قبل أن تلتحم من جديد.

والحق يقال، لا تلائمنا نهاياتُ الأعوام، مهما تحايلنا وتنكّرنا وارتدينا أثواب الاحتفالات، فما تخلعه عنّا أكبر من أن نخفيه، وأقوى من أن ننكره، وأعتى من أن نقاومه. هذي أخاديدُ أخرى تُضاف، ومسافة تقصر، وأحلام تذوي، وأحبّاء يغادرون، وخساراتٌ تتراكم، وخط نهاية يقترب، وأجزاءٌ من الروح تتآكل، وعقاربُ لا تني تدور، فيما الكؤوس تفرغ لتمتلئ من جديد، والهتاف يعلو ترحيبا بالعام الجديد.

وإذ يهبط المساء ثقيلا على ذاك الجزء من العالم حيث نقيم، يزداد الموتُ موتا، والذلَ ذلا، والظلم ظلما، والخسارة خسارة. حتى الطعم لا يبدو جليا، وهوية الأشياء لا تني مضطربة، شبه ممحوّة، لا يعينها اللونُ ولا الشكل ولا الأبعاد، على استئناف شيءٍ من معانيها. التباسٌ وخديعةٌ وسوادٌ ودخانٌ وخرابٌ وضحايا، فانهضي، يا حرائقنا الجميلة، ولوّني برمادكِ جناحيْ هذا الملاك الداكن المقيم أبدا بيننا. ارسمي له عينين وأذنين وفما، ولتكن الشفتان منفرجتين بمقدار حياده، مبتسمتين بمقدار قسوته، ولتصهر نيرانُك له جسدا يحمينا النور والمطر، يقفل في وجهنا السماء، ويقينا شرّ التوسّل والاستجداء.

يا أيها العام الذي يغادرنا إلى غير رجعة، امضِ ولا تلتفت إلى الوراء، فصلاحية استخدامك منتهية منذ ما قبل أن نراك. في مطلق الحال، سوف يحتويك ذاك الجيب الكبير، يعصر روحك، يفكّك عظامك، فلا تبقى منك إلا خلاصةٌ صغيرة، بضع لحظات، قلّة من الذكريات، صورٌ، دموعٌ، شهقات. امضِ إلى حتفك وهلّل لهبائك، وخوائك، ومجدك الباطل يكلّلها رنينُ الأجراس وأنين الأرواح. احتفلي، أيتها السنوات البائدة، اجتمعي واختلطي وتحابّي، ففي نهاية المطاف، نوعك واحد، ووعدك واحد، وموتك واحد. وداعا أيها العام.

– نجوى بركات



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع