أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » فلسطينيو الداخل بين رغبة الهجرة ومواصلة مسيرة الأجداد

فلسطينيو الداخل بين رغبة الهجرة ومواصلة مسيرة الأجداد

الساعة العاشرة مساء، بقيت لدي ساعتان من الوقت أقضيهما في برمجة حياتي، أعمل بحسب مقولة: “الغد هو نتيجة حتمية لأفعال اليوم”. كالعادة، أدخل الى “جوجل” وأكتب في خانة البحث الجملة ذاتها كل يوم: “أفضل المدن للعيش والعمل في أوروبا”. أنا على هذا الحال منذ عام وأكثر تقريبًا، أقلب موضوع الهجرة في رأسي على نار هادئة، أفكر فيه وأفحص إمكاناتي بحذر، حتى يحين الموعد الذي اتخد فيه قراري بالهجرة الى أوروبا من دون عودة.

أبحث في “جوجل” وفي المقابل أقلب صفحات الفيسبوك، أرى صورة لي مع زملائي في لجنة الطلاب العرب في جامعة حيفا عام 2003، ومن خلفنا ضريح الشهداء في سخنين، الشهداء الذين قُتلوا في “هبة أكتوبر” عام 2000، عندما انتفضت الجماهير الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة للدفاع عن القدس. ومن ضمن فعاليات لجنة الطلاب العرب، كنا نزور الضريح كل عام في ذكرى هبة أكتوبر، لنؤكد أن معركتنا هنا هي معركة بقاء، وأن وجودنا هو ضروري للحفاظ على هوية الأرض العربية في ظل محاولات طمس المعالم الفلسطينية.

عندما كنت في العشرين من عمري عرفت أن الناصرة، البلد التي ترعرعت فيه، لم يمارس عليه التهجير القسري من قبل العصابات الصهيونية كالحال في أغلب القرى والمدن الفلسطينية، وأننا لحسن أو لسوء حظنا – لم أقرر بعد – لم نتحول في ليلة وضحاها إلى لاجئين في الدول العربية المجاورة. ولكن، عرفت أن ما عاناه جدي بعد إعلان قيام دولة الاحتلال، هو أيضًا صعب جدًا ولا يستهان به، فالحياة في ظل الحكم العسكري والاحتلال لم تكن سهلة، فقد عانى جدي وعائلته كأغلبية الفلسطينيين من ظروف حياة قاسية لدرجة لا تطاق: فقر، انعدام فرص العمل، منع التجوال والتنقل وغيرها…

في سن العشرين فهمت أن المعركة بعد التهجير هي الأصعب لمن بقي في أرضه، فمع ظروف الحياة تحت الاحتلال، كان البقاء والصمود قضية مركزية وجودية، وبالرغم من كل هذا بقي جدي كما بقي الآلاف من الفلسطينيين في إسرائيل، وتمسكوا بأرضهم وهويتهم الفلسطينية، محافظين على لغتهم وتراثهم، متصدين لمحاولات تهويد الأرض بتظاهرات سقت الأرض بدمائهم الطاهرة. البقاء في دولة الاحتلال هو جهنم اضطر أجدادنا أن يعيشوها بشكل يومي، محتملين مرارة الذل لأجل الصمود، مرددين جملة الشاعر الفلسطيني الكبير توفيق زيّاد: “هنا على صدوركم باقون”.

مع مرور السنوات، وزوال الحكم العسكري، بدأ الشباب الفلسطيني في الداخل يشهد حركة هجرة جديدة، كميات من الشباب الفلسطيني بدأت بالهجرة الى أوروبا وغيرها هربًا من العنصرية، الاضطهاد، البطالة، الشعور بالعزل عن محيطنا العربي ومحاولات طمس الهوية، بحثًا عن حياة كريمة، مفتوحة الآفاق على العالم، حيث فرص العمل والتعليم والتطور للشباب المهاجر لا نهاية لها – أو على الأقل هذا هو التصور الموجود لدى الشباب الطامح إلى الهجرة (مع العلم أنه ليس كل الدول الأوروبية أو غيرها توفر نفس الفرص للمهاجرين، الذين أيضًا يعانون هناك من الاضطهاد والتمييز).

وأسال نفسي السؤال الذي يتكرر في ذهني عشرات المرات في النهار: هل أهاجر الى بلاد أخرى بحثًا عن حياة جيدة لي وأولادي، لأحاول تحقيق أحلام لا أستطيع تحقيقها تحت الاحتلال؟ أم أنني أفضل البقاء والاستكفاء بالموجود الذي ربما لن يكون بمستوى طموحاتي، ولكن على الأقل، لا أترك أرضي للاحتلال ليبتلعها، وأكمل مسيرة الصمود التي بدأها أجدادنا؟

والأهم، هل وجودي خارج فلسطين بإراداتي يجعل مني أقل “فلسطينية” من غيري؟ هل هذا يعني أنني لا أحب أرضي وبلادي مثل الذين بقوا هناك؟ أم أننا نحمل فلسطين في قلوبنا مهما بدلنا من بقاع الأرض؟

لا من جواب محددًا عن هذا الأسئلة الوجدانية المحيرة، فهناك الكثير من الشخصيات الفلسطينية الذين عاشوا خارج فلسطين من فنانين وأكاديميين ومناضلين، وكان لهم دور أساسي في كشف العالم على القضية الفلسطينية وتجنيد الرأي العام لمصلحة الشعب الفلسطيني دعمًا لقضيته العادلة. ومن ناحية أخرى، هناك الكثير من الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل الفلسطيني ولم يكن لهم أي دور فعال في “معركة الصمود” التي شنّها أجدادنا – والعكس صحيح، لذلك لا مجال للتعميم أو استنتاج العبر.

عندما أفكر في الهجرة، لا أفكر فقط بالأرض والهوية، فمع أن معركة الصمود مهمة ولكن كإنسانة يخطر ببالي العديد من الأمور التي تجعلني أتراجع، كصعوبة الابتعاد عن الأهل، عن الأجواء المحبوبة على قلبي والمألوفة، عن الأشخاص الذين يشبهونك وتشبههم، اللغة التي ألفت أذناك سماعها كل سنوات عمرك، الدفء العائلي والحب، الخوف من الشعور بالغربة والتفكير في المستقبل البعيد، تربية الأولاد في أجواء غريبة بعيدة عن العائلة والوطن – كل هذه الأمور هي عائق أمامي وأمام الكثير من الفلسطينيين تمنعنا من الهجرة إلى الخارج – ولكن واضح من حركة هجرة الشباب في السنوات الأخيرة أن هناك الكثيرين الذين يختارون الهجرة رغم كل الصعوبات.

أعتقد أن معركة الفلسطينيين هي معركة صمود فعلًا، ودائمًا أسأل نفسي: “إذا كلنا طلعنا لمين بدنا نخليها؟”، ولكن الصمود ليس بالضرورة أن يكون في داخل فلسطين، على العكس، إن التقوقع في داخل فلسطين وانعزال الفلسطينيين عن العالم الخارجي، هو الخطأ بحد ذاته… فاليوم أكثر من أي وقت مضى مهمتنا كفلسطينيين كشف قضيتنا العادلة والانتهاكات الإسرائيلية أمام العالم عن طريق الفن والسياسة والمؤسسات الأكاديمية. وجودنا الفعلي في فلسطين مهم طبعًا ولكنه لا يقل عن أهمية إيصال صوتنا الى العالم.

إني أتصارع بين الحلم الأوروبي الجميل، وبين الصمود في فلسطين وفاءً لأجدادنا، بين الحياة المريحة في الغربة البعيدة والحياة الصعبة في الأرض التي أعرفها وتعرفني.

قبل فترة قصيرة سألت ابني: “ما رأيك أن نهاجر ونسكن في إيطاليا؟”، قلتها مازحة لأنني أعرف كم يريد أن يسافر لإيطاليا بعدما سمع عنها الكثير ممن سافروا إليها، فقال لي: “أنا لا اريد أن أسافر بل أريد البقاء هنا في وطني!”، ذهلت من حقيقة أن ابن الخمس سنوات يشعر بالانتماء للوطن، انتماء صافٍ لا تشوبه شائبة، وثم تذكرت أنني أنا زرعت هذا الحب في قلبه، وطالما أنني علمته حب الوطن والتمسك فيه فكيف لي الآن أن أطلب منه الرحيل عنه؟

في النهاية، كلنا بشر وكلنا عرضة للظروف، ومن حقنا البحث عن حياه أفضل، ومهما ابتعدنا أو اقتربنا يجب أن نتذكر أن الأهم هو أن تبقى بلادنا في قلوبنا، أن نحمل هذا الانتماء بفخر داخل فلسطين وخارجها، أن نطعم أولادنا حب الوطن مع حليب أمهاتهم. إن الانتماء لا يُنسى بمجرد الانتقال من مكان الى آخر، وليس بالضرورة أن يعزز البقاء في الوطن الشعور بالانتماء، فالأهم من الوجود الجسدي هو الوجود الروحاني – أن تكون فلسطين في القلب، وأن نحافظ على شجر الزيتون في قلوبنا من تدنيس الاحتلال.

الصمود مهم، والخروج إلى العالم مهم، والبحث عن حياة كريمة مهم – وكل يختار دربه بحسب ظروفه، ولكن الأهم  ألا يختل التوازن بين كل هذه الأمور.

انتهيت من تأملاتي، ورجعت ثانية إلى تصفح المواقع في الإنترنت، متسائلة عن المكان الأفضل لتربية أولادي، وقد اتخذت قراري أن أتخذ القرار في يوم آخر.

المصدر: رصيف 22