أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » مصطفى الدروبي : الدّومري والدّوامرة وعدوى الدّومرة!

مصطفى الدروبي : الدّومري والدّوامرة وعدوى الدّومرة!

الدّومرة يا سادة يا كرام هي مهنة تراثية قديمة أصبحت نسياً منسياً بعد دخول الكهرباء إلى كل مرافق الحياة العامة والخاصة، وهذه الكلمة تركية الأصل وتعني “الفوانيسي” أو الرجل الذي يشعل الفوانيس في الأزقّة والحارات القديمة قبل أن يتحف “أديسون” العالم باختراعه الأعجوبة “المصباح الكهربائي”، ويقلب الحياة رأساً على عقب.

وقد أعاد الفنان العالمي علي فرزات هذه التسمية إلى الأذهان من خلال إطلاقها على جريدته التي احتجبت بقرار من “عرض حالجية” النظام لأنه أراد أن يضيء سراج الحقيقة أمام عميان “ديوجين” فأطفأ السراج وقُطعت أصابع المُوقِد.

انتظرت عددها الأول بحماسة ولهفة كما الجّائع المشتهي لرغيف خبز طازج خرج لتوّه من التّنور، قرأت العدد بشهيّة وبشغف ومتعة لم أعهدهما من قبل حيث الدّهشة امتلكتني وأنا أمام صحيفة لم يشهد مثيلها مجايليّ ومن أتى من بعدهم.

فالصحافة الجادة في سورية توقفت عن أداء دورها الوظيفي البنّاء منذ عشيّة الوحدة السورية المصرية عام 1958 وأضحت المهنة أسيرة أجهزة القمع وعسسها ومقص رقبائها الجلفاء فتوارت القامات الكبيرة صاحبة الخبرة والحرفية من أبناء هذه المهنة العظيمة إما في المنافي بعيداً عن الوطن.. أو لاذت بالصمت محاطة بالخوف والقهر والتهميش بعد تلك الحقبة الذهبية التي تلت استقلال سورية والتي كانت واعدة بالكثير بعد أن دشّنت المداميك الأولى لدولة مؤسسات كادت أن ترسخ حيث الأحزاب والتّعدديّة والبرلمان طبعت ذلك العهد وكذلك نسائم الحرية والصحافة المتنوعة والغنيّة والتي مارست سلطتها الرابعة بكل نجاح واقتدار وشكّلت مدرسة عريقة تخرّج منها أساتذة في الصحافة يشار إليهم بالبنان أمثال نجيب الريّس صاحب المُقْتبس وابنه رياض وحبيب كحالة صاحب المضحك المبكي والذي كان الفنان المبدع سمير كحالة يزيّن صفحاتها برسوماته الكاريكاتيرية الساخرة من أهل الحكم وكذلك يسلط الضوء على الأوضاع الاجتماعية في سورية ومآلاتها في ذلك الزمن الموسوم بالاضطرابات والمتغيرات والأحلام العريضة..

حتى أن حلّاقاً شعبياً بسيطاً لا يعرف فكّ الحرف كـ سعيد فريحة، علّمه أهل الكار من أساتذة الصحافة في حلب تقاليده وأعطوه أسراره ليصبح لاحقاً صاحب مؤسسة إعلامية شهيرة في لبنان، وكذلك فعلوا مع شارل الحلو الرئيس اللبناني الراحل، وكذا حال العشرات من الأسماء التي لمعت في سماء الصحافة السورية وتركت إرثاً ثرياً طيّباً مرصّعاً ببهاء مرحلة ماجدة سطا العسكر عليها بليل مستغلين المشاعر الصادقة لدى شعبيّ مصر وسورية، فقاموا بافتراس التّجربة الوليدة وأجهضوها قبل أن يشتدّ عودها فضاع الحلم وعمّ الظلم حين ساد إعلام النظام الشمولي ذو اللون الواحد والمفلتر من لدن أجهزة القمع وحرّاس الاستبداد والفساد.

ولأن المستبدين يخشون الكلمة.. فإن الدومري قضّت مضاجعهم كونها ذكّرتهم بصحافة العهد المغدور وسلطتها التي أضاءت جوانب الحياة السالفة كافة في سورية، السياسية منها والاجتماعية، فضاقوا ذرعاً بها وأخذوا يبحثون عن مبرر لتوقيفها ومنع إصدارها، لذا اضطروا لإصدار قانون قره قوشي للمطبوعات وصفه الكاتب والباحث الراحل حسين العودات، حيث قال عنه حينها: “إن قانون السلطان عبد الحميد للصحافة كان أكثر حرية من قانون المطبوعات الجديد.. وكأنه قد كتب في مخفر للشرطة!”.

مئة وستة عشر عدداً من صحيفة الدومري أضاءت ليلنا وكأنها مئة وست عشرة مشكاة انبعث نورها مشعشعاً ولافتاً، حيث سقاها المبدع علي فرزات وصحبه من زيت أرواحهم التي لا تنطفئ وبهاء عطائهم وإبداعهم المدهش.. لقد كان إصدار هذا القانون نذير شؤم وبداية لانكشاف بروباغندا النظام الوريث واللاشرعي والذي عمل على تسويقها تحت عناوين شتى تمهيداً لتمكينه من السلطة بعد موت الديكتاتور الأب.

لقد خشي النظام الشمولي الديكتاتوري من انتشار عدوى الدّومرة وإعادة مجد تليد غابر لصحافة سورية ملأت الآفاق حينها شهرة وصيتاً، فانقلب عائداً لأصله لِتُكمّم الأفواه لاحقاً وتُطارد قناديل الاستنارة ورموزها، وحين اقتحم شباب سورية وفرسانها السماء مع بداية تباشير الربيع العربي مُحطّمين جدار الخوف السّميكة دائسين على أصنام الديكتاتور كان رد الفاشيّة مهولاً، إذ أخذوا البلاد نحو الخراب الشامل والكارثة غير المسبوقة.

سيظل الدّومري يقبس من مجمر التّوهج ليقوم بإشعال فوانيس الحارات وأزقتها لطرد ظلام الليل عنها وإضاءة وحشة الناس، وستظل أعناق الشعوب مشرئبة نحو الانعتاق، وكذلك تجربة فرزات ورفاقه كبروفة ناصعة لصحافة سورية الغد.. سورية العدالة والحرية والكرامة.

مصطفى الدروبي