أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » بعد أن بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية.. المراوح في ألمانيا تتحول إلى عملة نادرة

بعد أن بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية.. المراوح في ألمانيا تتحول إلى عملة نادرة

في النشرة الجوية على قناة «RTL» الألمانية يوم الثلاثاء 7 أغسطس/آب 2018، ظهر المذيع الألماني بيرند فوكس مرتدياً «جلباباً»، مخاطباً مشاهديه بأنه قرر أن يتأقلم مع الطقس الصحراوي؛ حتى يستعدوا للهواء الساخن القادم من الصحراء، وارتفاع درجة الحرارة في ألمانيا إلى درجات قياسية.

وفي أحد متاجر المواد الإلكترونية الضخمة في مدينة هانوفر الألمانية، كان الشاب الأسمر البشرة يتفحص مع صديقته الألمانية عدداً قليلاً من المراوح وأدوات التكييف، التي وصلت للتو إلى «كونراد» مطلع شهر أغسطس/آب 2018.

كانا يوازنانِ بين ما يصبوان إليه ويخفف عنهما الحر الشديد، الذي بات ضيفاً ثقيلاً على السكان لا يغادر منازلهم وأماكن عملهم ليل نهار، وإمكاناتهما المادية المتواضعة، مفضلَين مروحة صغيرة.

لم يكونا وحدهما، خلفهما يقف عجوز ألماني يرغب في شراء جهاز تكييف متحرك، إلا أن ثمنه الباهظ، الذي يتجاوز 200 يورو، لم يتناسب مع إمكاناته المالية فيما يبدو، ما جعله يتراجع خطوة، باحثاً عما هو أرخص.
لم يكن يهتم بها أحد في السابق

جاء موظف المبيعات وبدا مُفاجَأً هو نفسه من وضع زملائه دفعة جديدة من أدوات التكييف والمراوح في الرفوف، وتحدث عن إمكانية أن يشتري كل زبون قطعة واحدة فحسب من أجهزة التكييف. كيف لا وقد باتت هذه الأجهزة قطعاً نادراً هذه الأيام، في ظل موجة الحر الشديد التي ضربت معظم دول شمال أوروبا، ورفعت درجات الحرارة إلى ما يقارب الأربعين.
صيف ألمانيا هذه السنة سجل مستويات قياسية في درجات الحرارة

في متجر إلكتروني ضخم آخر هو «ساتورن»، يقع وسط مدينة هانوفر الألمانية، لم يكن الحال أفضل، بل بدا وضع الزبائن كمن يشاهد سراباً من بعيد وعندما يقترب ويدخل المتجر، المؤلف من طابقين، يشاهد لافتة صادمة: احجز مروحة اليوم (الأربعاء 8 أغسطس/آب 2018) وتعالَ لتسلُّمها الخميس القادم؛ أي بعد قرابة أسبوع.

بسؤال المسؤول عن القسم عن إمكانية شراء مروحة أو جهاز تكييف، قال إن كل الكمية بيعت يومها، ويمكن للمرء أن يحجز نوعاً من بين خمسة، كانت غالبيتها رديئة ورخيصة، ولنأمل أن تصل غداً أو بعد غد أو بعد أيام، مؤكداً أنه لا يمكنه التنبؤ بموعد وصولها.

بالعودة إلى متجر «كونراد»؛ للاطلاع على إقبال السكان عليها، كانت 3 قطع من صنف مراوح عمودية قد نفِدت بالفعل بعد مرور نصف ساعة فحسب.

لا يحتاج السكان في ألمانيا عادة إلى المراوح أو أجهزة التكييف في فصل الصيف، ولا تُجهز حتى المؤسسات الرسمية بها، إلا أن الحرارة التي وصلت لدرجات قياسية هذا الصيف وتواصُل موجة الحر منذ النصف الثاني من شهر يوليو/تموز 2018، جعلا الأمر يبدو كأن الاختراع المسمى أجهزة تكييف أو المراوح وصل حديثاً للبلد المعروف بشدة بالصناعة والتجارة.
«أين ذهبت جميع المراوح؟!»

وسيطرت عناوين حول الجفاف وتنبؤات الطقس ونفاد وسائل التكييف على وسائل الإعلام المحلية، فكتبت صحيفة «هانوفرشه ألغماينه تسايتونغ»: «المراوح نفِدت في هانوفر»، ناقلة عن مسؤولة في متجر توضيحها أن الكميات التي تطلبها بعض المتاجر من الموردين لا تصل إليهم، وكتب موقع «بينتو«، التابع لـ»شبيغل»: «أين ذهبت جميع المراوح؟!»، متحدثاً عن نفاد المراوح في جميع الولايات تقريباً.

ونقلت صحيفة «نويه فستفيلشه» المحلية عن ساشا بوهم، مدير متجر «هاغباو ماركت» في بلدة «أسبيلكامب» في ولاية شمال الراين فستفاليا، توضيحه أن البضاعة وصلت إليهم ربيع العام الحالي (2018)؛ لذا لم يكن بوسعهم ألبتة توقُّع الطلب الكبير عبر موجة الحر، مشيراً إلى أن مثل هذا النقص بالمتجر لم يتكرر منذ فصل الصيف الحار جداً في عام 2003.
بعض المتاجر تتلقى قرابة 100 اتصال في اليوم للسؤال عن المراوح.

من جانبه، يقول مدير متجر «ري آل» في البلدة إن الطلب على المراوح ارتفع بشكل حاد مع بدء موجة الحر، وإنهم عرضوا كل ما لديهم فبيعت كلها، مشيراً إلى أنهم يعلمون أن مثل هذا الوضع ليس حالة طارئة؛ لذا سيزيدون كمية التخزين وفقاً لذلك في العام القادم (2019).

وقال متدرب في متجر «اكسبرت دورينغ» ببلدة لوبيكه في الولاية ذاتها، إن الإقبال كان كبيراً، فكانوا يتلقون قرابة 100 اتصال في اليوم للسؤال عما إذا كان لديهم مراوح.
هكذا تبدأ أفلام نهاية العالم!

وانتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي تغريدات ساخرة، تعليقاً على القيمة الكبيرة التي اكتسبتها المراوح والمكيفات، وكيف لا يجد البعض وسيلة لتخفيف وطأة القيظ، في ظل عدم تمكُّنه من اقتناء أحدها.

فكتبت مغردة تدعى جاكي، أنها قرأت عن بيع جميع المراوح في مدينة بون، ناصحةً بطريقة ساخرة جميع ممتلكي المراوح والمكيفات بسد الأبواب والنوافذ بمتاريس؛ لأن أفلام نهاية العالم كلها تبدأ على هذا النحو بالضبط.

وقالت مغردة أخرى إن الكثير من البضائع أصبحت مفقودة في الأسواق من البوظة إلى الماء، فالمراوح والـ»كولا لايت»، وإن الوقت حان للهجرة إلى جزيرة غرينلاند.

واقترح آخرون اللجوء إلى حلول مبتكرة في ظل هذا النقص بأجهزة التكييف.

ووردت تساؤلات على شبكات التواصل الاجتماعي عن المكان الذي يمكن شراء مراوح منها، وتحدث كثيرون عن فشلهم في العثور عليها بأي من المتاجر المشهورة في ألمانيا.

وبلغ اليأس في العثور على مروحة لدى شاب سوري حداً دفعه إلى السؤال على مجموعة برلينية بموقع فيسبوك للتبرع بقِطع منزلية لا يستعملها المرء «فري يور ستف»، إن كان لدى أحدهم مروحة؛ لأنه يحتاجها، فسخر الكثيرون من طلبه في ظل حاجة الجميع لها، وقال أحد المعلقين: «عندما يغرق القارب.. هؤلاء هم الذين يطلبون منك سترة النجاة!».

موقع «بيلد»، الذي يجري عادةً مسابقات للمشتركين في خدمته «بيلد بلوس» لبطاقات يصعب الحصول عليها مثلاً لحضور حفل أو مباراة، نظَّم هذه المرة في الأيام الماضية مسابقة، كانت جائزتها الفوز بواحدة من 10 أجهزة تكييف متنقلة صغيرة.
أصبحت المراوح تقدم كجوائز في المسابقات
عوائل عربية تخشى على أطفالها الرُّضَّع من موجة الحر

وإن كان البالغون قادرين على تحمُّل التعرق وصعوبة النوم نتيجة الحرارة المرتفعة، فإن خشيتهم كانت أكبر على أطفالهم حديثي الولادة، هذا ما أكدته عائلتان تحدثتا لـ»عربي بوست».

المخرج العراقي سهم الجبان، المقيم بمدينة هانوفر، قال إنهم يملكون مروحة صغيرة، لكنها أصبحت غير كافية في ظل هذا الطقس، بالنظر إلى وجود طفل بالمنزل، مضيفاً أنه توجَّه هو وزوجته إلى متجر «باو هاوس»، مطلع شهر أغسطس/آب 2018، فقال له الموظف إنه ليست هناك مراوح في مدينة هانوفر حالياً. وأشار إلى أنه وزوجته يسهران أحياناً إلى وقت متأخر، محاولَين تهوية الغرفة جيداً؛ كي يستطيع طفلهما النوم.

وأكد أنه سيجهز منزله بأدوات تكييف لأجل الصيف القادم؛ خشية تكرار موجة الحر كهذه.

وبيَّن لـ»عربي بوست» أنه كان يستغرب وجود مراوح في الأعوام الماضية بالمتاجر؛ لقلة استخدامها في ألمانيا، وعندما احتاجها هذا العام (2018) كانت قد بيعت بأكملها. وأكد أنه لم يكن يتخيل في يوم من الأيام، أن يكون الطقس في ألمانيا على هذا النحو، ويشعر بأن الحرارة التي يقال إنها 35 درجة أحياناً بألمانيا، تعادل 45 درجة في المنطقة العربية.
هيئة الأرصاد الجوية الألمانية تتوقع انخفاضاً تدريجياً لدرجات الحرارة

وهو الأمر الذي أكدته آمنة، وهي سيدة تونسية مقيمة في برلين، موضحة أنه عند تسجيل 20 درجة ببرلين يلبس المرء ثياباً صيفية، في حين قد يرتدي الناس في تونس سترة عند تسجيل درجة الحرارة نفسها.

وقالت إنها لم تقتنِ أجهزة تكييف؛ لعدم الحاجة لها منذ قدومها إلى ألمانيا قبل 3 سنوات، خاصة بعد الصيف الماضي، الذي شهد هطولاً للمطر في كثير من الأحيان، إأنها كانت تبحث منذ أسبوع عن مروحة أو جهاز تكييف، بعد أن شاهدت في الأخبار أن درجة الحرارة خلال هذين اليومين ستكون مرتفعة جداً، فخشيت على طفلتها الرضيعة، ولم تعثر هي وزوجها على مروحة مناسبة في برلين، حتى الثلاثاء 7 أغسطس/آب 2018، عندما وجدت آخر قطعة لدى متجر صغير.

وعند البحث على مواقع التبضُّع على الإنترنت كـ»أمازون» أو «إي باي»، فإن كميات منها تتوافر، لكن التسليم يكون عادة بعد فترة طويلة، أسبوع أو 10 أيام أو أكثر.

آمنة أحسَّت بأن الألمان لم يحضِّروا أنفسهم لموجة حر كهذه، رغم ما يُعرف عنهم من التخطيط لكل شيء، كما هو الحال عندما يتعلق الأمر بفصل الشتاء.
الخبر الجيد بعد هذه الأسابيع العصيبة، هو إعلان هيئة الأرصاد الجوية الألمانية توقُّعها انخفاضاً تدريجياً لدرجات الحرارة في ألمانيا، حسب ما ذكره موقع «تاغزشاو» يوم الأربعاء 8 أغسطس/آب 2018.

سليمان عبد الله (برلين) عربي بوست