أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » قصص صغيرة عن الجدّة نورا

قصص صغيرة عن الجدّة نورا

والجدّة نورا هي أم جدتي، أو جدة أبي إن شئتم، ماتت قبل حوالى عشر سنين عن عمر يناهز المئة سنة، وهو عمر افترضناه نحن، لأنّنا لم نكن نعرف تاريخ ميلادها الحقيقي، ولا حتى هي نفسها تعرفه. كنّا نناديها “بِيْرِيْهْ نُوْرِيْ” أي الجدّة نورا بالكرديّة، اللغة التي لم تعرف سواها.

كانت ترتدي ثيابها الكرديّة المزركشة الثقيلة طوال الوقت، حتى أثناء النوم. قال لها أخي ذات صيف: ألا تشعرين بالاختناق في هذه الثياب ودرجة الحرارة تجاوزت الأربعين. نفت وقالت بفخر إنّ أحدًا لم يرَ جسدها من قبل، ولا حتى زوجها، لذلك لن تنزع ثيابها بعدما بلغ العمر بها أرذله. ضحكنا وقلنا كيف لم يرَ زوجك جسدك وأنت أم خمسة أطفال؟ هل أنت مريم العذراء؟

أشاحت بوجهها غاضبة منّا. فأجابت ابنتها، جدتي، قائلةً إنّ في زمانهم وفي قراهم لم يكن المرء يكشف عن كامل جسده أمام شريكه، ولم يكن هناك كهرباء كذلك، لذلك لم يكن الشريك يرى شيئًا في ذلك الظلام الدامس.

كانت الجدة نورا مؤمنة، تصلي وتصوم حتى آخر عمرها، وكانت لها ترنيمة دينيّة ترددها عشرات المرات في اليوم تتغنى بنبيّ الإسلام محمد. كانت تقول إنّها أخذت هذه الترنيمة عن أمها التي بدورها أخذتها عن أمها.

لا أذكر اليوم سوى مطلع هذه الترنيمة، وترجمته بالعربية:

“هو محمد العربي القرشي الهاشمي

عيناه سوداوان وجبينه عالٍ

لون بشرته بيضاء مائلة للحمرة

واقف تحت أشعة الشمس

ومن نوره أعطى الأرض سنته

ولد في مكة

وفيها أصبح نبي الله عليه الصلاة والسلام”

في سنواتها الأخيرة كان لجدتنا نورا عادة النوم من الثامنة مساءً حتى الثامنة صباحًا. أحيانًا كنّا نسمع صوت شخيرها العالي من الغرفة المجاورة. كنّا نداعبها كلّ صباح ونقول لها: كيف كانت ليلتك يا جدتي؟ فتقول إنّ عينيها لم تغمضا وقد بقيت صاحية طوال الليل. فنقول بخبث: كيف ذلك يا جدتي؟ كنا نسمع شخيرك من الغرفة المجاورة. فتقسم أنّها لم تنم. وهكذا يدور الحوار بيننا إلى أن يأتي أحد الكبار ويمنعنا من مواصلة خبثنا مع العجوز. في هذه الأيام حين تقول لي حبيبتي الألمانيّة أنّها لم تنم جيدًا الليلة السابقة أقول لها كذلك كانت تفعل “بِيْرِيْهْ نُوْرِيْ” وأضحك بخبث متذكرًا أيام قديمة في البلاد التي حُرمنا منها.

لنورا ثلاثة شباب وابنتان، زوجها مات قبلها بزمن طويل وتولّت هي تربيّة الأطفال. عائلتها الكبيرة قُسمّت بين سوريا وتركيا بعد إنشاء الحدود -كان الحد الفاصل بين البلدين هو خط السكة الحديديّة الذي أنشأته شركة ألمانية، فكان يقال عن الأكراد الذين يعيشون في بلدات ومدن تركيّة “سكان فوق الخط” وعن الأكراد الذين يعيشون في بلدات ومدن سوريّة “سكان تحت الخط”- لذلك لم تجتمع الجدّة مع عائلتها الكاملة يوماً، وقد حدث لقاؤها الأول مع أحد أقربائها الذين يعيشون فوق الخط  في سنوات حياتها الأخيرة، حين لم تعد تعرف الأشياء والأشخاص من حولها.

لم تكن جدتنا الأميّة تعرف أي كلمة بلغة أخرى غير الكرديّة. حياتها كانت كرديّة مئة بالمئة. وخلال الحرب الأمريكيّة- البريطانيّة على العراق سنة 2003 كنا في بيتنا نتابع الأخبار طوال الوقت، وهي كان يصيبها الملل لعدم فهمها شيئًا مما يقال، لكنها بعد أيام طويلة تعلمت كلمتين عربيتين وكانت تفتخر بأنّها، وأخيرًا، تعلْمت العربيّة. كانت تقول بالكرديّة: يقولون في الأخبار أنّ هنالك “قتلى وجرحى”. تلفظ “قتلى وجرحى” بعربيّة مفخمة وبسعادة طفل تعلّم النطق لتوّه. ماتت جدتي وهي لم تتعلم من العربيّة سوى كلمتي “قتلى” و”جرحى”. يا للأسى.

ماتت أم صالح بعد حضورها عرس أحد أحفادها بأيام قليلة. أكملت عمرها وعاصرت أحداثاً كبيرة في القرن الماضي وبدايات القرن الجاري، لكنها لم تعرف شيئًا عن العالم، لم تعرف الكتل الاشتراكيّة والرأسماليّة، لم تقرأ لتولستوي ونيتشه، لم تعرف معنى التهجير ولم تسمع عن الحرب الباردة، لم تعرف صراعات السلطة في الشرق الأوسط، ولم تعرف السينما ولا المسرح ولا الفرق الموسيقيّة. عاشت عمرها الطويل بين قريتها ومدينة القامشلي وفي أوقات قصيرة في دمشق. عالمها كان محصورًا بعائلتها ومعارفها وأدائها الصلاة في أوقاتها.

أذكرها كثيرًا هذه الأيام. أتذكر أنّني لم أكن أحبها في حياتها، ولم أكن أكرهها، كانت مشاعري حياديّة تجاه العجوز، جدة أبي، أما اليوم وأنا أكتب عنها وأتذكر قصصها الصغيرة كحلم بعيد، أفكر بأنّني أحبّ هذه المرأة. أقول لنفسي إنّها عاشت حياة طويلة كلّها ظلم وشقاء وتعب، وأحزن لأنّها لم تعش هذا العمر في ظروف مختلفة.

المصدر: رصيف 22