أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » رد “الموساد” على استعانة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعلماء نازيين لبناء برنامج صواريخ

رد “الموساد” على استعانة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعلماء نازيين لبناء برنامج صواريخ

“ألمانيا تساعد مصر في إزالة إسرائيل، كان أمراً لا يمكن تخيُّله بعد الهولوكوست.. كان سيدمر كل شيء”، كان هذا تصريحاً من الرئيس الإسرائيلي الراحل شيمعون بيريز، الذي كان نائباً لوزير الدفاع، في مقابلة مسجلة ضمن وثائقي جديد بثته القناة الألمانية الأولى.

الوثائقي ضم تفاصيل عن رد “الموساد” على استعانة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعلماء نازيين لبناء برنامج صواريخ، زعم حينها أنها قادرة على الوصول إلى إسرائيل.

ويُظهر الوثائقي، المعنون بـ”الموساد والنازيون والصواريخ”، الصدمة الإسرائيلية مما اعتبر حينها “محاولةً جديدة لإبادة الشعب اليهودي بعد أعوام قليلة من الهولوكوست، وكيف قام رئيس “الموساد” حينذاك، إيسر هاريل، بتوجيه كل طاقات جهاز الاستخبارات، لتحييد هذا الخطر عبر استهداف الألمان الذين كانوا يعملون في البرنامج المصري لصناعة الصواريخ”.

سحر الشرق يجذب الألمان لمصر

عبد الناصر كان يرغب في لعب دور قيادي بالمنطقة العربية بالكامل، وكان منزعجاً من إسرائيل التي توافرت لديها مطلع الستينيات منظومة صواريخ خاصة بها، وتعمل سراً على برنامجها النووي، وهذا ما شكل تهديدياً لمخططات عبد الناصر الهادفة إلى جعل مصر دولة كبرى في الشرق الأوسط؛ ما دفعه لرفع نسق التسليح ببلاده، والتركيز على تقنيات صناعة الصواريخ رفيعة المستوى.

وقرَّر المصريون، بحسب الوثائقي “الموساد والنازيون والصواريخ”، الاستعانة بعلماء الصواريخ النازيين، الذين كانوا قد شاركوا في صناعة صواريخ “فاو 1/ فاو 2” خلال الحرب العالمية الثانية، لتنفيذ خطط الرئيس عبد الناصر.

وبدأوا بالتوجه لشتوتغارت، حيث كان يوجد العالم أويغن سنغر، الممنوع من تطبيق خبراته في مجال الصواريخ بألمانيا المهزومة ما بعد الحرب، ليسافر الأخير في مارس/آذار من عام 1960، لأول مرة، لمصر، لحقه فيما بعدُ فريقه بأكمله، وضمنهم مدير مؤسسته في شتوتغارت، هاينز كروغ، الذي قيل إنه كان يقيم علاقات تجارية مربحة مع المصريين.

وعلى الرغم من عودة العاِلم سنغر لألمانيا، فإن العاملين معه بقوا هناك، مستمتعين مع عائلاتهم بسحر الشرق في القاهرة، وبمدخول مادي كبير، وبتقدير من قِبل مستضيفهم لمعارفهم العلمية.

وحسب المعلومات الواردة في الوثائقي، فإن البروفيسور النازي فولفغانغ بيلتز، كبير مهندسي برنامج الصواريخ المصري، كان يتكتم عن طبيعة مهمتهم، وإن المصريين بمساعدة الألمان استطاعوا تحقيق تقدم ملحوظ في وقت قصير، وإطلاق صواريخ بحضور الرئيس عبد الناصر في 21 يوليو/تموز 1962، من جبل “حمزة”، قرب القاهرة، الأمر الذي اعتبره المصريون نجاحاً باهراً، وشكَّل صدمة للعالم، وخاصة إسرائيل.

وبعد يومين من إطلاق الصواريخ وإعلان الرئيس المصري إمكانية وصولها لإسرائيل، تم تنظيم عرض عسكري حضره الخبراء الألمان، ما عدا “بيلتز”.

ويوضح كلاوس فيرير، وكان تقنياً من فريق العالِم سنغر، في أوائل العشرينيات من العمر حينها، أنهم عندما شاهدوا مجسمات الصواريخ التي كانوا يعملون عليها، موجودة إلى جانب الطائرات والدبابات مجهَّزة بشكل زائف لتُعرض على أنها أسلحة قابلة للاستخدام- أصبحوا ينظرون إلى بعضهم البعض ويقولون: “ما هذا؟! كيف يمكن للمرء فعل ذلك؟!”، ثم ناقشوا الأمر بشكل مكثف، لكنهم في النهاية لم يهتموا للأمر، واعتبروا أنه بالإمكان استخدامها كدُمى مزيَّفة بغرض الاستعراض.

عملية “فيتامين سي” في ميونيخ

“الموساد” فوجئ بالأمر، ولم يكن لديه معلومات عن مدى خطورة الصواريخ، ليُطلِق في شهر أغسطس/آب من ذلك العام، عملية ضد البرنامج، سمّاها “فيتامين سي”، واستعان فيها بعميل يستطيع لعب دور رجل عربي، سُمي “عديد” وأرسله الجهاز إلى ميونيخ، حيث كُلف مهمة خاصة مباشرة من رئيس “الموساد” إيسر هاريل. لم تكن المهمة سوى المساهمة في اختطاف هاينز كروغ مدير مؤسسة العالم أويغن سنغر، الذي كان أسس شركة تُدعى “إنترا”، تؤمّن المواد اللازمة لبرنامج الصواريخ المصري.

يقول العميل “عُديد” إنه طُلب منه فقط التقاء كروغ وإيصاله لمكان معين، مضيفاً أنه ركب مع كروغ سيارة مرسيدس كان قد اشتراها كروغ منذ فترة قصيرة حينها، ولم يشتبه كروغ وهو يقود خاطفه في سيارته إلى حيث سيختفي، حيث تم إيهامه بأنه سيلتقي مصريين.

يبين العميل الإسرائيلي أنه أعطاه ورقة كُتب عليها العنوان الذي ينبغي التوجه إليه، وكان خلال القيادة إلى هناك يمتدحه هو وسيارته الجديدة، ويقول له أموراً لطيفة، تعبر عن تقديره وتقدير عقيد مصري سيلتقيه لجهوده ومساهمته في المشروع المصري، فردّ عليه بالقول إنه بإمكانهم الاعتماد عليه، دون أن يعرف أن من ينتظره هناك ليسوا مصريين؛ بل فريق اختطاف إسرائيلي عربي الهيئة، بقيادة رئيس الموساد إيسر هاريل، ليختفي كروغ دون أثر عن الأنظار، وليبقى ملف التحقيق في اختفائه مفتوحاً لدى النيابة العامة في ميونيخ حتى الآن، إلا أن وثائق عُرضت في هذا الوثائقي تبين مصيره.

وتكشف الوثائق اختطافه باستخدام حافلة فولكسفاغن قطعت الحدود الفرنسية، تحركت ليل نهار دون توقف، متوجهة نحو مارسيليا، وبعدها تم نقله بالطائرة إلى تل أبيب، ليتعرّض للتحقيق طوال أشهر في قاعدة لـ”الموساد”، فقدم أسماء علماء مصريين وألمان مصحوبة بوصف لكل شخص.

ويقول مسؤول سابق بـ”الموساد”، في لقاء مع الخبير في شؤون “الموساد” الإسرائيلي رونين بيرغمان، إنه لا يعلم من أطلق النار على العالم النازي، لكنه متأكد أنهم قتلوه، ثم تخلصوا من جثته برميها من طائرة تحلِّق فوق البحر.

استهداف الخبراء الألمان في مصر

المعلومات التي قدّمها كروغ لم تطمئن “الموساد”؛ بل العكس تم ربط المخابرات العسكرية بالعملية “فيتامين سي”، ثم بدأ العمل بإرسال رسائل متفجرة إلى عناوين العلماء، التي حصلوا عليها، يتقدمهم اسم البروفيسور النازي فولفغانغ بيلت.

تم إرسال رسالة له في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1962، إلى معمل صواريخ القاهرة-حلوان، أدى تفجُّرها إلى تشويه هانولوره فينده، سكرتيرته وشريكة حياته وفقدانها أصابعها وقدرتها على الرؤية.

يقول ناتان راهاف، خبير المتفجرات الإسرائيلي السابق، إنه كان ببساطة ظرفاً بداخله أوراق ونحو 200 غرام متفجرات، لا يثير الشبهة، وكانت بطارية مثبَّتة بسلك في الطرف الآخر من الظرف على الأوراق، وهكذا عندما يفتح أحدهم الظرف ويسحب الأوراق، تنغلق الدائرة الإلكترونية وتنفجر.

وتلا الرسالة، إرسال طرود بريدية إلى مصنع الصواريخ في القاهرة، أدت إلى حدوث انفجارات ومقتل 5 مصريين، ووقوع إصابات بالغة، كقطع أيدي العمال أو فقدانهم بصرهم، إلا أن البروفيسور بيلتز نجا من الهجمات، التي يقول عنها التقني فيرير: “لن أنسى منظر الأجسام الممزقة التي شاهدتها حينها طوال حياتي”.

محاولة اغتيال فاشلة تتحول لفضيحة

رئيس “الموساد” إيسر هاريل، كان مهووساً بإنهاء برنامج الصواريخ، كلف أحد أفضل عملائه، رافائيل ميدان، الألماني الأصل، تولي أمرِ ثالثِ شخصٍ على القائمة، وهو البروفيسور هانز كلاينفيشتر. وجاء هاريل، في فبراير/شباط عام 1963، إلى ألمانيا لقيادة عملية التخلص من كلاينفيشتر، الذي كان يعمل في مدينة لوراخ، قرب الحدود الفرنسية، على موضوع التحكم في وجهة الصواريخ، وهي واحدة من المشكلات التي كان الباحثون الألمان في القاهرة شبه يائسين من حلها، وكان “الموساد” يحاول بشتى السبل منعهم من تحقيق ذلك.

ولم يكن عملاء “الموساد” على علم حينها بأن كلاينفيشتر قد حصل بعد هجمات القاهرة، من رجل أمن يعمل لصالح المصريين، على مسدس. وفي العشرين من شهر فبراير/شباط 1963، كان كلاينفيشتر وحيداً يقود سيارته، عندما استوقفه عميل مكلف قتله، وسأله بالألمانية عن شيء ما، لكن عندما أطلق عليه رصاصة أخطأه، ثم حدث عطب في مسدسه، فتناول كلاينفيشتر مسدسه، وردَّ بإطلاق النار عليه.

يقول الخبير في شؤون “الموساد” بيرغمان، معتمداً على الوثائق التي اطلع عليها، إن العملاء ومعهم رئيس “الموساد” هاريل وقائد العملية إسحاق شامير، الذي أصبح رئيس وزراء لاحقاً، كانوا يراقبون من مسافة قريبة ذلك الفشل الذريع.

وأخرج كلاينفيشتر هذا الفشل الذريع للعلن، ليتصدر عناوين الصحف، متهِماً عميلاً لـ”الموساد”، يُدعى أوتو يوكليك، الذي كان قد انشق من البرنامج المصري للصواريخ ملتحقاً بالإسرائيليين. وزعم يوكليك أن المصريين يريدون تزويد الصواريخ بالكوبالت أو حتى متفجرات نووية، فكلفه “الموساد” التكفل بشأن العالِم رقم 2 على القائمة، وهو البروفيسور باول غوركه، فقام بمضايقة ابنته التي تعيش في مدينة فرايبورغ؛ لكي يجبره على الانسحاب من العمل في القاهرة.

وتشرح هايدي، ابنة العالم غوركه، كيف أن يوكليك جاء إلى منزلهم، وقال لها إن على والدها العودة من مصر؛ لأنهم يصنّعون أسلحة نووية ضد إسرائيل هناك، فردّت عليه بالقول إن ذلك ليس صحيحاً، وليس لديها ذلك التأثير على والدها كما يتصور هو، فاقترح عقد لقاء في مدينة بازل السويسرية.

وأعلمت هايدي، التي خضعت لضغوطات النيابة العامة والشرطة، بأمر لقائها مع قيادي في “الموساد” بفندق في بازل، قبل التوجه إلى هناك، في الثاني من شهر مارس/آذار 1963، لتجد شخصاً قدَّم نفسه على أنه “يوزيف بنغال”، موظف رفيع المستوى في الاستخبارات ومستشار للحكومة، قبل أن يصدمها بقوله لها، إنهم اختطفوا هاينز كروغ إننه مات، دون الخوض في تفاصيل ذلك. توضح هايدي أن والدها علم من خلال ما نقلت له مما قاله “بنغال”، أن هاينز كروغ اختُطف بالفعل، وقدم هذه المعلومات عنه تحت التعذيب ومات.

وقبل أن يغادر، هدد هايدي قائلاً إن والدها مهدَّد بالموت أيضاً. وتسبب اعتقال ذلك الشخص، بعد فترة قصيرة من ذلك، في تأزُّم العلاقات بشدة بين سويسرا وألمانيا وإسرائيل.

ولم يعد والدا هايدي إلى ألمانيا، وبقيا في مصر، وتوجهت هي مع أخيها إلى هناك قصد زيارتهما، حيث كانا يعيشان تحت حماية الأمن المصري.

التفاوض مع ضابط نازي سابق

ويرصد الوثائقي كيف اتبع رئيس “الموساد” الجديد عامير أميت أسلوباً جديداً، فعوض القتل، حاول تجنيد موظف أمن في برنامج الصواريخ المصري، يدعى هيرمان فالنتين، وذلك عبر قائده السابق أوتو سكورتزيني، الذي كان قيادياً في جهاز “إس إس” النازي وشخصية محببة لدى أدولف هتلر، بات يعيش تحت حماية الديكتاتور فرانكو في إسبانيا بعد الحرب.

ويتحدث عن تقديم سكورتزيني طلبات لـ”الموساد” عبر زوجته الثالثة التي كانت تتفاوض مع العميل رافائيل ميدان؛ وهي الحماية من الملاحقة وانتقام اليهود، بحذف اسمه من المسؤولين عن “ليلة البلور”، والسفر بحريته كاملةً من خلال منحه جواز سفر ومالاً، وهي الطلبات التي اعتبرها “الموساد” مبالغاً فيها، فقدم له عرضاً بدوره؛ وهو تركه يعيش حراً دون خوف من الانتقام، فقبل سكورتزيني العرض وأتاح تجنيد فالنتين.

ووفقاً للخبير في شؤون “الموساد” الإسرائيلي رونين بيرغمان، الذي بُني الوثائقي على أساس كتاب له عن القضية، فشل “الموساد” حتى تلك اللحظة في إيقاف المشروع المصري، لكنه بات منذ تجنيد فالنتين يفهم ما الذي يحدث، ويتقدم بخطوة دائماً على المصريين، واستطاع تدمير المشروع من الداخل عبر معلومات فالنتين وسكورتزيني ودرء الخطر عن إسرائيل.

منع العلماء من الذهاب لمصر

ومع ظهور شائعات جديدة عن استقطاب مصر المزيد من خبراء الصواريخ الألمان، توجه فريق “الموساد” في إسبانيا، الذي جنَّد سكورتزيني، إلى ميونيخ للقاء وزير دفاع ألمانيا الغربية شتراوس، ليطلبوا منه منع توجه الخبراء الألمان إلى القاهرة.

وفي محاولة أخيرة لمنع توجُّه الخبراء الألمان لمصر، قرَّرت إسرائيل الاعتماد على سلاح المال عوض العنف؛ إذ قال رافائيل ميدان عميل “الموساد”، إنه اتصل في ميونيخ مع لودفيع بولكوف (صديق شتراوس المقرب)، من شركة بولكوف للطيران حينذاك، والذي كان يصنع صواريخ أيضاً، وأوضح له أن هؤلاء يؤزِّمون العلاقات بين إسرائيل وجيرانها، فعرض بولكوف على جميع الباحثين في مجال الصواريخ فرص عمل.

وتسببت عروض أفضل، قدمها بولكوف للباحثين فيما يبدو، في قطع إمداد فريق عمل المشروع المصري بموظفين جدد، وانسحب أهم الخبراء الموجودين في القاهرة تباعاً من هناك.

ويخلص الوثائقي إلى أنه تبين أكثر فأكثر، أن برنامج مصر الصاروخي ليس سوى مناورة دعائية عبثية.

ويصف شيمعون بيريز، من جانبه، الأمر بأكمله بأنه “خدعة”، بدأت بخدعة من عبد الناصر، ثم بوهم من جانبهم جعلهم ينحرفون عن الهدف تماماً، ويصدِّقون القصة التي وضعوها رغم أن ذلك لم يكن يمتُّ إلى الواقع بِصلة، معتبراً في مقابلة قبل وفاته أن صواريخ ناصر لم تكن تحمل رؤوساً متفجرة، ولم تشكل أي خطورة على إسرائيل.