أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » قتل وإبعاد وتآمر… الصراع الدموي على السلطة بين أبناء محمد علي

قتل وإبعاد وتآمر… الصراع الدموي على السلطة بين أبناء محمد علي

أجهزت معاهدة لندن عام 1840 على أحلام محمد علي باشا في تأسيس إمبراطورية ترث الدولة العثمانية. انسحب من الشام والحجاز وكريت مجبراً، ولم يحقق سوى مكسب توريث ولاية مصر لأبنائه، في آلية نظّمها فرمان للسلطان العثماني صدر عام 1841، وفتح باب التنافس بين أمراء الأسرة العلوية.
الباشا الكبير أسير نجله
نوبار باشا

شاب العلاقة بين محمد علي ونجله إبراهيم باشا القلق والتوجس. يروي نوبار باشا، أول رئيس حكومة في مصر، في مذكراته أن إبراهيم تلقّى عقب عودته من فتوحات الشام خطاباً مليئاً بالاتهامات والعتاب من والده، وظل على أثره يوماً كاملاً نائماً وواضعاً الخطاب فوق بطنه وهو يردد: “أريد أن يُدفن هذا الخطاب معي، إنه يحمل لي اتهامات أريد أن أحملها معي إلى القبر”.
محمد علي

وترد في “مذكرات نوبار باشا” واقعة أخرى حدثت عندما ذهب إبراهيم لزيارة والده في القلعة. اصطحب معه مملوكاً وأوصاه: “اضرب بسيفك مَن يعطي الأمر بقتلي”، ويعلق نوبار على ذلك بقوله: “أي مشهد هذا الذي يساوي مشهد ذهاب إبراهيم إلى والده وهو متخوف من الوقوع في مصيدة، ويستعد للدفاع عن نفسه مسلماً أباه لضربات مملوكه”.

استمرّت تخوفات إبراهيم من والده حتى تدهورت قوى محمد علي العقلية عام 1948، وراح إبراهيم باشا يُسيّر أمور البلاد. وفي حين سعى إلى تسلم الحكم رسمياً، إلا أنه كان يخشى بشدة أن يستعيد أبوه قواه العقلية وينتقم منه ويدفع حياته ثمناً لتلك الفعلة.

وفي النهاية، حصل إبراهيم على فرمان الولاية لكنه لم يحكم سوى أشهر قليلة، إذ توفي وأبوه على قيد الحياة.

لم يخفِ محمد علي شماتته عندما جاءه خبر وفاة نجله: “لقد حبسني، كان قاسياً معي كما كان قاسياً مع الجميع، لقد عاقبه الله وأماته، لكني أجد أن من الواجب عليّ، كوني أباه، أن أترحم عليه وأدعو له الله “، وفقاً لمذكرات نوبار باشا.
عباس بن طوسون

توفي إبراهيم وتولى عباس بن طوسون بن محمد علي الحكم بعده، لكونه أكبر أفراد ذرية محمد علي سناً، وذهب لزيارة جده مودعاً إيّاه قبل السفر إلى الآستانة، للحصول على فرمان الولاية، فبادره محمد علي بالقول: “لقد لعنت إبراهيم لأنه حبسني، ولذا قبض الله روحه فلا تتصرف نحوي مثله إذا كنت تريد ألا ألعنك أنت أيضاً”، فطمأنه عباس وقال له وهو يقبّل يده: “أنت سيدنا وستظل كذلك دائماً”، كما يروي نوبار.

رغم حرص محمد علي على أبنائه واهتمامه الفائق بتنشئتهم وتعليمهم في أرقى المدارس الأوروبية، ثم نضاله من أجل ضمان ولاية مصر لهم كأقل إنجاز يمكن أن يحققه بعد فشل دولته المنشودة، إلا أن إبراهيم أثار قلق والده، تعلق أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر في كلية الآداب بجامعة بنها الدكتورة لطيفة سالم.

وتضيف لرصيف22: “إبراهيم كان قائداً مظفراً قاد حروب الدولة العلوية في الشام والحجاز، وقاتل في اليونان، كما أنه كسب قلوب المصريين، وله مواقفه التي تقرّب بها منهم، فقد طالَب والده بفتح باب ترقيهم في الجيش، وألا يقتصر تواجدهم على الجندية فقط”. كل ذلك أثار قلق الأب من ابنه الذي كانت لديه طموحاته، ولكن وفاة إبراهيم وضعت حداً لهذا الصراع.
عباس… طعنة في الظلام

“كثير التطيّر، فيه ميل إلى القسوة، سيئ الظن بالناس”. هذه صفات الوالي الجديد عباس بن طوسون وفقاً لما ذكره المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه “عصر إسماعيل”.
إسماعيل

أساء عباس الظن بأفراد أسرته وبكثيرين من رجال محمد علي وإبراهيم واعتقد أنهم يتآمرون عليه، فأساء معاملتهم، وخشي كثيرون منهم على حيواتهم فرحلوا إلى أوروبا وإلى الآستانة.

يروي الرافعي بعضاً من وقائع العداوة بين عباس وبين أفراد الأسرة العلوية، يتّضح منها أن الأمر وصل إلى محاولته قتل عمته الأميرة نازلي هانم، فهاجرت إلى الآستانة خوفاً من بطشه.

كذلك، كان عباس ناقماً على عمه سعيد باشا، ولي العهد، واتهمه بالتآمر عليه واشتد العداء بينهما حتى اضطره أن يلزم سراي “القباري” في الإسكندرية، وسعى إلى تولية نجله “إبراهيم إلهامي” باشا من بعده ولكنه لم يفلح.

من جانبها، سعت الأميرة نازلي للانتقام وهي في الآستانة. أرسلت لقتل عباس مملوكين من أتباعها كانا يتمتعان بقدر كبير من الوسامة والجمال، وكانت الخطة أن يعرضا نفسيهما في سوق الرقيق في القاهرة ليشتريهما مندوب عباس ويدخلهما في خدمته، وهو ما حدث.

جاءت الليلة الموعودة، عندما كانت مناوبة المملوكين لحراسة غرفة عباس في قصره في مدينة بنها، البعيدة والمعزولة، فانقضّا عليه وهو نائم وقتلاه وفرّا إلى القاهرة ومنها إلى الآستانة، حيث التقيا بالأميرة نازلي ونالا أجرهما.

تلك الرواية نقلها الرافعي في كتابه “عصر إسماعيل” عن الأديبة الفرنسية أولمب إدوار، التي زارت القاهرة والإسكندرية عام 1864 وقضت فيهما 15 شهراً، وذكرتها في كتابها “كشف الستار عن أسرار مصر”.

كتم المحيطون بعباس خبر مقتله، واتفقوا على مراسلة نجله إبراهيم إلهامي باشا، الذي كان في أوروبا وقتها، ليخلف والده في حكم مصر بدلاً من سعيد باشا، وكتبوا إلى محافظ الإسكندرية ليكون في استقبال إلهامي عند عودته.

ولكن المحافظ توجّه بالرسالة إلى سعيد فقصد الأخير قصر رأس التين في الإسكندرية وأعلن خبر ولايته رسمياً وأطلق المدافع احتفالاً، كما ورد في كتاب “حقائق الأخبار عن دول البحار” للأميرلاي إسماعيل سرهنك باشا (1852 – 1925) وهو ضابط مصري من أصل كردي، شغل منصب مدير المدرسة الحربية ثم منصب وكيل نظارة (وزارة) الحربية.
هل تآمر إسماعيل مع سعيد لقتل أخيه؟

عاد أمراء الأسرة الذين فرّوا من بطش عباس إلى مصر بعد وفاته، وكان بينهم إسماعيل بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، وإخوته، وكان المستحق لكرسي الولاية من بعد سعيد هو أحمد رفعت باشا، أخو إسماعيل الأكبر، إلا أنه لم يصل إلى السلطة.

ففي مايو سنة 1858، أقام سعيد باشا حفلاً في الإسكندرية دعا إليه جميع الأمراء فلبّوا الدعوة، وفي مقدمتهم أحمد رفعت باشا وحليم باشا أصغر أنجال محمد علي، فيما اعتذر إسماعيل، لأنه كان مريضاً.

وبعد انقضاء الحفل عاد أحمد رفعت وحليم إلى مصر في قطار خاص مع حاشيتهما ورجالهما، ولكن العربة التي كانت تقلهما سقطت في النيل، عند كفر الزيات ناحية محافظة الشرقية. غرق الأمير أحمد رفعت ونجا حليم، فأصبح إسماعيل ولي عهد سعيد.

يذكر إلياس الأيوبي في كتابه “تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا” أن القطارات وقتها كانت تجتاز النيل عند كفر الزيات في مركب ينقل عرباتها، وأن المسؤولين عن ذلك المركب دفعوا عربة الأميرين بقوة إليها، “إظهاراً لنشاطهم”، فتدحرجت عنها إلى النهر وغرقت فيه. لم يستطع أحمد رفعت الوثوب من نافذة العربة إلى الماء، بسبب بدانته، فمات غرقاً، أما حليم، خفيف الجسم، فقفز من النافذة واجتاز النهر سباحة.

ويؤكد الرواية الثانية الأميرلاي إسماعيل سرهنك باشا في كتابه “حقائق الأخبار عن دول البحار”، ويشير إلى أن بعض الرواة قالوا إن ذلك حدث “بإيعاز من سعيد باشا”.

كما تطرق إلياس الأيوبي إلى روايات أشارت إلى إسماعيل بأصابع الاتهام ليخلو له الطريق لولاية العهد. كتب: “لكن النميمة، وكان ذلك بدء قيامها، ولكم حاولت، فيما بعد، تسوء (تسيء إلى) سمعة إسماعيل وطمس معالم فخره ومجده، أبت إلا أن تغتنمها فرصة لتنفث عليه وعلى عمه سعيد سمومها وتحاول تعكير مياه الصفاء، والتوادد بينهما”.
إسماعيل يتخلص من الجميع

سعى الخديو إسماعيل إلى تغيير نظام الولاية الذي فرضته تسوية 1841، وحصْرها في أبنائه، وكان الأمير مصطفى فاضل شقيق إسماعيل من جهة أبيه هو المستحق لولاية العهد من بعده، ومن بعده يأتي دور الأمير حليم، أصغر أبناء محمد علي.

ولم يكن إسماعيل يخفي كراهيته لهما، وبادله الأميران نفس الشعور. وتنافس الطرفان على التقرب من الباب العالي في الآستانة ببذل الأموال والهدايا، وسعى الخديو إلى تغيير نظام الوراثة، فيما أراد الأميران تثبيته.

ولكن بذل إسماعيل كان أكبر فنجحت مساعيه في استصدار فرمان عثماني في مايو 1866 يقضي بحصر حكم مصر في ذريته فقط.

أنفق إسماعيل، طوال عهده، 10 ملايين جنيه رشى وهدايا لرجال الآستانة بمَن فيهم السلطان ذاته، كما يذكر عبد الرحمن الرافعي.

تخلص إسماعيل من منافسة أخيه مصطفى فاضل نهائياً، فاشترى منه جميع أملاكه في مصر بالإجبار، وسافر الأخير إلى الآستانة واستقر فيها حتى وفاته عام 1875.

أما الأمير حليم، فكان وقع الفرمان عليه كبيراً فانعزل في قصره في شبرا، ولكن إسماعيل أبى إلا أن يتخلص منه، فأصدر أمراً بإبعاده عن مصر. وقبل مغادرته، أُجبر على بيع جميع ممتلكاته في مصر للخديو عام 1866، واستقر أيضاً في الآستانة.

خدم التنافس بين الأمراء على السلطة قضية استقلال مصر. المزايا التي حصل عليها إسماعيل في إطار صراعه مع منافسيه وسعيه لتثبيت مركزه ضمنت لمصر المزيد من الاستقلالية عن الدولة العثمانية، فحصل على لقب خديو وليس مجرد والٍ، وعلى حق منح الرتب المدنية حتى الرتبة الثانية، وحصل لمصر على حق ضرب نقود مختلفة العيار عن نقود السلطنة العثمانية، والحق في عقد المعاهدات التجارية، ووزيادة عدد الجيش إلى 30 ألف جندي، يقول أستاذ التاريخ الحديث في كلية الآداب في جامعة القاهرة الدكتور محمد عفيفي لرصيف22.
حليم يتحالف مع العُرابيين

حليم

عزل السلطان العثماني إسماعيل، نزولاً على رغبة الدول الكبرى، وتولى نجله توفيق الحكم عام 1879، فتجددت آمال الأمير حليم، وتوثب لاستغلال الفرصة السانحة التي خلقتها الثورة العرابية عام 1881، عندما انتفض ضباط الجيش المصريين بقيادة أحمد عرابي ضد سوء أوضاعهم.

تروي الدكتورة أمل فهمي في كتابها “أمراء الأسرة المالكة ودورهم في الحياة المصرية 1882 – 1928” محاولات حليم وكيفية تعامل توفيق معها.

تحرّك أتباع حليم في مصر وجمعوا توقيعات من الأهالي تطالب به والياً، كما أرسل الأمير الهدايا والتحف النفيسة إلى عرابي وكبار رجالات الحركة العرابية.

كان العرابيون يسعون للتخلص من حكم الأسرة العلوية بالكامل، إلا أنهم فكروا في التعاون مع حليم كخطوة للتخلص من توفيق ثم تأتي بعدها إزاحة حليم.

ومع اشتداد الخلاف بين العرابيين وبين الخديو، طالبوا بتغييره، وتضمنت مراسلاتهم للدولة العثمانية طلب عزله وتعيين خليفة له، كما اجتمع أحمد عرابي بالأعيان ومشايخ الأزهر وجمع توقيعاتهم على برقية للسلطان تطالب بعزل توفيق.

وروّجت صحيفة “الطائف” المولية للعرابيين لحليم، وذكرت أن السلطان راضٍ عنه.

واستمال حليم صاحب صحيفة “أبو نظارة زرقاء”، التي كانت تصدر باللغة العربية في باريس، الشامي يعقوب صنوع، فأصبحت بوقاً للدعاية له والهجوم على سياسات توفيق، وكانت هذه الصحيفة تدخل مصر وتُوزّع سراً بين صفوف الجيش المصري.

دفع ذلك توفيق لإرسال برقية للسلطان العثماني أشار فيها إلى الدعاية التي تروّجها مجلة أبو نظارة التي ينفق على طباعتها ونشرها الأمير حليم، فطمأن السلطان الخديو وأكد أنه يميل إليه على عكس حقيقة موقفه، إذ كان يسعى إلى تعيين حليم والياً لمدة زمنية محددة بخمس سنوات لينتزع من مصر بعض الاستقلالية التي حصلت عليها في عهد إسماعيل.

تواصل حليم مع سفارات الدول الغربية الكبرى في الآستانة لينال موافقتها على تعيينه خديوياً لمصر، فلقي قبولاً من جانب فرنسا، قابله رفض إنكلترا منافسة فرنسا على الساحة الدولية، وحاول السلطان إقناع إنكلترا بالقبول بحليم إلا أنها رفضت بشدة، وأيّدت التدخل العسكري في مصر والذي انتهى باحتلالها عام 1882.

“قدمت الدولة العثمانية المثال للولايات التابعة لها في التناحر بين أجنحة الأسرة الحاكمة، إذ قتل السلطان أبيه وتآمر على التخلص من نجله” تقول الدكتورة لطيفة سالم، وتضيف: “كان أزهى عصور الدسائس والمؤامرات والجواسيس”.

المصدر: رصيف 22