أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » من الفاطميين إلى محمد علي… كيف استغل الحكام المولد النبوي في تدعيم سلطتهم؟

من الفاطميين إلى محمد علي… كيف استغل الحكام المولد النبوي في تدعيم سلطتهم؟

على الرغم من اختلاف المؤرخين المسلمين حول مسألة تحديد تاريخ ميلاد نبي الإسلام، إلا أن الأغلبية العظمى من المسلمين اعتادت على الاحتفال بتلك الذكرى سنوياً في الـ12 من شهر ربيع الأول.

عادة الاحتفال بذكرى المولد الشريف لم تُعرَف في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، ومن المرجح أنها بدأت مع الدولة الفاطمية. ولكن على الرغم من ذلك، حرص معظم حكام مصر، وبعض الحكام خارجها، على استغلال تلك الذكرى الاحتفالية في الحصول على الشرعية السياسية لسلطتهم، وأيضاً لنيل التأيد الشعبي والجماهيري من خلال دغدغة المشاعر الدينية والروحية للناس.
الدولة الفاطمية… أول استغلال منظم

يذهب كثيرون من المؤرخين، ومنهم تقي الدين المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”، وأحمد بن علي القلقشندي في كتابه “صبح الأعشا في صناعة الإنشا”، إلى أن الفاطميين كانوا أول مَن احتفل بالمولد النبوي بشكل منظم ومرتب.

بحسب المصادر السابقة، فإن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله نظّم أول احتفال بالمولد النبوي عام 362 هـ، وذلك بعد دخوله مصر ببضعة أشهر، وكان هدفه من إقامته تقريب المصريين إليه وضمان انقيادهم لحكمه وسلطته.

ويشرح الشيخ حسن السندوبي هذه النقطة في كتابه “تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي: من عصر الإسلام الأول الى عصر فاروق الأول” بقوله: “ولمّا استقر له الحكم، أي المعز لدين الله، أخذ يفكّر في الوسائل الكفيلة باستمالة القلوب، وامتلاك النفوس، واستثارة العواطف حتى تألف الأمة المصرية تصرفات هذه الحكومة الجديدة وترضى عن سياستها في إدارة البلاد، ولمّا كانت الميول العامة لطبقات الأمة المصرية متجهة إلى حب آل بيت الرسول مع الاعتدال في التشيع لهم… رأى المعز لدين الله أنّ أقرب الأسباب للوصول إلى أغراضه من هذا الميل العام الالتجاء إلى الأمور التي تمتّ بصلة إلى المظهر الديني، فهداه تفكيره إلى أن يقرر إقامة مواسم حافلة وأعياد شاملة في مواعيد مقررة وكان من أولها وأجلّها وأفضلها الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف”.

من المهم هنا أن نشير إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن الاحتفال الأول ولا الأكثر أهمية ومكانة عند الفاطميين، بل سبقه الاحتفال بأعياد الغدير وعاشوراء وغيرها من المناسبات الشيعية على وجه الخصوص.

ففي كتابه “الحياة الاجتماعية في العصر الفاطمي: دراسة تاريخية وثائقية”، يقلل الدكتور عبد المنعم عبد الحميد سلطان من أهمية الاحتفال بالمولد النبوي في العصر الفاطمي، ويقول “إن الاحتفالات التي كانت تلقى مظاهر الاهتمام كانت للأعياد الشيعية”.

وكانت جميع الاحتفالات الفاطمية معرّضة للإلغاء أو التأجيل بسبب الظروف الاقتصادية الحرجة التي شهدتها الدولة الفاطمية في العديد من فتراتها التاريخية.

كذلك، تسببت المنافسة السياسية بين الوزراء والخلفاء في بعض الأحيان في إيقاف تلك الاحتفالات. فعلى سبيل المثال، يذكر المقريزي أن الوزير الأفضل شاهنشاه ابن بدر الجمالي أحكم قبضته على الدولة، وهمّش من سلطة الخليفة المستعلي بالله أحمد، وكان سبيله إلى ذلك إلغاء الاحتفالات الدينية، ولما وصل الخليفة الآمر بأحكام الله إلى السلطة، أعاد تلك الاحتفالات مرة أخرى، واتخذ منها وسيلة لاستعادة بعض نفوذ أسلافه من الخلفاء الأقوياء.
الأيوبيون… إلغاء الاحتفال داخل مصر

بعد القضاء على الدولة الفاطمية، قام صلاح الدين الأيوبي بإبطال جميع المراسيم والاحتفالات التي كان الفاطميون يمارسونها في مصر.
قلعة الجبل أو قلعة صلاح الدين، مقر حكم الدولة الأيوبية.

ويفسر الباحث عرفه عبده علي في كتابه “دمعة على التوحيد” هذا التصرف بقوله: “كان السلطان صلاح الدين يوسف يهدف إلى توطيد أركان دولته لمواجهة ما يتهددها من أخطار خارجية واقتلاع المذهب الشيعي بمحو كافة المظاهر الاجتماعية التي ميّزت العصر الفاطمي، ولا شك أن هذا السبب السياسي هو أحد الأسباب التي دعت صلاح الدين إلى محاربة هذه البدع”.

ومع ذلك، فإن تيمة الاحتفال بالمولد الشريف استطاعت أن تتسلل خارج مصر في العصر الأيوبي. ويفسر السنديوني ذلك في كتابه سابق الذكر بقوله إن “فكرة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف صارت من الأمور التي ألفتها الأمة ودخلت في تقاليدها الهامة، وجرت منها مجرى العقائد الواجبة الرعاية والأداء، وأصبحت عندها من الشعائر التي يعز عليها إغفالها أو ترك القيام بها في أوقاتها التي أضحت مقدسة، ولذلك فقد كان الشعب يصرف عنايته إلى الاحتفال بهذه الذكرى الكريمة في إبانها، وينهض بها من تلقاء نفسه، غير منتظر وازعاً يزعه، أو دافعاً يدفعه، من جهة رسمية أو غير رسمية”.

تلك الصيغة الشعبية للاحتفال وجدت لها مواطن مختلفة في اليمن والمغرب والأندلس. أما على مستوى الأنظمة الحاكمة، فقد تم إحياء الاحتفالات بالمولد النبوي على يد حاكم أربيل مظفر الدين كوكبوري، وكان متزوجاً من ربيعة خاتون أخت صلاح الدين الأيوبي ومرتبطاً معه بحلف سياسي قوي.

كوكبوري، ورغم كونه سنياً معارضاً للتشيع، التمس في الاحتفال بالمولد النبوي وسيلة للدعاية السياسية القوية لدولته الصغيرة، فطلب من العالم الأندلسي أبي الخطاب بن دحية الكلبي أن يكتب له كتاباً عن المولد النبوي، فكان كتابه المعروف باسم “التنوير في مولد السراج المنير”. وبناء على هذا الكتاب، أقام كوكبوري احتفالات ضخمة بالمولد وصفها شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء بقوله: “أما احتفاله بالمولد، فيقصر التعبير عنه. كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة، وتنصب قباب خشب له ولأمرائه وتزين، وفيها جوق المغاني واللعب، وينزل كل يوم العصر، فيقف على كل قبة ويتفرج، ويعمل ذلك أياماً، ويخرج من البقر والإبل والغنم شيئاً كثيراً، فتنحر، وتطبخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان، فينفق أموالاً جزيلة”.

ويذكر “سبط ابن الجوزي” في كتابه “مرآة الزمان” أن كوكبوري كان ينفق على المولد كل عام حوالي 300 ألف دينار.

ومن المرجح أن الغرض السياسي المستهدَف من إقامة تلك الاحتفالات تحقق، إذ يذكر ابن خلكان، في كتابه “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”، أن جموع المحتفلين كانت تقدم إلى أربيل في موعد الاحتفال في كل عام، وذلك من نواحي بغداد والجزيرة وسنجار والموصل ونصيبين وبلاد العجم، وهو الأمر الذي يُفهم معه تعاظم النفوذ السياسي والروحي لحاكم أربيل.
المماليك… إحياء الاحتفال لإخفاء الأزمات

في العصر المملوكي، حرص السلاطين المماليك على إقامة الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الدينية، وعلى الاحتفال بالمولد النبوي على وجه الخصوص. وربما كان السبب الأهم في ذلك يعود إلى إحساس المماليك بغربتهم عن محيطهم المجتمعي، وإدراكهم للمفعول القوي والتأثيرات الكبرى التي تحدثها تلك الاحتفالات في قلوب المصريين.

الطابع المميز للمولد النبوي في العصر المملوكي كان الاتجاه للبذخ والإسراف في مظاهر الاحتفال، فقد تبارى السلاطين في الإنفاق عليه، ونقل العديد من المؤرخين شهاداتهم على ما عاينوه في هذا اليوم من مظاهر للترف والدعة.

ونقل المؤرخ شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902 هـ، في كتابه “الضوء اللامع لأهل القرن التاسع”، عن بعض شيوخه، إعجابهم الشديد بالاحتفال الذي أقامه السلطان الظاهر سيف الدين برقوق بمناسبة المولد النبوي، وقال: “رأيت ما هالني، وأظن ما أنفق في تلك الليلة على القراء الحاضرين وغيرهم نحو عشرة آلاف مثقال من الذهب العين، ما بين خلع ومطعوم ومشروب وغير ذلك، بحيث لم ينزل واحد منهم إلا بنحو عشرين خلعة من السلطان والأمراء”.

أما المؤرخ ابن إياس الحنفي، فقد وصف الاحتفالات العظيمة التي نظمها السلطان المملوكي قنصوه الغوري في ذكرى المولد النبوي عام 922 هـ، وقال: “عمل السلطان المولد الشريف النبوي على العادة، ونصب الخيمة العظيمة التي صنعها الأشرف قايتباي، قيل إن مصروفها ستة وثلاثون ألف دينار… ثم جلس السلطان في الخيمة، وحضر الأتابكي سودون العجمي وسائر الأمراء من المقدمين، وحضر القضاة الأربعة، وأعيان الناس من المباشرين على العادة، ثم حضر قراء البلد قاطبة والوعاظ على العادة، ثم مد السلطان السماط الحافل وأوسع في أمره، وكان ذلك اليوم مشهوداً وأبهج مما تقدم من الموالد الماضية”.

وترجع أخبار الاحتفالات المملوكية الضخمة بالمولد بشكل كبير إلى الفترة المتأخرة من عصر المماليك، وهي فترة عانت فيها الدولة من انخفاض المداخيل المالية وكساد الحركة التجارية وتراجع الأهمية الاستراتيجية لمصر بعد اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، هذا كله بالإضافة إلى زيادة التوترات العسكرية في بلاد الشام جراء المشاحنة مع القوتين الصفوية والعثمانية.

معنى ذلك أن الاحتفال بالمولد النبوي في العصر المملوكي المتأخر كانت له دلالات سياسية متعددة، فهو من ناحية يؤكد على الصبغة الإسلامية لسلاطين المماليك أمام المنافسة الشرسة مع خصومهم، ومن ناحية أخرى كان يؤدي دوراً مهماً في التغافل والتغاضي عن الخسائر المادية الفادحة التي تحيق بالدولة، وإظهارها بمظهر القوة والفتوة أمام شعبها ورعاياها، رغم كل عوامل التردي والانهيار التي كانت تضرب في أركانها وركائزها.
في التاريخ الحديث… نابليون ومحمد علي

لم يقتصر استغلال الساسة للمولد النبوي على العصور الوسيطة فحسب، بل امتد أيضاً ليصل إلى العصر الحديث، ويمكننا تمييزه إبان الحملة الفرنسية وعهد محمد علي باشا.

في شهر أغسطس 1798 م، وهو الشهر التالي لدخول نابليون إلى القاهرة، حلّت مناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ووجد القائد الفرنسي الشهير أنه من الممكن استغلال تلك المناسبة بشكل يتناغم مع الطموحات السياسية الفرنسية في مصر.

وقدّم المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي وصفاً دقيقاً لما جرى في تلك المناسبة، في كتابه الشهير “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، إذ قال فيه: “سأل ساري عسكر نابليون عن المولد النبوي لماذا لم يعملوه كعادتهم؟ فاعتذر الشيخ خليل البكري بتعطيل الأعمال، وتوقف الأحوال، فلم يقبل، وقال: لا بد من ذلك، وأعطى له 300 ريال فرنسي معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم، وضربوا طبولهم، ودبابدهم، وأرسل الطبلخانة الكبيرة إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يضربونها بطول النهار والليل ببركة الأزبكية تحت داره، وهي عبارة عن طبلات كبار مثل طبلات النوبة التركية، وعدة آلات ومزامير مختلفة الأصوات مطربة. وعملوا فى الليل حراقة نفوط مختلفة. وفي ذلك اليوم ألبس الشيخ خليل البكري فروة، وتقلد نقابة الأشراف ونودي في المدينة بأن كل مَن كان له دعوى على شريف فليرفعها إلى النقيب”.

ووصف الجبرتي كيفية مشاركة نابليون شيوخ الأزهر والأشراف في ليلة العيد، كما توقّف عند مشاركة القائد الفرنسي في تناول الطعام بيديه المجردتين، على عادة المصريين في تلك الفترة، وسماعه حلقات الذكر الطويلة، وتمايله على أصوات المنشدين الصوفيين الذين تغنوا بمديح الرسول وقصص الملاحم العربية القديمة.

بعد خروج الفرنسين من مصر، استمرّت السلطة القائمة في المحافظة على إقامة الاحتفال بالمولد النبوي، إذ حرص محمد علي باشا على فرض سيطرته الكاملة على المجال الديني في البلاد، ووجد سبيله إلى ذلك بعدما أصدر فرمان عام 1812 الذي قنّن فيه وضع الطرق الصوفية في مصر، وجعل جميع المتصوفة تحت سلطة شيخ الطريقة البكرية، والذي كان بدوره يخضع لسلطة محمد علي.

إخضاع الدولة للصوفية ظهرت آثاره بشكل واضح في اصطباغ الاحتفال بالمولد النبوي بصبغة صوفية كاملة. ويشهد على ذلك ما أورده الرحالة الإنكليزي إدوارد وليم لاين الذي زار مصر بين سنتي 1833 و1835، وسجل مشاهداته في كتابه “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”.

يذكر لاين في كتابه أنه، ومع بداية شهر ربيع الأول، كانت تُعَدّ العدة للاحتفال الذي يقام بالقرب من بركة الأزبكية، حيث تُنصب خيمة واحدة تعرف بالصوان وفي وسطها صارٍ مشدود بالحبال يقوم الدراويش بالذكر حوله في حلقة قوامها من خمسين إلى ستين درويشاً، وبالقرب منها ينصبون القائم وهو عبارة عن أربعة صوارٍ تُعلَّق بينها حبال تتدلى منها القناديل على هيئة زهور وكلمات وأسماء الله الحسنى.

ويصف الرحالة الإنكليزي الأحداث التي تجري في ليلة الـ12 من الشهر، عندما يقوم الصوفية بممارسة ألعابهم السحرية، ويصطفون في حلقات الذكر، وتسير مواكبهم في القاهرة وهم يحملون البيارق والأعلام، ويتجمع الناس حولهم لمتابعتهم معجبين بهم، وهو ما يدل على نجاح السلطة في ذلك الوقت في استخدام المولد النبوي في سبيل الحصول على رضا الشعب وإعجابه.

المصدر: رصيف 22