أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » فلاش_باك: نِصفِي.. الذي في حلب : من أجمل ما قيل عن معالم وشوارع حلب بريشة الأديب نجم_الدين_سمَّان

فلاش_باك: نِصفِي.. الذي في حلب : من أجمل ما قيل عن معالم وشوارع حلب بريشة الأديب نجم_الدين_سمَّان

#فلاش_باك: نِصفِي.. الذي في حلب
#نجم_الدين_سمَّان

مَن لا يعرِفُ الشهباءَ؛ سيكتشفها لأول مرّةٍ.. من صور ضحاياها؛ تحت القصف الأسديّ الروسيّ.
تستَعصِي حَلَبُ؛ حتى.. على مَن يَعرِفُهَا؛ وحتى.. على كثيرٍ مِن أبنائِها؛ سوى.. مَن غامروا بأرواحِهِم حتى انكشفَ لهُم: بابُ السِرِّ؛ بابٌ.. لا يذكُرُهُ المُؤرِّخونَ حينَ يُعَدِّدونَ أبوابَها الزائلةَ والباقية: من باب العراق إلى باب أنطاكية، ومن باب النصر إلى باب السلامة، ومن باب قِنِّسرينَ إلى بابِ الفَرَج؛ فكيفَ بالذين رحلوا عنها.. مُرغَمِين؛ ثمَّ.. سَيُعِيدون اكتشافها من صُوَرِ القصفِ التي تُمطِرُ صفحاتِهِم على الفيسبوك: دماً؛ وشظايا؛ وأشلاءً آدميّةً على حبال الغسيل؛ وضحايا تحت أنقاض بيوتهم؛ وغباراً أشهبَ على وجهِ طفلٍ قد نجا مُصَادَفةً؛ بينما.. كانَ يلعبُ “الاستغمايَةَ” مُختبِئاً من أختِهِ الصغيرةِ.. تحت السرير.

يا لَلصُوَرِ.. حينَ تتوَالَى؛ بعدَ كلِّ قذيفةٍ وبرميلِ ت.ن. ت وصاروخٍ فراغيّ.
ذاكَ البيتُ المقصوفُ.. في شارع سيفِ الدولة؛ بالتأكيد.
هذا.. حَيُّ الورّاقة؛ حيث يبتكِرُ الوَرَّاقُونَ كُتُبَ الأقدَمِينَ والمُحدَثِين؛ ويتهادى الحلبيّونَ الكُتُبَ في كلّ مُناسَبَةٍ وعِيد؛ يناقشونها في صالون الشاعرة مريانا مرَّاش في جلساتٍ أسبوعية؛ كمثلِ كِتابِ الشاعر نصر الله دلّال: “منهاجُ العلم” الصادر في حلب عام 1865 وفيه فَصلٌ عن ضرورةِ العِلمِ للنساء؛ حتى أصدرَت نديمة المنقارى مجلَّتها: “المرأة” عام 1930.

تلكَ.. كَرمُ القاطرجي قبلَ رحيلِ أشجارِ الفُستقِ الحلبيِّ عن بساتينهَا؛ وهذا.. حَبسُ الدَمِ في رَحمِ القلعةِ؛ يفورُ كِلسُهُ بِعِظامِ المُعتقلين وبأرواحهم.. حاكِمَاً بعدَ حَاكمٍ؛ لكأنِّي برغمِ القصف.. أسمعُ من أرواحها صوتَ السَهرَوَردِيِّ؛ بِرَغمِ.. خَنقِ لَهَاتِهِ في حَبسهِ:
أبداً تحِنُّ إليكُمُ.. الأرواحُ / وِصَالُكُم رَيحَانُها.. و الرَاحُ
وا رحمتا.. للعاشِقِينَ تكلّفوا / سِترَ المحبَّةِ والهَوَى.. فَضَّاحُ
بالسَرِّ إن بَاحُوا تُبَاحُ دِمَاؤُهُم / وكذا دِمَاءُ العاشِقِينَ.. تُبَاحُ.

تلكَ دارٌ الكتب.. أشرَفَ على بنائِهَا الشاعرُ عمر أبو ريشة.. مِدمَاكاً بعدَ مِدمَاكِ؛ وشطراً في قصائدِهِ عن مدينتِهِ.. بعدَ شَطرٍ وقافية.
ذاكَ.. حَيُّ المشهد؛ تلكَ.. ساعةُ باب الفرج مِن مَطَالِعِ قرنٍ مضى: بتوقيتين.. شرقيّ وغربيّ؛ ثمَّ.. بتوقيتِ مَن استولى على حلبَ: إنكليزاً وفرنسيينَ وبعثيينَ وأسديين.


ذاكَ سوقُ البَهجَةِ.. بعد قصفِ بَهجَتِه؛ وكانت أسواق حلب قد بلغت أكثرَ من 50 سوقاً، تُشكِّلُ ثُلثَ مساحة المدينة القديمة داخلَ أسوارها، عدا أسواقها خارجَ السور.

تلكَ.. هي الكنيسةُ المارونيَّة؛ وبجانبها.. مطبعَتُها منذ عام 1856؛ وفيها.. طُبِعَت: “غابة الحق” لفرانسيس مرَّاش؛ كأولِ روايةٍ عربيةٍ حتى تاريخه؛ وفي باحة مدرستها.. أُقيمَ أولُ عَرضٍ مسرحيٍّ في حلب عام 1872 هو : بريجيت من تأليف وإخراج : يوسف نعمة الله جَدّ.

هذا.. خَانُ الشُونَة بعد قصفهِ؛ وكان واحداً من 80 خاناً في حلب؛ بينما تُجَّارُ البندقية وجَنَوَه وفلورنسا، ومارسيليا وبرشلونة.. يبيعون ويبتاعون في خان برقوق، وأفضلُ خانات حلب: الخان الكبير ـ خان الجمرك حالياً ـ بُنِيَ عام 1574 ميلادية، وسرعان ما اتخذته الشركات التجارية الفرنسية والهولندية والإنكليزية والأسوجيّة والبرتغالية.. مقرَّاً لها، حتى بلغت الشركات التجارية الأوروبية في حلب عام 1775 ميلادية، أكثرَ من 80 وكالةً تجارية.

هذا.. حيُّ إبراهيم هنانو الذي صار ركاماً؛ وهذه.. معاملُ الشركة الخُمَاسيّة للنسيج؛ وكانت أهليّةً؛ ثمَّ أمَّمَها نظامُ البعثِ اشتراكياً.. لصالح رأسماليّةِ مُرِيدِيه؛ بينما بلغت أنوَالُ حلبَ اليدويّة 15 ألفِ نَولٍ؛ يشتغلُ في صناعة نسيجها 60 ألفَ عاملٍ من أصل عدد سكانها عام 1904 الذي تجاوز 129 ألف نسمة؛ وفي عام 1932 قامَ أولُ إضرابٍ عُمَّالِيٍ في سورية، كانت مَسرَحَهُ حلب، شارك فيه 16 ألف عامل نسيج فقط.

تلكَ.. مدرسةُ عبد الرحمن الكواكبيّ القديمةُ.. خَاوِيَةً لعقودٍ من طُلَّابِهِ ومُرِيدِيه؛ اعتقلَهُمُ العَسَسُ على توالي حُكَّامِهِم؛ والبعضُ منهم.. مفقودٌ منذ عقود؛ وبعضُهُم.. ماتَ تحت التعذيب؛ وللكواكبي فيها.. مَقَامُ جرائِدِه: الشهباء، عام 1876 للميلاد، كأولِ جريدةٍ سياسيةٍ سوريةٍ مُعارِضة، لم يصدر منها سوى 15عدداً، ثمّ أوقفها البابُ العالي، حتى جريدتُهُ: الاعتدال، لم يشفع لها اسمُهَا.. حتى يدومَ صدورها.

تلكَ.. باحةُ الجامعِ الأمويّ؛ لا يصدَحُ فيها صوتُ صبري مدلَّل بالآذان.. بعد انهيارِ مئذنته؛ ذاكَ هو “الإسطرلابُ” في باحة الجامع.. مُغلَقاً على الجِهَاتِ والأزمان وحَرَكَةِ أفلاكِ المَجَرَّة؛ تلكَ.. ساحةُ سعد الله الجابري؛ وقد أحبَطَ مع أقرانِهِ: إعلانَ دُوَيلَةِ حلبَ الفيدرالية؛ وذاكَ.. هو المقهى الذي ارتدنَاهُ طوالَ سنواتٍ.. نحتسي من فَنَاجِينهِ: مُشاغبَاتِنَا وأحلامَنَا المُؤجَّلَةَ؛ وقد صارت رماداً بعد القصف.

هذه.. قلعتها ؛ تَجمَعُ في قاعةِ عَرشِهَا.. النقيضينِ: تاجَ الشعرِ بتاجِ الإمارة، حتى إن السيفَ يُزرِي بالقصيدة، ثمَّ إنَّ القصيدةَ: الليلُ والخيلُ والبَيداءُ تعِرُفُنِي، سَتُودِي بصاحبها إلى حدِّ السيف.. فَتُردِيهِ؛ هكذا دفع المتنبي ضريبةَ السيف.. مرَّتين؛ مرَّةً حين والاهُ ثمَّ هَجَاهُ ومَدَحَ كافوراً.. ثم هَجَاهٌ مُستعطِفاً سيفَ الدولةِ من جديد؛ ومرَّةً.. حين قُتلَ بسببِ أشهرِ بيتِ شعرٍ قاله.
وقد كان “ابنُ ماثِل” قاضي قضاةِ حلبَ وأكثرُهُم نَزَاهةً وعدالةً؛ لمَّا دخلها سيفُ الدولةِ؛ فلم يترجَّل عن بغلته البيضاء، فلما سأله السيفُ:
– كيف لا تترجَّلُ.. والكلُّ قد ترجّلوا لي؟!.
قال القاضي:
– ومتى رأيتَ العدالةَ تترجَّلُ.. لتكونَ عندَ أذنابِ الخيل؟!.
فاغتاظ سيفُ الدولة.. فعَزَلَهُ في أولِ فَرمَانٍ بعد تَولِّيه إمارةَ حلب.

تلكَ هي جامعة حلب.. وكُنَّا قد حَوَّلناها بجهودنا الذاتية.. إلى ملتقى للإبداع: شعراً وقصَّةَ وندواتٍ وموسيقى؛ عروضاً مسرحيةً وسينمائية؛ ثمّ.. استفحلت سَطوَةُ أجهزةِ الأمنِ الأسديِّ.. بعد مجازر حماةَ وجسرِ الشغور وحيِّ المشارقة في حلب؛ فضاقوا بنا.. وضَيَّقوا علينا؛ ثم حَوَّلُوا ملتقى جامعة حلب الأدبي.. إلى أمسياتٍ في مديحِ القائدِ الأوحد؛ حتى توالت أجيالٌ.. بعدَنا؛ فتجمَّعت حناجِرُها في ساحةِ الجامعة صادحةً: – يلّا.. إرحل يا بشار؛ فتغيَّرَاسمُهَا.. إلى جامعة الحرية.

كأنِّي.. أستعيدُ حلبَ من صُوَرِهَا؛ وهي.. تحت القصف؛ مُستباحَةً من سمائِهَا.. لثالثِ مرَّةٍ في تاريخها؛ وقد قصفتها الطائرات الانكليزية عام 1918 وثانيةً.. في عام 1941؛ لكنها قصفت مستودعات الأسلحة والذخائر؛ ثم سِكَّةَ حديدِ حلب -بغداد؛ ولم تقصِف المدنيين؛ بينما.. يقصِفُ المُدُنَ السوريةً منذ عام 2011 طيَّارونَ من أبنائها؛ بأمرٍ.. من طاغيتهم الصغير.

دَمَّرَ حلبَ.. الحِثيُّيونَ وهولاكو ونِفقُورَ البيزنطيّ؛ وكلُّهم.. غُزَاةٌ غُرَبَاءٌ عنها؛ قبل أن يُدمِّرَهَا اقتصادياً.. الطاغِيةٌ الأبُ؛ حتى أنّ مطارَهَا ظلَّ صغيراً ومُجَمَّداً منذ عام 1928 حتى 2008؛ ثمّ أنشأ الأمنُ الأسديُّ حاشيةً من الاقتصادِ الطُفَيلِيِّ حولَهٌ؛ وشركاتٍ وَهمِيّةً لغسلِ الأموالِ القذرة؛ وأخرى.. لتوظيفِ أموالِ الحلبيّينَ بفوائِدَ عاليةٍ؛ ثم أعلنت إفلاسها.. فجأةً؛ فخَسِرَ الحلبيونَ 46 مليار ليرةٍ سوريةٍ من مُدخَّرَاتِهِم؛ في حين لم تتجاوز ميزانيةُ حكومةِ الأسدِ الكبير 121 مليار ليرة.. آنذاك!.
ودَمَّرَت حلبَ 3 زلازلَ مُتواليةٍ؛ لكنها.. نهضت على قدميها من جديد؛ ويُدمِّرُها اليومَ الطاغيةُ الأسديُّ الصغير.. بكلِّ أنواعِ القَصف؛ وسط تواطُؤِ مافيا المجتمع الدولي.

ها أنذا.. أيضاً؛ يُقصَفُ نِصفِي.. الذي في حلبَ؛ ولا أملِكُ سِوَى أن أقصِفَ ألكترونياً صفحاتِ وإيميلاتِ قَوَّادي العالم.. بصورِ الضحايا المَسكوتِ عن دمهم في حلب وفي سائر بلدنا سوريا؛ منذ 5 سنواتٍ حتى الآن.

كم سنحتاجُ تلكَ الصور؛ ليُعيدَ أبناؤُنَا إعمَارَ حلبَ.. بشهباءِ حِجَارَتِهَا؛ من جديد.