أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي غزوان قرنفل: اتفاق سوتشي واستحقاقات المستقبل

المحامي غزوان قرنفل: اتفاق سوتشي واستحقاقات المستقبل

مع توالي خروج مناطق المعارضة المسلحة عن سيطرتها بدءا من الغوطة مرورا بريف حمص وانتهاء بدرعا توجهت الأنظار والتوقعات نحو ادلب كهدف تال لعمل عسكري لميليشيات النظام وحلفائه من الروس والإيرانيين رغم المخاطر الجمّة التي تتهدد حياة ملايين السوريين من سكانها ومن النازحين إليها والتي بالطبع لا يقيم النظام لها وزنا في معادلة صراعه لإعادة إخضاع المجتمع السوري .
اليوم يحل موعد انجاز المنطقة المنزوعة السلاح الثقيل التي كانت مخرجا قدمته تركيا بوصفها ضامنا لمنطقة خفض التصعيد الرابعة في ادلب بعد حراك ديبلوماسي محموم باتجاه روسيا والعديد من الدول الأوروبية لتوضيح مخاطر وآثار ما قد يترتب على أي عمل عسكري على ادلب التي تضاعف عدد سكانها وقاطنيها ليصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين انسان ثلثهم من الأطفال سيكونون وقودا لمحرقة النظام الذي لا يعبأ بحياة المدنيين فضلا عن التدفق الهائل المتوقع للاجئين نحو تركيا وتاليا نحو أوروبا .
اليوم ومع انتهاء الأجل المحدد لإخلاء المنطقة المنزوعة السلاح يتعين علينا إجراء مراجعة ومقاربة عقلانية لمفاعيله وآثاره من خلال الإجابة على تساؤلات عدة :
– هل كان هذا الاتفاق في صالح المعارضة عموما وهل جنّب السكان ويلات الموت والنزوح ؟
– هل وفر هذا الاتفاق للسوريين في الشمال فرصة ترتيب الصفوف والأوراق ووفر خيارات جديدة ربما تفتح نافذة على مسار الحل السياسي الذي تعطل كثيرا ؟
لقد أظهر 70% ممن شاركوا في استطلاع الرأي الذي أجريناه بهذا الخصوص أن الاتفاق وفر حماية حقيقية للمدنيين وجنّبهم ويلات كارثة كانت تحيق بهم ووفر فرصة ذهبية لعودة الحراك المدني السلمي المناهض للنظام ، فيما تحفظ 30% على ذلك .
ونحن نعتقد جازمين أن الاتفاق وفّر حقيقة فرصة مهمة للسوريين في ادلب لوقف التداعي العسكري وخروج المناطق عن سيطرة المعارضة بل وجعل الشمال السوري ملاذا آمنا لملايين السوريين الباحثين عن مساحات أمان ماتزال غير متوفرة في مناطق أخرى وجنّب ثلاثة ملايين ونصف مليون انسان في محافظة ادلب وحدها ويلات كثيرة كادوا أن يدفعوها وأبقت تلك المنطقة تحت حماية الجيش التركي الذي ضاعف من أعداده ونقاط تواجده لتوكيد تلك الحماية ، ما يوفر فرصا للحياة والعمل والتعليم والخدمات وحتى عودة آلاف النازحين عن بلداتهم ومساكنهم ولعل عودة أكثر من خمسين ألفا كانوا قد نزحوا قبيل انجاز هذا الاتفاق لقراهم وبلداتهم ما يعزز هذه الحقيقة .
ان هذا الاتفاق باعتقادنا لم يتح فقط المجال والفرصة لعودة الحراك المدني متبديا بالتظاهرات التي عادت سيرتها الأولى للمطالبة برحيل النظام ومحاسبته وإنما سمح بإطلاق ديناميات ومقاربات جديدة أعادت بعض روح لمسار الحل السياسي الذي ارتسمت ملامحه وكرسته القرارات الدولية وبيان جنيف باعتبارها الحد المعقول لبناء أسس وقاعدة الحل المقبول للصراع .
لقد كان للديبلوماسية التركية التي كانت نشطة وفاعلة لحشد موقف دولي يجهض أي مسعى باتجاه الحسم العسكري ، بالإضافة لتصاعد الحراك المدني السلمي في الداخل السوري ساهما كثيرا في تصاعد وتيرة الخطاب والمواقف الدولية الرافضة لأي عملية عسكرية مما أفشل أهداف النظام وحلفائه ، ودفع روسيا لتقييم الموقف مجددا ولمراجعة حساباتها حيث وجدت في العملية العسكرية مغامرة غير مضمونة العواقب ستهدد بالتأكيد علاقتها المميزة مع تركيا التي لا تريد خسارتها فضلا عن تحميلها دوليا المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية عن مجزرة مؤكدة لا تريد تحمل تبعاتها وآثارها .
إن استحقاقات المرحلة القادمة بالنسبة للسوريين في محافظة ادلب ومناطق الشمال عموما توجب العمل على تعزيز مفاعيل هذا الاتفاق ودعمه وتلمّس وتثمير آثاره الإيجابية لجهة حماية ادلب وسكانها ولجهة الاستفادة من الحماية والدعم التركيين واستثمار كل الموارد المتاحة لتطوير أداء مؤسسات العمل السياسي والمدني والحكم المحلي في الداخل والعمل على أن يحصل هذا الاتفاق على مزيد من دعم المجتمع الدولي له ، يمكن أن تجعل من الاتفاق نقطة تحول مهمة ليس فقط في توفير مظلة الحماية لأرواح الناس وهو هدف مهم بالقطع ، وإنما لجهة تقديم نموذج إيجابي ربما يساعد على توفير أوراق قوة في العملية السياسية بما يسمح بصياغة حل سياسي يتأسس على روحية بيان جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة ويرفض إعادة انتاج منظومة السلطة الاستبدادية التي استرخصت دماء السوريين وكرامتهم وقايضت سلامتها واستمرارها على سلامة سوريا وسيادتها واستمرارها وطنا لكل السوريين .
المحامي غزوان قرنفل



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع