أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » موسم مواجهة إيران وحزب الله: كيف ينعكس على لبنان؟

موسم مواجهة إيران وحزب الله: كيف ينعكس على لبنان؟

عملياً لم تكن الانتخابات النيابية في لبنان التي جرت في 6 مايو/ أيار الحالي، سوى بداية لمرحلة سياسية جديدة في البلاد، تتخطى الخلافات الاعتيادية إثر كل استحقاق لبناني، من تشكيل الحكومة وتقاسم حصصها وبيانها الوزاري، إلى مرحلة ترجمة المواجهة مع إيران في الداخل اللبناني. مواجهة دخلت مرحلة جديدة مع صدور العقوبات الخليجية والأميركية على حزب الله، أول من أمس، بشكل غير مسبوق، إذ طاولت كبار قادة الحزب الممثل في البرلمان والحكومة، ليدخل لبنان في السجال السياسي منذ الإعلان عن العقوبات الخليجية والأميركية الجديد ضد الحزب، ليل الأربعاء، في دوامة جديدة عنوانها: كيف سيتأثر هذا البلد بالمواجهة المفتوحة الأميركية ــ الخليجية مع إيران؟ كل ذلك علماً أن قرار المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، في عام 2005، بات قريباً أيضاً، ويتوقع صدوره إما هذا العام أو في 2019، والمتهمون الرئيسيون عناصر من حزب الله، بعضهم قتل وبعضهم الآخر لا يزال حياً ومتوارياً عن الأنظار.

وإثر انتهاء الانتخابات التي أفرزت أحجاماً جديدة للقوى السياسية التقليدية في لبنان، تحوّلت الأنظار إلى التشكيل الحكومي، والذي رافقه صخب بين التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية على عدد نواب كل تكتّل وقوتهما على الساحة المسيحية، علماً أن المعركة الإعلامية بينهما يُفترض توظيفها في كسب أكبر عدد ممكن من الوزراء في حكومة مؤلفة من 30 وزيراً على الأرجح. معركتهما ثانوية أمام أحداث مفصلية لبنانياً، تلت الانتخابات. في هذا السياق، أطاح رئيس تيار المستقبل، سعد الحريري، مدير مكتبه (ابن عمته) نادر الحريري من منصبه، في صورة مفاجئة. نادر ليس تفصيلاً في تركيبة الحريري في السنتين الماضيتين، فقد كان أحد عرّابي التسوية الرئاسية مع وزير الخارجية، جبران باسيل، التي أوصلت ميشال عون إلى سدّة الرئاسة الأولى في بعبدا. كما أن نادر كان من الأشخاص الذين ضغطوا على الحريري، بعد خروج الأخير من الوضع الذي مرّ به في السعودية، خلال الاستقالة المريبة، في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، للضرب بيد من حديد ضد كل من “أغرق الحريري في الرمال السعودية”. وهو ما فعله سعد الحريري، الذي كسب أعداء في صفوف تياره، في مقابل تعزيز حلفه مع عون، من خلال نادر الحريري ومن خلفه حزب الله وأمل. بالتالي، قُرئت إقالة نادر الحريري من إدارة مكتب سعد، على أنها تلبية لطلب سعودي قديم.

خروج نادر الحريري من الدائرة المقرّبة للحريري، سرّع من لقاء ثنائي بعد غياب طويل، بين الحريري ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، فالتقيا يوم الثلاثاء الماضي، للمرة الأولى في بيت الوسط، مقرّ الحريري، للتفاهم على مرحلة جديدة. وفي المعلومات، فإن السعوديين ضغطوا كثيراً في اتجاه ترميم التحالف بين الحريري وجعجع، على حساب إطاحة نادر الحريري، المغضوب عليه سعودياً. ومع أن الحريري كان واضحاً في تركيزه على “حماية العهد الرئاسي”، إلا أن جعجع طلب ثمناً لذلك، وهو “حصول القوات على حصة وزارية وازنة في أي حكومة جديدة”. وبموازاة اللقاء الثنائي بين الحريري وجعجع، كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري، يزور بعبدا، ملتقياً عون. وفي دلالة على إيجابية اللقاء بين الطرفين، فقد استبقى عون بري على مأدبة الغداء. تخفيف التشنّج بين الطرفين أساسي، بعد الصدام بين بري وباسيل (صهر عون) في الأشهر الماضية، والتي تحوّلت إلى صدامات مذهبية في الشارع بين قواعد الطرفين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

بالنسبة إلى بري، فإن معركته تبدأ بعد انتخابه رئيساً للبرلمان لمرة سادسة على التوالي، منذ عام 1992. انتخاب بري أمر مفروغ منه، بمعزل عن احتمال ارتفاع عدد الأوراق البيض ضده. وهو قد سبق له أن مرّر لعون عبارة مفادها “نيابة رئيس البرلمان محسومة لتيارك”، في إشارة إلى أحد الاسمين: إيلي الفرزلي أو إلياس بو صعب، على أن تكون نيابة رئاسة الحكومة للقوات اللبنانية. مع العلم أن العرف يقضي بأن تكون نيابة رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة لشخص من طائفة الروم الأرثوذكس بينما رئيس البرلمان يكون شيعياً. معركة بري الفعلية، بدأت مساء الأربعاء الماضي، مع إعلان لائحة الإرهاب السعودية والخليجية التي ضمّت حزب الله بقيادته السياسية أيضاً، لا العسكرية فحسب، فضلاً عن العقوبات الأميركية ضد الحزب، والتي ستكتمل يوم الاثنين المقبل، بعقوبات إضافية على إيران وحزب الله، حسبما أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو. وبري سيمثل حزب الله مجدداً، سواء في الحكومة، في حال تراجع الحزب عن مطلب التوزير، أو في عرقلة تشكيل الحكومة، إذا كانت ستُشكّل من دون الحزب، أو حتى في ظل مشاركة الحزب في حكومة مناهضة للقرارات الخليجية والأميركية. ولا يمكن لبري خوض معارك خارجية وداخلية في آنٍ، خصوصاً أن أي خطأ في الحسابات سيكلّفه غالياً، وهو المصرّ على إبقاء علاقاته الخليجية جيدة إلى حد بعيد.

فعلياً، دخل لبنان مرحلة ما بعد لائحة الإرهاب والعقوبات الأميركية والخليجية على حزب الله، وهي مرحلة ستنعكس على التحالفات السياسية في البلاد. وإذا كانت حركة أمل قد حسمت موقفها بالوقوف إلى جانب حزب الله، إلا أن باقي مكوّنات تحالف 8 آذار، كالمردة والحزب القومي السوري الاجتماعي والبعث خصوصاً لن يكونوا بعيدين كتنظيمات حليفة عن الحزب. أما التيار الوطني الحر، وكتلة “لبنان القوي” النيابية الموالية لعون، فأمامها استحقاق بين الدفاع عن الحزب من جهة، بفعل التحالف السياسي بين الطرفين، وبين الرضوخ للعقوبات من جهة ثانية، بما لا يؤدي إلى فقدان لبنان وجوده الشرعي في كافة المنتديات الأممية، وبالأخص عدم خسارة مقررات مؤتمر سيدر (باريس 4) والتي يفترض تحويلها نحو 12 مليار دولار من الهبات والقروض الميسّرة لحكومة جديدة، لا لحكومة تصريف أعمال منذ 21 مايو الحالي. هي مرحلة عنوانها بالنسبة للأميركيين والخليجيين “مواجهة إيران في لبنان”، وهو ما يعني اصطفافاً جديداً بين من يؤيد حزب الله ومن يخاصمه. على أن المرحلة الحالية قد تكون أقسى بكثير من مرحلة ما قبل انتخاب رئيس للجمهورية، لأنها ستحمل عنواناً اقتصادياً عريضاً يهدد ما تبقى من سلامة الليرة اللبنانية، وهو ما حدا بحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، إلى زيارة عون، أمس الخميس، بصورة طارئة، لبحث تداعيات العقوبات الجديدة.

السؤال الأهم: هل ستُشكّل حكومة جديدة في لبنان؟ كل المعطيات تشير إلى أن البلاد دخلت حالة ترقب ربما تطول، وستقبل بحكومة تصريف أعمال لفترة، حتى اتضاح ماهية العقوبات الأميركية الجديدة على حزب الله، يوم الاثنين المقبل. إلا أنه في المبدأ، فإن الحريري لا يمانع بحكومة “ربط نزاع” مع الحزب، أي مواصلة الهدنة وتحييد سلاح حزب الله وحربه السورية عن السجال، ولو ببيان وزاري (برنامج عمل الحكومة) مؤلف من ثلاثية “الشعب، الجيش، المقاومة”، بحجة “الاستقرار في لبنان، ولتجنيب البلاد حرباً أهلية”. بالتالي فإن مطالبات البعض، كالقوات اللبنانية بوزارة الطاقة، والتيار الوطني الحر بوزارة الشؤون الاجتماعية، وحركة أمل بوزارة المالية، قد تكون مجرد تفاصيل غير مهمة حالياً، أمام المرحلة الأميركية العتيدة. وللإشارة إلى أهمية المرحلة المقبلة، فإن العقوبات الأميركية والخليجية، طاولت للمرة الأولى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ونائبه نعيم قاسم، بالاسم، ووصفتهما بـ”الإرهابيين”. وهو ما يعني صداماً جديداً بين الحزب والخارج، واستطراداً صداماً داخلياً بين الحزب وخصومه وبين لبنان والخارج.

بيار عقيقي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع