أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » هذا هو المشروع الغربي لسورية وهذا هو مشروع بوتين .. بقلم: م. سليمان االطويل

هذا هو المشروع الغربي لسورية وهذا هو مشروع بوتين .. بقلم: م. سليمان االطويل

من حسن حظ الولايات المتحدة التي كانت توصف منذ قرون بالدولة الإمبريالية والعدوانية أن فلاديمير بوتين قد سحب منها هذا الوصف وباتت روسيا هي الدولة الإمبريالية والعدوانية في عهد الدكتاتور الجديد بوتين.
حقد بوتين على حرية الشعوب وإرادتها لا حدودَ له وهذا تجلّى بداية من سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها في الشيشان حينما طالب الشعب بحريته وحقه في تقرير المصير كما كل شعوب العالم المُحتلّة. (وهنا نُذكِّر أن كل بلاد شمال القوقاز ومن بينها الشيشان احتلها القياصرة الروس مع عشرينيات القرن الثامن عشر ولم تخمد فيها الثورات أو الحراكات منذ ذاك الزمن وحتى في زمن الاتحاد السوفييتي).
حق الشيشان، وغيرهم من شعوب شمال القوقاز، في تقرير المصير لا يختلف عن حق الشعب الفلسطيني وعن حق أي شعب مُستعمَر من دولة أجنبية. الإتحاد أو الوحدة لا تكون بالإكراه والإجبار والقوة والبسطار وإنما بالرضا الكامل والقناعة والإرادة الكاملة لكل الأطراف. كانت بالماضي جمهوريتي التشيك والسلوفاك جمهورية واحدة تدعى تشيكوسلوفاكيا، ولكن بعد فرط العِقد السوفييتي والشيوعي ذهبت كل منهما لتصبح جمهورية مستقلة دون ضربة كف، وكل شيء حصل بالحوار واحترم كل طرف مشيئة وإرادة الطرف الآخر. هذا هو السلوك الحضاري، احترام إرادة الشعوب.
حقد بوتين على إرادة الشعوب يتجلى أيضا في عرقلته للحل السياسي في سورية وتطبيق القرار 2254 الذي وافق عليه في مجلس الأمن ولكنه رفض تطبيقه حتى اليوم، ووضعَ العراقيل بشكل دائم واتّبع عقلية المراوغة والّلف والدوران على حساب المزيد من دماء الشعب السوري.
بوتين لم يدرك حتى اليوم أنه في سورية تيارا شعبيا واسعا جدا، وهو الأوسع من تيار المعارضة المسلحة ومن تيار النظام، ويريد أن يرى سورية دولة مدنية ديمقراطية وجمهورية برلمانية تعددية يحكمها القانون والمؤسسات، ويُنتخَب برلمانها بشكل ديمقراطي وحر، وكذلك رئيسها، ويتم فيها التداول على السلطة بشكل حضاري وديمقراطي كما يجري في العراق، وتُحترم فيها حقوق الإنسان والحريات العامة وأولها حق التعبير. بوتين لا يرى هذا ولا يرى في سورية سوى فصائل مسلحة من جهة، ومجموعة حاكمة في دمشق من جهة أخرى.
مشروع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة واضح في سورية وهذا ما انعكس في وثائق عديدة تقدموا بها سابقا وتضمنت حصول سلسلة من الإصلاحات الدستورية من أهمها صلاحيات الرئيس الدستورية (وهذا أمر في غاية الأهمية، ولا يمكن تحقيق أي تقدم وإصلاح في سورية قبل الحد من الصلاحيات الرئاسية، سواء اليوم أو مستقبلا)، وإعطاء صلاحيات أكبر لرئيس الوزراء، وإصلاح الأجهزة الأمنية وتبعيتها لقيادة مدنية، واعتماد نظام لا مركزي في سورية، وإجراء عملية سياسية تؤدي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية برعاية الأمم المتحدة ومشاركة كل السوريين داخل سورية وفي بلاد الشتات، وتداوُل على السلطة عبر صناديق الاقتراع، واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة .
إذا هذا هو المشروع الغربي للحل في سورية، وهذا يتقاطع مع مطالب 90 % من أبناء الشعب السوري، حتى لا نقول 100% ، لأن هناك فئة من أبناء هذا الشعب مستفيدون من نهج الحُكم الحالي وهم فئة الفاسدين والمفسدين واللصوص الذين نهبوا ثروات الشعب والوطن وصاروا من أثرياء سورية والعالم. وهناك فئة المرضى المصابون بمتلازمة كوبنهاغن وأصبحوا يعشقون الاستعباد ويتلذذون بالمهانة والمذلّة ويهوون الاستبداد، ويتلذذون بالقمع ويتعاطفون مع الجلاد مهما فعل بهم ويتمسكون به ويدافعون عنه رغم كل ما يمارسه بحقهم من اضطهاد ومهانة واحتقار وتجويع وترهيب وكبت وفقر. أمثال هؤلاء لا يمكن وصفهم إلا بالمرضى المصابين بـ “متلازمة كوبنهاغن” . وهناك من يقول متلازمة استوكهولم.
والآن ما هو مشروع فلاديمير بوتين لسورية؟.
واضح من خلال حقد بوتين على إرادة الشعوب بامتلاك إرادتها أنه لا يريد للشعب السوري أن يكون صاحب قرار في حياته ويريده أن يبقى في ظل ذات الحُكم والحُكّام. إنه يريد أن يحتكر لنفسه كل شيء في سورية باعتبار سورية باتت مقاطعة روسية ورئيسها ليس أكثر من رئيس مقاطعة تابعة لروسيا، وهذا ما يؤكده في كل تصرفاته إزاء سورية. إنه يريد إعادة تأهيل ذات نظام الفاسدين والظالمين والمستبدين وسارقي ثروات الشعب والوطن، ويريد للشعب السوري أن يبقى خانعا ذليلا مرعوبا غارقا بالفقر والبطالة وبؤس العيش يُقادُ وكأنه قطيعا من البهائم ، وليس شعبا من البشر له كرامته وحقوقه الإنسانية.
بوتين يرفض كل المبادرات الأممية والغربية ويعتبرها تدخلا في الشأن السوري الذي هو شأنه لوحده. ولكنه لا يرى في احتلاله لسورية تدخلا. إنه يخدع نفسه فقط حينما يدّعي أن وجوده في سورية هو وجودا شرعيا. لا يوجد وجودا شرعيا لعسكري واحد فوق الأراضي السورية سواء كان روسيا أم إيرانيا أم أمريكيا أم تركيا أم بريطانيا أم فرنسيا أم غير ذلك ، كلهم محتلون.
في سورية نشبت حربا داخلية أطرافها الأساسيين من السوريين، ثم تحولت لِحربٍ إقليمية ودولية وتصفية حسابات فوق الأرض السورية. وهنا، وفي مثل هذه الحالة، لا يحق لأي رئيس بالعالم أن يأتي بقوات أجنبية لبلاده لمساندته في وجه المعارضة من أبناء بلده. ولا يحق للمعارضة باستقدام قوات أجنبية أيضا.
القوات الأجنبية يمكن استقدامها حينما تنشب حربا بين سورية وشعبها من جهة ودولة أخرى عدوة (كما إسرائيل) من جهة أخرى وحينها يتم الاستنجاد بدولة أجنبية . بل هل لو كانت الحرب مع إسرائيل كانت ستأتي روسيا للمشاركة في الحرب مع سورية؟.
بوتين استغلّ ضعف النظام السوري في العام 2015 والخشية من السقوط وفرضَ على النظام شروطه بالكامل مقابل الحماية. وهكذا لا يمكن للوجود الروسي أن يكون شرعيا، إلا إن كان الوجود الأمريكي شرعيا.
إن كان بوتين يدّعي أن وجوده شرعيا فيجب تنظيم استفتاء عاما لكل السوريين في الداخل والخارج وتحت إشراف الأمم المتحدة، حتى يكون الاستفتاء حرّا وشفافا وصادقا ودون خوف، وعلى ضوء نتيجة الاستفتاء نعرف إن كان شرعيا أم لا.
القيادة الروسية تلقي باللوم دوما على الولايات المتحدة في عرقلة الحل السياسي وهذا غير صحيح، وأي متابع للأحداث والتطورات يدرك أن من يعرقل الحل السياسي في سورية هي روسيا. وإن كانت روسيا متحمسة للحل السياسي فعليها أن تضاعف جهودها عشر مرات أكثر وتسارع بتشكيل لجنة صياغة الدستور(التي هي أساسا مقترحا روسيا من منتجات سوتشي) ويكون عملها الأساسي هو صياغة دستور سوري جديد وتضع الأساس لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في سوريا، بإشراف الأمم المتحدة، ومفتوحة أمام جميع السوريين بالداخل والخارج ، وتحرص على تنفيذ فقرات القرار 2254 دون المزيد من المماطلة والمناورة والالتفاف.
يقول وزير خارجية روسيا، سيرجي لافروف في 14/7/2018 في مقابلة مع ” روسيا اليوم” ، وخلال حديثه عن سورية، إن بلاده ” لا تبرر أعمال الديكتاتوريين لكنها تدعم (بشار الأسد) لتجنب تكرار مصير العراق وليبيا ” .
وأضاف : ” لنتذكر ماضي هذه المنطقة، صدام حسين كان ديكتاتوراً، معمر القذافي كان ديكتاتوراً.. لكن بعد التدخلات العسكرية التي نفذتها قوات الولايات المتحدة والناتو انتهاكاً للقوانين الدولية، أعتقدُ أن عدد القتلى والجرحى والأشخاص الذين كانوا مضطرين إلى الفرار من وطنهم أكبر بعدة مئات الآلاف من المتضررين بالنظامين المذكورين” .
بمعنى آخرا فإن لافروف يقول لهذه الشعوب كان عليكم أن تقبلوا مدى الحياة بِحُكم الدكتاتوريين والطغاة والمستبدين فهم أفضل لكم. لقد نسي أن الشعوب واجبها أن تضحي كي تنتقل من ظلام الاستعباد إلى نور الحرية وأنه حتى العبيد تثور ضد الظلم والقهر والعبودية. ونسي أن شعوب الاتحاد السوفييتي لولا تضحياتها بالملايين لكانت اليوم تحت نير النازية. كل شعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا (باستثناء الصين وكوريا الشمالية) تعيش اليوم في نعيم الحرية والديمقراطية وتداول السلطة، وكانت كلها أنظمة ديكتاتورية وعسكرية، فهل هذه تهمة لها؟.
لافروف يدرك أن كلامه تضليلا ولا يقنع طفلا صغيرا. وما حصل في سورية يفوق أضعاف ما حصل في العراق وليبيا من قتل ودمار وتهجير. ولو أن بلاده قامت من الأساس بقيادة عملية سياسية سلمية في سورية ونقلِها نحو نظام حكم آخر يقوم على الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، لكانت سورية تجنبت كل ما وقع بها من مآسٍ، ولكن عقدة بوتين من الولايات المتحدة دفّعَ ثمنها لسورية ولكل شعبها .
لافروف، أو بوتين، لا يريد للتجربة العراقية النجاح، ولا للتجربة الليبية، ولا للتجربة التونسية، حتى يبقى يقول أنظروا ماذا يحصل في ليبيا والعراق، ويبقى يضلل الشعوب بان الديكتاتورية التي ترعاها روسيا بكل مكان، هي الخيار الأمثل.
بوتين توهّم أن تأسيس نظام ديمقراطي تعددي في سورية سوف يسمح لأمريكا بوضع قدمٍ لها في سورية، وهو يتعوّذ من ذلك، ولذا لتبقى دولة دكتاتورية استبدادية تحت وصاية روسيا وليذهب الشعب السوري للجحيم. ولذلك فهو لم ينقذ مصير سورية من مصير ليبيا أو العراق كما يدّعي بل جعله أسوأ بأضعاف المرات. وها هي الولايات المتحدة تحتل أغنى الأراضي السورية. وتحتل هي وتركيا 40% من الأراضي السورية، كما صرح المبعوث الأمريكي . فهل 40% من أراضي العراق أو أراضي ليبيا تخضع للاحتلال الأجنبي؟. فماذا بإمكان بوتين أن يفعل سوى الطلب من أمريكا كل يوم بالانسحاب وهو يعلم أنها لن تنسحب ولا تعنيها كل طلبات روسيا هذه. أمريكا لن تنسحب طالما روسيا موجودة في سورية، وعلى بوتين أن يفهم هذه المعادلة. هي اليوم تتذرع بداعش وإيران، ولكن الذريعة الرئيسية هي التواجد الروسي والقواعد الروسية، ولذا قامت أمريكا بإشادة عشرات القواعد الأمريكية مقابل القواعد الروسية. وإن كان بوتين حريصا على انسحاب أمريكا فيجب عليه التباحُث معها لانسحاب الدولتين معا وبوقت متزامن، وإلا فلا شيئا يدفع بأمريكا للانسحاب فتمويل قواتها يأتي من دول خليجية، وعساكرها آمنون، كما هُم عساكر إسرائيل في الجولان آمنون، ولا أحدا يجرؤ أن يطلِق باتجاههم صاروخا، فما الذي سيدفعهم للانسحاب؟.
يجب على لافروف أن يدرك أنه لم يحصل في ليبيا والعراق نصف ما حصل في سورية. ومن ناحية أخرى لو أجرينا استفتاء لشعب ليبيا وشعب العراق بعد كل هذه المعاناة وسألناهم سؤالا واحدا: هل تفضلون نظام القذافي وصدام حسين على وضعكم الحالي؟. الجواب سوف يكون 99% إننا نفضل الوضع الحالي على مليون قذافي وصدام حسين.
ها هي العراق ماضية بالعملية الديمقراطية ويحلُّون كل خلافاتهم ومشاكلهم بشكل ديمقراطي وحضاري عن طريق الحوار وينتخبون برلمانهم بشكل ديمقراطي، ويتداولون على السلطة بشكل ديمقراطي وسلمي، والصلاحيات موجودة بالحكومة وبالبرلمان المنتخب بشكل حر وتعددي ويمثل الشعب تمثيلا فعليا، والشعب السوري لا يريد أكثر من ذلك. صحيح أن هناك محاصصات طائفية ولكن كل شيء يتم بشكل ديمقراطي وبالاتفاق والتفاهم ويأتون بأفضل النوعيات. سورية كلها محاصصات طائفية ومذهبية وعشائرية ومناطقية، ولكنها مفروضة فرضا من دون أية تفاهمات، ولذلك تأتي بأهزل النوعيات.
وأما ليبيا فمهما طال الزمن فسوف تستقر وسوف تمضي بالعملية الديمقراطية كما مضى العراق وكما مضت تونس . المهم كانت الخطوة الأولى وهي الخلاص من الديكتاتورية.
ما حصل في ليبيا والعراق من فوضى ليست سوى ارتدادات للهزة الكبيرة بإزالة أنظمة القمع والاستبداد في ليبيا والعراق. فهل لو قام الطغاة في ليبيا والعراق من تلقاء أنفسهم بنقل بلدانهم نحو الحرية والديمقراطية والتعددية والانتخابات الحرة، هل كان حصل ما حصل؟. هل تركوا لشعوبهم خيارا سوى خيار التحالف مع الشياطين في سبيل الخلاص منهم؟. ألم يأتي قادة العراق اليوم على ظهر الدبابات الأمريكية؟. هل ترك صدام حسين لهم غير هذا الخيار؟.
نتمنى من بوتين أن يُرسِل برسالة للشعب السوري تمنحهُ بصيصا من الأمل نحو المستقبل بدل الالتفاف على كل المساعي والقرارات الأممية التي تعطي شعب سورية فسحة من الأمل بالمستقبل.
بوتين يريد تعديلات دستورية شكلية وهزيلة لا تقدم ولا تؤخر بشيء، بل تُبقي على الصلاحيات الرئاسية المطلقة كما هي، وتبقي مدة الرئاسة سبع سنوات ولمرتين، وهذا يعني استمرار تيار الاستبداد والشمولية ومصادرة كل أشكال الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ووأد البشر والشجر والحجر لمصلحة شريحة ضيقة تستأثر بالحُكم والسلطة وتحصد المنافع والمكاسب الجمة على حساب زيادة فقر الشعب وبؤسه وحرمانه.
هذه هي رسالة بوتين (حتى اليوم ) للشعب السوري. فهل بهذه الرسالة سوف يتحقق في سورية السلام والأمن والاستقرار والعدالة وتقوم دولة مؤسسات؟. وهل بهذه الرسالة يريد للشعب السوري أن يحبهُ ويكره الغرب؟. وهل من غرِقوا وأغرقوا البلاد والعباد بالفساد ولم يقيموا دولة مؤسسات وقانون على مدى نصف قرن هُم مؤهلون للاستمرار في الحكم؟.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع