أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » كواليس مسرح المدينة ..قصة لـ :نجم الدين سمّان

كواليس مسرح المدينة ..قصة لـ :نجم الدين سمّان

الأستاذ خليل الدُوْمَري

   على هذهِ الخشبة، وَقَفَت كُلُّ المُمثّلات، كُلُّ المُمثّلين، المشهوراتُ.. إغراءً، المشهورونَ وَسَامَةً.. أنا الذي صنعتُهم، أطلقتُ الإبداعَ فيهم، طَرَدْتُ المُشاغبين؛ رافقتُ المُعتزلاتِ والمُعتزلينَ حتى بيوتهِم بباقاتِ الورد، غَيْرَهُم.. صَنَعْت.
   المُخرجونَ.. الذين وافقوني على كلِّ انعِطافةٍ فكريّةٍ، الذينَ عارضوني لسببٍ فنيٍ، أمْ.. لأتفهِ سبب، كُلُّهُم.. حَدَّقوا في إصبعي، مُنتظرينَ كلمتي المشهورةَ في الوسطِ الفنيّ: تَوَكَّلْ.
   ولن أكتُمَ هذا السِرَّ.. غازلني الكُتَّابُ عَلانِيةً ومِن وَراءِ حِجَاب، الكُتَّابُ اليساريُّونَ، كُتَّابُ اليمينِ، كُتَّابُ الوسط، كِبَارُهُم قبلَ المُبتدئين… أَحَدُ كُتَّابِ المُعارضةِ أرسلَ لي نصّاً باسمٍ مُستعار!.

   كُلُّهم.. الآذنُ، نَجَّارُ المسرحِ، خيَّاطتُه، مُهندِسُ الديكور، ضاربةُ الآلةِ الكاتبة، عُمَّالُ الإضاءة، قاطعو التذاكر، المُمثلات، المُمثلون، الجمهورُ الحبيب.. كلُّهم أولادي، حيثُ لا أولادَ لي.. بِرَغمِ زِيْجاتِي.

الآنسة حنان/ ممثلة

ارتجفَ قلبي مرّتين.. الأولى، اتركوها لي لحظةَ عِطرٍ، تُهَفْهِفُ بها جديلتايَ على درجاتِ مُرَاهقتِي، أمّي بغريزةِ المرأةِ شمَّتْ رائحَةَ العِطر فَجَرَّتنِي إلى الحَمَّام، جَرَّدتنِي من ثيابي.. وتحتَ لَسْعِ الماءِ أخذتْ تُزِيلُ العِطرَ بالصابون وتضرِبُني فأبكي.. ثُمَّ تضرِبُني وتبكي.

ارتجفَ قلبي مرَّتين.. الثانيةُ، حين دفعتني مِن تَردُّدي يدٌ مِن خلفِ الكواليس، تجمَّدتُ واقفةً في مُنْتَصَفِ الخشبة داخلَ بُقعَةِ ضوء.

لِوهلةٍ.. لمحتُ في الصالة حَشداً من عيونٍ تلتمِع؛ كأنَّ ألفَ رجلٍ يُحدِّقون بِي عاريةً.. من كُلّ ثيابي!.. نَضَحَ الماءُ مِن جِلدِي، نسيتُ الجملةَ الأولى مِن حوارٍ حَفِظْتُهُ طوالَ شهرين، كنتُ سأرتدُّ نَحوَ الكواليسِ راكضةً، ثمَّ.. بِفِعْلِ سِحرٍ غامِضٍ سَرَتْ في حَنجَرَتِي اللغاتُ كُلُّها.

في الاستراحةِ، مَهدودةً على كُرسِيٍّ.. غَمَرتنِي نشوةُ أن أتقمَّصَ أرواحاً على الخشبة، وأرتدي أجساداً في جسدي، وأتناسَخَ في نِساَءٍ لحظةَ انكسارِهِنَّ في الحُبّ، أَصفِقُ البابَ من ورائي فتهتزُّ جُدرانٌ، أخرجُ من “بيتِ الدُمْيِة” إلى فضاءِ ثَلجٍ لا يُحَدُّ؛ أُغادِرُ المسرحَ بعدَ العَرْض.. وحينَ أصِلُ الى البيتِ تستقبِلُني عِندَ بابِهِ.. خَيباتِي.

إسماعيل:

مِن كيسي تعلَّمت.. ليسَ معي شهادةٌ في الإخراج، ولا كُنتُ أعرِفُ أن التمثيلَ الحقيقيَّ يجري خارِجَ الخَشَبة!.

قَادَتْني المُصَادَفَةُ إلى مَدخِلِ مَسرَحِ المدينة، ثمَّ صِرْتُ مُتَفَرِّجَاً مُستْديماً، لا يَفُوتُني عَرْضٌ مسرحيّ. أخرجُ مِن غُرفتي في القبوِ الذي أسكُنُه إلى المسرحِ أُدارِي بهِ وَحْشتي في مدينةٍ لا يعرِفُني فيها أحَد.

عَرْضاً بعدَ عَرْضٍ، صِرتُ أُّحِسُّ بأنّي مُرَاقَبٌ، ثمَّ شكَكْتُ في شخصٍ يجلِسُ على الدوامِ في مَقعدٍ خلفي، أعودُ إلى غُرفتي فيتبعُني ظِلُّهُ حتّى أولِ درجاتِ القبو‍.

حَضَرتُ افتتاحَ “العِنَبِ الحامض” وسأحضُرُها هذا المساء أيضاً، فَلْيَتْبَعْني إذا كانَ رجلاً ذاكَ الشخص، سأُمْسِكُ بِخِنَاقِهِ عندَ أولِ مُنْعَطَفٍ.. وأخنِقُهُ

قبلَ فَتحِ السِتارة، فاجأني مديرُ المسرحِ بِذِكْرِ اسمي، دعاني الى المسرح لِيُهدِيني د”ِرْعَ المُتفرِّج المِثالِيّ” مَنَحَني بطاقةَ دعوةٍ دائمةٍ لكلّ العُروض، عانقني مُبتسِماً لِعدَساتِ التصوير.

خرَجتُ بعدَ العرضِ.. مَزْهُواً؛ وعِندَ أولِ انعِطافٍ تخَاطَفَتنِي في الظلامِ.. أَذْرُعٌ، حَشَرَتْني عضلاتٌ في سيّارةٍ؛ أغلقوا شفتيَّ بِلاصِقٍ لهُ طَعمُ الغِرَاءِ الذي كُنّا نَصِيدُ به فِئرانَ الحُقول؛ عَصَبُوا عينيَّ، قَرْقَعَتِ السيارةُ بينَ حُفَرٍ، لَكَمونِي من كلِّ حَدْبٍ، شَحَطونِي شَحْطاً، رَفَسُونِي في مَمَّرٍ طويل، أنزلوني درجاتِ قَبوٍ مُعتِمٍ، رموني في غُرفةٍ دَبِقةٍ، تركوني في حُلكَةِ ليلٍ أشدَّ من الظلامِ الرَجِيم، أدركتُ لِوَهلَةٍ ارتجافي مِثلَ فأرِ حُقولٍ مَذعُور.

بعدَ شهرٍ، ربّما..  بعد دهرٍ وسَنَتينِ، اعتذروا منِّي، أعادوا لي دِرْعَ المُتفرِّجِ المِثَالِيَ وبطاقةَ الدعوةِ الدائمة، أوصلوني في الفجرِ إلى غُرفتي، دَسُّونِي في فِرَاشي.. نِمتُ كما لم يَنَم أهلُ الكهف، ولمَّا صَحَوْتُ.. اغتسَلتُ، حلَقتُ ذقني، لبِستُ ثيابي، تركتُ بابَ غُرفتِي مَفتوحاً على مِصراعَيه، صَعدتُ درجاتِ القبوِ.. إلى مَسرحِ المدينة.

صَفَّقْتُ بعدَ العَرضِ طويلاً، ووقفتُ لِيرانِيَ الجميعُ، وَحْدَها.. الآنسة حنان هي التي تَذَكَّرَتْني، أشارتْ لِتَدُلَّ عليّ، قفزَ أعضاءُ الفرقةِ مِن عَلْيائِهمْ نحوي، عانقوني بعدَ غِيابٍ، سألوني بِلَهفةٍ، ثمَّ بِرِيْبَةٍ.. ظاهِرُها الشفقة، بَكَتْ الآنسة حنان، طلبتْ مِن المديرِ أن يَرُدَّ اعتباري، على الأقلّ.. بتوظيفي، فاجَأنِي حقاً، فَقَبِلَ تعييني في مَسرَحِه!.

توفيق بسْطُرْمة/ ديكوريست

   لم أفهم في الديكورِ المسرحي أكثرَ مِمَّا تفهمُهُ أُمّي حينَ تُرَتِّبُ الوسائِدَ تحتَ إبطِ أبي ليتكئَ مُتَجَشِّئاً بعدَ الغداء‍.

جَرَّنِي الدومري من البَطَالَةِ خِرِّيجاً من معهدٍ صِناعِيّ – قِسم الخِرَاطَة؛ ليِدَوْكِرَ لِيَ.. حياتي كما يُريد، يُقَهْقهُ بعدَ توقيعي على كُشوفِ نفقاتِ الديكور.. بالرقم الذي يرغَبُه، يُنَحِّي جانباً تَصَوُّراتِ المخرجين، يرسمُ على ورقةٍ ما يراهُ.. أبواباً أو نوافذَ لا لزومَ لها، تزوَّجَ سَبعَ مرّاتٍ، فجدَّدتُ لهُ سَبعَ مرّاتٍ ديكوراتِ مَنازِلِهِ السبعةَ مِن أخشابِ مَسرَحِنا القومِيّ، سبعَ مَرَّاتٍ.. كافأنِي، يسمحُ لِي في كلِّ مرّةٍ.. أن أصنعَ لبيتي خِزانةً، سريراً لِطِفلِي، طاولةً للأكل؛ يتهدَّجُ ضاحكاً: – شَمِّرْ عن أكمامِكَ يا بَسطُرمَه و.. تَوَكَّلْ.

المُلَقِّن نسيم:

واقفاً في مستطيلٍ كأنّهُ.. قبرٌ عَمُودِيّ، خَلفَ رأسيَ شاهِدةٌ من نُحَاسٍ.. تُخْفِي رأسيَ عن الجمهور، ظَهرِي.. للصالة، جَبهتِي.. بِمُوازاةِ ومُحَاذاةِ أقدامِ المُمثلين.
   مِن كلِّ مُخْرِجٍ التقطتُ أفضلَ ما لديه، وما كنتُ أحلمُ يوماً باجتراحِ مآثِرِهِم، لكنّي في إحدى البروفات.. رفعتُ رأسي لحظةَ استِعصَاءِ المُخرِجِ على ابتكارِ حلٍ، قلتُ على استحياءٍ: – إذا استدارتْ الجَوقةُ مُعطِيةً ظَهرَها للجمهور، يُمكن لـ “أوديب ملكاً” أن يُضَاجِعَ أُمَّه.

استدركتُ: – يُمكِننا هنا يا أستاذ، استخدامُ التغريب، كما فَعَلَ بريخت.

نَفَّذوا اقتراحي، تمدَّدَت المُمثلةُ/ الأمُّ.. قُربَ أنفاسي على حريرِ غِوَاياتِهَا، رأيتُ.. حِيرةَ أوديبَ غامضةً ومُلتبِسَةً بغرائِزِ الجُمهور؛ تسرَّبَتْ إلى أعصابِي أنفاسُ المُمثلةِ/ المَلِكة، خُيِّل إليَّ؛ أو.. هكذا رأيتُ الممثلةَ “جوكاستا” بِأعوامِهَا الأربعين.. تُخْفِي بِالكادِ اشتهاءً مُزْمِناً للمُمثلِ بأعوامهِ العشرين، الممثلُ.. بدا لي لحظةَ قُبْلتِهِ الأولى طفلاً يتعثَّرُ بِثِيابِهِ، غِرَّاً.. تَفضحُهُ المُلامَسَةُ الأولى للأنوثةِ؛ وللأمومةِ.. مَلِكةً لا يُطَالُ حَرِيْرُهَا بالتشهِّي، للمَلِيكَةِ.. امرأةً تَعَتَّقتْ مثلَ دِنِّ نبيذٍ مُهْمَلٍ في عَتْمَةِ الكهوف.. ارتعشَ جسدي كُلُّه في حُفْرة التلقين.. كأنّي الذي ارتكبتُ الخطيئةَ، كأنَّ الآلهةَ لم تصنَع قدَري، لم تقذِفنِي في أَتُونٍ.. أغمضتُ عينيَّ خوفاً من نبوءة العَرَّافِين؛ بعدَ ارتعاشِي.. بكَيتْ.

نَفّذوا أولَ اقتراحٍ لي.. فتوالتْ اقتراحاتي، لكنّ الدُوْمَرِيَّ تركني تحتَ خشبةِ خَلاصِي، حتى تسرَّبت الرطوبةُ عِبرَ قدميَّ إلى عظامي؛ على هيئةِ روماتيزمٍ.. مُسْتَدِيم.

في يومِ سَعْدِي، والممثلونَ يتأفَّفُون من انقطاعِ التدريب، اغتنمتُ حِيرةَ الدُوْمَري، قفزتُ من تابوتي، اتجهتُ نَحْوَهُ.. مُبَسْمِلاً بِجُملةِ “هاملت” حتى صرخَت هِيَ.. بِي:سأكونُ مُخرجَ هذهِ المسرحية، أَوْ.. لا أكون.

حَمْدو الكَهْرَبجِي

مَرَّ عليَّ الأستاذ خليل، ابنُ حارتي، قبل أن يتركها إلى مَنازِلِه، قال:
  • احمِل عُدَّتَكَ و.. تَوَكَّلْ.
دخلتُ الصالةَ مُلْتَمِساً خُطَاي على امتدادِ ضوءٍ شاحبٍ.. آتٍ من وراءِ الكواليس؛ وحين انتهيتُ من إصلاحِ الكابلاتِ الثُلاثيّة، وأعطى الأستاذُ إشارتَهٌ، أدهشتني الأضواءُ التي سطعتْ، والظلالُ خلفَ ستائِرِها.

استأذنتُ الدُوْمَريّ، ابنَ حارتِنَا، أنْ أبقى.. لأتفرَّجَ على ألعابِ المُمثلين، قَهْقَهَ، ثمّ بَتَرَ ضِحكَتهُ: – اجلِس دونَ أن تفتحَ فَمَك.. تَوَكَّلْ.

زَمَمْتُ فَمِي، أَجْلَسْتُهُ على آخرِ كُرسِيٍّ في الصالة.. صارَ المُمثلون يصعدون بِتَمَهُّلٍ إلى خشبة المسرح.. وحينَ بدأ التشخيصُ أحسستُ بتيارٍ يَسرِي في عينيَّ، عَبَرَنِي من أُذُنّيَّ.. كَهْرَبَ جسدي.

لأول مَرَّةٍ.. أرى تشخيصاً على المسرح، تذكرتُ.. كَمْ يُشْبِهُ هذا؛ ما قد فَعَلَهُ الساحرُ حين اقتحمَ حارتنا بمناديلهِ وكُرَاتِهِ الملوّنة، استأجرَ المقهى، بدأ عروضَهُ صَبَاحَّيةَ أولِ أيامِ العيد، دفعَ أبي فرنكينِ كاملينِ.. لأدخلَ ولم يدخل، همسَ لي: – استَعِذْ بالله يا بنيَّ عندَ كُلِّ لُعبةٍ، إذا طلبكَ إليهِ.. فلا تذهب.

لكنّي حينَ دخلتُ المقهى نسيتُ تعويذته، ثُمَّ كأنَّ الساحرَ قرأ شِفَاهَ أبي عندَ الباب، فدعاني إليه.. قفزتُ إلى المَصْطَبةِ ناسياً تحذيرَ أبي، لم أُفْلِحْ في الصعود، أمسكَ الساحرُ بيديَّ ورفعني عالياً في الهواء؛ في الهواءِ.. بَقِيْتُ، أَخْرَجَ الكُرَاتِ مِن جيوبي، مِن فمي، مِن أُذُنَيَّ، ومِنْ.. قَفَايَ، ضحِكَ أولادُ حارتِنَا علَيّ، وحينَ أكلني الغيظُ وجدتُ أقدامي تسقطُ نحوَ خشبِ المِصطَبَة.

أَشْفَقَ الساحرُ عليَّ فصارَ يدعو أولاد الحارةِ سَبعاً وراءَ سَبعٍ، لِيجعلَهُم يتبوَّلون في سَرَاوِيلِهِم فأُغِيْظَهُمْ بِضَحِكاتِي، يُخْرِجُ بَطَّةً من قُبَّعتِهِ، يُدَوِّمُ برشاقة أصابعهِ.. فتختفي، يسألني: – مين سرقَ البطَّة؟!.

فأُشِيرُ إلى سارِقِ أقلامِنَا في المدرسة، يذهبُ الساحِرُ إليهِ.. ليُخرِجَ من ثَنِيَّاتِ قميصِهِ ريشاً وجناحين، ذيلاً ومِنقاراً وقدمينِ بالخلاخيل.. يسخرُ الساحرُ مِنهُ: – أكلتِ البَطَّة.. يا قِطّة؟!.

يُمْسِكُهُ من ياقَتِهِ، يقلِبُهُ رأساً على عَقِبٍ، يَدْحُوهُ على ظَهرهِ، يُطلْقِ سارقُ أقلامِنَا صَرخةً تستغيثُ، فتطيرُ البطَّةُ مِن فَمِهِ، ترِفُّ، ثم تحطُّ في حُضنِي.. يضحَكُ الساحِرُ.. أضحَكُ.. نضحَكُ.

يا الله، كأنَّ الساحِرَ بعدَ كلِّ هذهِ السنين أمامي، تَوزَّعَتْهُ أجسادُ وحَناجِرُ الممثلين.

حينَ أَطَلَّت حنانُ وقالت جُملتَها الأولى.. انخلعَ قلبي مِن مكانِهِ؛ صاعقةٌ مِن بَرْقٍ.. خطفَتهُ، رَفَعَتْهُ في هَواءِ الصالةِ، خِفْتُ أن يَصطدِمَ بالسقف، أن تتقاذَفَهُ الجُدرانُ، لكنَّهُ.. خَفَّ؛ ثُمَّ.. شَفَّ؛ حتى صارَ لهُ جناحانِ؛ رأيتُهُ.. يَرِفُّ حَولَها، يطيرُ.. حيثُ تَسيرُ، يحطُّ.. حيثُ تجلِسُ؛ ركضتُ نحو المدير بعدَ انتهاءِ التدريب: – دخيلك يا دُوْمَري.. شَغِّلنِي عِندك.

حنان

ذاتَ عَرْضٍ.. ارتجفَ جسدي لأولِ مَرّةٍ، فيما أنا أُغيِّرُ لضيقِ الوقتِ قميصيَ خلفَ الكواليس، ضَبَطْتُ أحداً ما، رجلاً.. يتلصَّصُ عليَّ مِن وراءِ سِتارةٍ، زَوَرْتُهُ.. أعجبني أنهُ لم يتوارَى، ظلّتْ عيناهُ تُحدِّقانِ بِي.. ارتجفَ قميصي بينَ يديّ، حتى اتَّقَيْتُهُ بثوبِ “ديزمونه”.

عيناهُ.. هيَ كُلُّ ما بدا منهُ؛ تَلامَحَ خيالُهُ.. مُتَمَاوِجاً بينَ طيَّاتِ السِتَارة، تمنَّيتُ لو أنّي أعْرِفُهُ، لو أنَّ المشهدَ يتأخَّرُ، أو تنقطِعَ الكهرباء، لأُطَوِّقَهُ مَلفوفاً مثلَ طفلٍ بالقماشِ الذي يُخْفِيه.. تركتُ لعينيهِ أن تَجُوْسَا بينَ كُنوزِي في اكتشافٍ مُوْجِعٍ ولذيذ، حتى إذا أَسْدَلْتُ الثوبَ على ارتعاشِ جسدي.. اختفى.

حينَ خرجتُ من عَتمةِ الكواليس.. إلى ضوءٍ، ثمَّ بدأ المَشهدُ.. عَرَفْتُهُ مِن عينيه؛ كانَ.. أبْعَدَ مِن تَخمِيني، سألنِي بِصَوتٍ مُرْتَعِشٍ عن منديلي، ارتبَكتُ.. حتى خِلْتُ بأنَّ ظُنونَهُ فيِّ، هي.. نفسُهَا ظُنونُ “عُطَيل” صفَّقَ الجُمهورُ طويلاً لِحِيرَتِي.. ولِغِيرَتِه؛ يُصفّقُ الجمهورُ أحياناً.. لِيُبْعِدَ الشُبُهَاتِ عَنْه!!.

حَمْدُو.. سابقاً / ولاحِقاً: حميد طاهر

أغلقتُ دكاني، لازَمْتُ المقعدَ الأخيرَ في زاوية الصالة، أُراقِبُهَا تَمِيْسُ فوقَ الخشبة، أحفظُ الأدوارَ كُلَّهَا لأتهجَّى دورَها، أراها كلَّ ليلةٍ مِن خلفِ الكواليس.. يغسِلُهَا الضَوءُ على الخشبة ويَجْلُوْهَا التصفيق.

قال لي الدُوْمَرِي، ابنُ حارتنا: تَوَكَّلْ..  فبقيتْ، ثُمَّ لم يَعُدْ يتذكَّرُ حتى وجودي، صِرتُ جِزءاً من هذا الهواء، يُنَاوِلُني آذنُ المسرحِ أبو صالح.. كأسَ الشايِ في الاستراحةِ، كأنّي واحدٌ مِنَ الجميع.

يوماً.. بِسُخُونَةِ الشايِ احترقتْ شفتايَ؛ حين انفجرَ المُدِيرُ في وَجهِ المُمثلِ الرئيسيّ: – نَفَدَ صَبْري عليك، حَرَّضْتَهُم على الانشقاقِ عن مَسرحِنا؛ لا أحدَ معك؛ غيرَ اثنينِ من الكومبارس، وعاملِ إضاءةٍ لا يعرِفُ كيفَ يصعدُ إلى البرجكتوراتِ دون أن يَقَعْ!؛ خُذْهُمْ بعيداً و.. تَوَكَّلْ.

مَرَّتْ لحظةُ صمتٍ مُتَوَتِّر، رأيتُ فيها وَجهَ حنان مَغْسُولاً بالخيبة، شفَّافاً وحزيناً مثل وَجهِ اليتيم، ورأيتُ الدُومريّ يَتَشَهَّاهُ.. ثُمَّ يقول:

  • فَكِّروا معي بِمُمثلٍ يُنْقِذُ الأغلبيةَ.. في مسرحنا.

أنهضتَنِيَ كهرباءُ غامِضَةٌ مِن مقعدي.. ركضتُ عابراً الممرَّ الطويل، صَعَدْتُ؛ وقفتُ قِبِالَةَ حنان، كأنّي سأحميها من وَحْشَةِ أدوارِها، سأحتويها بأطرافِ هَوَاجِسِي، وبالشوقِ يَسْتَنْفِرُ الحَوَاسَ تمثيلاً، يُكَهْرِبُ الهواءَ الذي بيننا فترتعشُ الستائِر، بدأتُ الحوارَ معها مِن حيثُ انقطع.. لم أَعُدْ أرى غيرَها في كُلِّ تدريبٍ، في كلِّ مشهد.

عانقني المديرُ على نجاحي في إنقاذِ مسرحِهِ، وليسَ.. على رَهَافتِي في التمثيل، همستُ له: – قُلْ لقاطع التذاكِر.. آخرُ مقعدٍ هناكَ في الزاوية، يظلُّ مَحجوزاً لِي؛ باسم: حمدو الكَهْرَبْجي.

في كُلِّ تدريبٍ، وفي كُلِّ عَرضٍ.. يجلِسُ حمدو الكَهْرَبْجِي على ذلكَ المقعدِ؛ يَرْقَبُني.. وأَرْقَبُهُ، أغارُ منهُ كلَّما دخلتُ إلى الكواليس؛ وظلَّتْ حنانُ وحدَها على الخشبة، أو.. مع مُمثلٍ غيري.

المُخْرِج نسيم

لَمَسْتُ الوترَ الخفيَّ بين حنان وحميد.. صِرْتُ أَعْزِفُ عليه، صنعتُ منهما أجملَ ثُنائيٍ على المسرح، ما إنْ يَرِنَّ جَرَسُ البداية، حتى يُضْرِمَا حروفَ الحِوَارِ بشوقٍ كَتِيْمٍ.. يُحِسُّهُ الجمهور ولا يراهُ.

أثناءَ التدريبات، يجلسانِ.. كُلٌّ في طَرَفٍ، لا يَنْبِسَانِ بِحَرفٍ، يتبادلانِ التحيَّةَ بِرَفَّةِ الرمُوش، تَارِكَيْنِ كلَّ كلامٍ مُعَلَّقاً بِلَحظِةِ فَتحِ السِتَارة.

في نهايةِ كُلِّ عَرضٍ.. يتبادلان نظرةَ صامتةً، أَلْمَحُ ارتعاشَ يديهما إذْ يتقاربان لحظةَ اصطفافِ الممثلين رَدّاً على التصفيق.. لم يُمْسِك يدَها مرَّةً ليرفعها ابتهاجاً، لم تُقَارِبْ يَدَهُ.. يمضي كلٌّ منهما إلى غُرفتين مُتَبَاعِدَتَيْنِ ليخلعا أدوارهما، تندفعُ حنان خارجَ المسرح دونَ أن تلتفتَ إليه، يتنحَّى لها مُتَشَاغِلاً بأيِّ شيءٍ، ثم يخرجُ مُعْطياً ظَهْرَهُ لسيارةِ التاكسي المُنْطَلِقَةِ بها إلى بيتها مُنْتَصَفَ كُلِّ ليل.

تخيَّلْتُ على الدوام كيفَ تدور السيارة بها من الشارع الخلفيِّ لمبنى المسرح نحو الرصيف الذي يمشي عليه، تتمهَّلُ السيارةُ.. قُرْبَهُ، تفتحُ حنانُ البابَ، أرى أصابِعَها تنتشِلُ أصابِعَهُ، ينصفقُ بابٌ وتطيُر بِهِمَا “عَرَبَةٌ اسمُهَا الرَغبةُ”.

كلّما وضعتُ رأسي على “وِسادتِي الخالية” أُقَرِّرُ مَنْعَهُ عن دورِ العاشِق، وأَنْ.. أَرْمِيَهِ عن حريرِهَا وثِمَارِهَا المُحَرَّمَة، أن… أقِفَ قُبَالَتَهَا على الخشبة، أُعانِقُها أو.. تُزَمِّلَني بِجُثَّتِها مثل “جولييت”.. أَحْتَلِمُ تحتَ لِحَافِي، ترتجفُ الأضواءُ، ثمَّ.. تَعُمُّ السكِيْنَةُ.. فضاءَ الخشبة، أَتَكوَّرُ حولَ نفسي.. مُبَلَّلاً بِهَواجِسِي.. أنام.

يوسف/ نَجَّار المسرح

منذُ أربعينَ عاماً، وأنا أنتظرُ أن يأتيَ أحَدٌ.. أيُّ أحَدٍ؛ لِيُزِيْحَ الدُوْمَريّ عن مَنْصِبِهِ المُسْتَدِيم، بَدَّلْتُ تِسعَ مطارِق وإزميلاً ومنْشارينِ كهربائيين، ثَبَّتُّ ونَزَعتُ آلافَ المَسامِير، فتَحْتُ بَرامِيلَ من الغِرَاء، الخشبُ الذي جَهَّزتُهُ لديكوراتِ مسرحنا.. يَكفِي لِنوافِذِ حَيِّ بأكملِه.

قالت لِي أُمَيَّة، خيَّاطَةُ مَسرحِنا، قبلَ أن نَتَزَوَّجَ: – لَستُ عذراءَ بسببه، أرعَبنِي في مستودعِ الألبِسَة، أرهَبنِي، رَغَّبنِي بِقِماشٍ رَديءٍ.

وأنا نجَّارُ المَسرح، احتجتُ قطعةَ خشبٍ أُرَمِّمُ بها سريرَ ليلةِ عُرسِي، فاجأني المديرُ أخرُجُ بها مِنَ البابِ الخَلفِيّ، هَنَّأنَي على زواجِيَ الوَشِيكِ، ثمَّ حَسَمَ مِن راتبي.. ثمَنَ الخشبة!.

كلَّما تحدَّثوا عن فُقْدانِ شيءٍ في هذا المسرح، حَدَّقَ المديرُ في عَينيَّ، وكأنّي المُتهَمُ الجاهِزُ دائماً بين يديه.

أخيراً، طَفَحَ معي الكَيْل.. فَصَّلْتُ لهُ مِن أسوأ الأخشابِ.. تابوتاً، مَركوناَ في قبوِ المسرح منذُ سِنين، ما زِلتُ أنتظرَ مَوتَهُ، أو تغييرَ جَسدِهِ.. بجسدِ مُديرٍ جديد؛ حتى صِرتُ أرى التابوتَ في أوهامي.. يطيرُ عالياً، ترفعُهُ الملائِكَةُ البِيضُ، الأبالِسَةُ.. ثمَّ، تُسْقِطُهُ عليه.

الآنسة/ السيدة.. حنان

عينا حميد أجملُ ما فيه، يُذَكّرُنِي بِوَالِدِي.. رُجولتُهما في العينين.
   منذُ اكتشفتٌ أنوثتي خلفَ الكواليس، أمسكتُ أقربَ قَلمٍ، رسمتُ رجلاً.. رشيقٌ ظِلُّهُ، بِوَجهٍ غائِمٍ، لَوَّنْتُهُ بِهَواجِسي.. عَلَّقْتُ لوحتَهُ دونما إطارٍ فوقَ سريري.

لو أنَّ حميداً.. دَقَّ زُجاجَ نافذتي بِغَيرِ عينيه، كُنتُ رَكَنْتُ اللوحةَ في خِزانةِ أُمِّي.. لو أنهُ خَلعَ صمتَ المَفاصِلِ في بابِ غُرفتِي، لو حَطَّمَ وَحْشَةَ الخشَب.

كِدْتُ أكرَهُ أُمّي حينَ غابَ أبي صامِتاً حِيَالَ برودَتِها في السرير.

بعد موته.. استعارتْ أمّي صَمْتَهُ، هجَرتْ غرفتها، انزوَتْ في غُرفته، أسمعُهَا في الليلِ تسترجِعُ آثامَها منذُ اشترطتْ عليهِ غُرفتَينِ للنوم.. مُنْفَصِلَتَيْن؛ وَحدِي.. كنتُ دليلَ أُلْفَةٍ في أسبوعٍ قصيرٍ من العَسَل.

وحدي.. كنتُ أَنسلُّ إليه، بعدَ نومِها، لأندسَّ في فراشِهِ الأبوِيَّ، كانَ يَدسُّ في حقيبتي هداياه.. زجاجةَ عِطرٍ على شكلِ قلبٍ، قلمَ شِفاهٍ، كُتباً وروايات.. كأنّه يفعل ما لَم يستطِعهُ مع أمّي، ما لَم يفعلهُ معي هذا الحميد.. لستُ طيفاً، فَلْيَلْمَسْنِي حميدٌ مِن يديّ، كأنّما.. كلُّ الذينَ حولي في مسرح المدينةِ رِجالٌ مَخْصِيُّون؛ لم تَعُد عيناهُ تتلصَّصان عليَّ مِن خلفِ الستائر، ما التفتَ أحدٌ لِدَمعتِي عالِقةً على رُموشِ المِرآةِ في غُرفةِ ملابسي، كَسَرْتُهَا.. تناثرَ وجهي شظايا من البِللور، هَجَستُ بِرَجلٍ يُدْمِيني، يركضُ في حاراتي المغسولةِ لِتَوِّها بالمطر.

أقفل الدُوْمَرِيُّ بابَ مكتَبهِ عليّ، أقفلتُ أجفاني، عَرَّاني بضربةٍ من أصابِعه، شعرتُ بدبيبِ عينيهِ فيما هو يدورُ حولي، يَتقًرَّى جسدي بِكَفَّيْهِ، مدَّدني على أوراقِ طاولته، استسلمتُ لرائحةِ الحبر في الأختام، لِمَلْمَسِ أعضائِهِ تنزلِقُ على جلدي.. اقتحمني، سَمِعتُ لَوحَتِي تتمزَّقُ فوقَ سريري.. كاشِفةً غُرفتِي للريحِ والمَاءِ المَهِيْن؛ انتهى مِنِّي على عَجَلٍ، أَحْكَمَ ربطةَ عُنْقِهِ، انحنى مُمْسِكاً بِيَدي.. قَبَّلَها: – “سيدتي الجميلةُ”.. أنت.

انخطَفتُ راكِضةً مِن مَكتبِه، خرجتُ مِن مسرحي بِغَيرِ التي.. كُنْتُ؛ والتي.. سأكون.

الآذن أبو صالح

يومَ احترقَ مَسرحُ المدينةِ.. بَكَيتْ.
   كلُّ ما فيه، كلُّ مَنْ فيه.. صارَ رماداً، مُديرُهُ والمُخرج والمُمثلون.
لَمْ أَكُنْ أنوِي أن أخونَ أحداً فأنجو.. كنتُ على الرصيفِ أستلمُ صناديقَ المُرطِبات حين لَفَحَتْني مِن بابِ المَسرحِ حرارةٌ وغَطَّاني دُخانٌ كثيف، خلَعتُ سُتْرتي مُلَوِّحاً بها، كاشِفاً أمامي الطريق.. الطريقُ ألسنةٌ من لَهَبٍ، سمِعتُ صرخاتِ الجميع، استغاثاتِهم، انهياراتِ الكواليس، شَمَمْتُ رائحةَ شِوَاءٍ، رائحةَ لحمٍ آدمِيّ؛ يا لطيفَ الألطافِ.. اسْتُرُ، ثمَّ قذفني انفجارٌ نحوَ الرصيف، ارتطمَ رأسي بِإفريزِ الشارع، رأيتُ في غَيبوبتي… ستائرَ زرقاءَ، أضواءً، خشبةً بيضاءَ.. ومِن غَيرِ كواليس، ثم لا أدري سِوَى أنّي في فضاءٍ لا يُحَدُّ.. كنتُ المُمثلَ الوحيد