أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » في زمن المقاومة والممانعة هل ستلحق الجولان باسكندرون ؟. بقلم: م. سليمان الطويل

في زمن المقاومة والممانعة هل ستلحق الجولان باسكندرون ؟. بقلم: م. سليمان الطويل

تصويت الولايات المتحدة يوم 16/11/2018 إلى جانب إسرائيل برفض الاعتراف بالسيادة السورية على الجولان، خلافا للموقف الأمريكي المعهود، يشي بأبعاد مستقبلية خطيرة وهي أن الولايات المتحدة سوف تحذو حذو إسرائيل التي صرّح رئيس وزرائها نتنياهو مرارا بان الجولان سيبقى للأبد تحت السيادة الإسرائيلية. ويبدو أن الولايات المتحدة سوف تستجِب لمطالب إسرائيل في سن قانون بالكونغرس يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان وهذا مطلبا إسرائيليا طالما اشتغلت عليه إسرائيل عبر اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة وفي الكونغرس.
فضلا عن ذلك فقد نشطت إسرائيل لدى موسكو من أجل الاعتراف بسيادتها على الجولان ولم نسمع عن أي رد فعل روسي قوي وواضح وصريح يرفض الطلب الإسرائيلي. وكل ما في الأمر أن وزير الخارجية الروسي لافروف قال بحياء وبشكل عابر أن أي تغيير لوضع الجولان يخالف القرارات الأممية. وهذا ليس الرد المفروض في هكذا حالة. أي بمعنى آخرا فروسيا ليست مهتمة إن فرضت إسرائيل سيادتها الأبدية على الجولان أم لا ، وهي تلعب على الحبلين، السوري والإسرائيلي، لاسيما أنها تعلم أن النظام السوري لا حول ولا قوة له إلا بمقدار ما تمنحه روسيا من القوة. وقد بات اسيرا بين يديها، وكما نرى فروسيا تقرر في كل الاجتماعات مع الدول الأخرى مستقبل سورية والنظام لا يعلم إلا من الإعلام، أو ينتظر أسبوعا وأكثر حتى يأتي مبعوث روسي يخبرهم بما حصل. بعد قمة استنبول بعشرة أيام بين تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا جاء مبعوث روسي لدمشق ليخبرهم بالنتائج .
في عام 1939 منحت فرنسا لواء الاسكندرون إلى تركيا وتبلغ مساحته 5400 كم 2 .
في عام 1967 وحينما كان وزير الدفاع حافظ الأسد احتلت إسرائيل 1260 كم2 من مساحة الجولان البالغة 1860 كم2 . وفي عام 1974 أعادت إسرائيل حوالي 60 كم2 وفق اتفاقية عسكرية، من المساحة المحتلة ومن بينها مدينة القنيطرة. ومنذئذٍ خرست كل أصوات المدافع والرصاص وهدير الطائرات فوق الجولان فكانت حرب 1973 هي آخر الحروب مع إسرائيل وذلك كما كان مخططا لهذه الحرب أن تكون.
لقد أعلنها أنور السادات والجميع كان متفقا معه أن حرب أوكتوبر كانت حربا تحريكية من أجل تحريك ما كان يُعرف حينه بقضية الشرق الأوسط التي كانت بالثلاجة، وبعدها تبدأ المفاوضات والتسويات ومعاهدات السلام ويُغلق باب الحروب مع إسرائيل. العرب جميعا دخلوا الحرب تحت هذا المفهوم من المغرب وحتى المشرق. وكان الاتفاق مع أمريكا (في اجتماع وزراء الخارجية العرب مع هنري كيسينجر في نيويورك) التي اتفقت بدورها مع إسرائيل بالسماح للجيش المصري والجيش السوري أن يقوما بالضربة الأولى وأن تتظاهر إسرائيل أنها فوجئت بالضربة ثم تقوم بعدها بالرد وتعيد كل شيء كما كان قبل 6 أوكتوبر وبعدها يتم وقف إطلاق النار وتنتهي الحروب العربية الإسرائيلية لغير رجعة وتُبرم اتفاقات ومعاهدات السلام. وهذا ما كان، حيث عبر الجيش المصري خط بارليف باتجاه سيناء ونزل الجيش السوري على مرصد جبل الشيخ. بعدها قامت إسرائيل بالهجوم المعاكس وعبرت القوات الإسرائيلية قناة السويس وحاصرت الجيش المصري من الخلف ، وقامت القوات الإسرائيلية بالتقدم نحو دمشق ووصلت إلى منطقة سعسع القريبة من دمشق واستعادت مرصد جبل الشيخ من الجيش السوري. ثم كان قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار والتزم به الجميع. وخرج الجانب السوري والمصري يهللان ويطبلان ويتحدثان عن النصر الكبير وأنه بات من الممكن المفاوضات مع الإسرائيلي من منطق القوة ومن بوابة النصر وليس الضعف والهزيمة. وهذا ما كان قد خطط له الأمريكي والإسرائيلي لمعرفتهم بسيكولوجية العقل العربي الذي يحب التباهي والتظاهُر بالانتصار حتى لو كان كذبا. إذا هكذا كان الإخراج.
بعد ذلك رأينا ماذا حصل من مفاوضات على الجبهة المصرية وعلى الجبهة السورية وسارت الأمور تماما كما كان مخططا لها فكانت حرب أوكتوبر 1973 هي آخر الحروب العربية الإسرائيلية. وكانت جبهة الجولان أهدأ جبهة بالعالم. بل إسرائيل طالبت، وفرِحت جدا بعودة القوات السورية مؤخرا إلى حدود الجولان من الشمال لأنها تثق بمقدرتها على حماية الحدود بدلا من التنظيمات المسلحة التي كانت هناك.
الرئيس أنور السادات كان يعي ويقول أن 99,99 % من أوراق الحل هي بيد أمريكا. فكان الجانب السوري يردُّ عليه بالقول أن 99،99% من أوراق الحل هي بأيدينا. ولكن تبيّن أن نظرة السادات كانت بعيدة واستطاع أن يستعيد سيناء المحتلة بينما الجانب السوري لم يستطع من استعادة شبرا من الجولان لأنه لجأ لأسلوب المزايدات المعروفة والخطابات الإنشائية الفارغة كما العادة ، والمراجل الإعلامية ، وعلى مبدأ : إذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا.
لو تم الانخراط بعملية سلام مع إسرائيل مباشرة بعد عام 1973 لكانت كل الجولان عادت لسورية كما عادت كل سيناء لمصر مقابل اتفاقية سلام . ولكن المزايدات وقِصر النظر فوّت ذلك وضاعت كل الفرص. وما كان يمكن أن تعطيه إسرائيل في السبعينات لم تعُد تعطيه في الثمانينات. وما كان يمكن أن تعطيه في الثمانينات لم تعد تعطيه في التسعينات. وما كان يمكن أن تعطيه في التسعينات لم تعد تعطيه بعد العام 2000 . وما كان يمكن أن تعطيه بعد عام 2000 لم تعد تعطيه اليوم، حيث رئيس وزراء إسرائيل يقول لهم وللعالم: أنسوا الجولان، هذا سيبقى تحت سيادةإسرائيل وخارج إطار التفاوض. كانت المعادلة بالماضي الأرض مقابل السلام. باتت المعادلة اليوم السلام مقابل السلام وذلك في ضوء ما وصلت له سورية من هلاك ودمار ودماء وتشتيت لشعبها. فالقضية كانت من تراجع إلى تراجع وسورية من ضعف إلى ضعف وكانت القضية كلها هي قضية الفرص الضائعة التي لم يعرفوا كيف يستغلونها نتيجة العقل المحدود المزايد الذي كان يفتقر للحسابات الاستراتيجية البعيدة. اليوم يتوسلون توسلا كي تقبل إسرائيل إعادة شبرٍ من الجولان ، ولكنها لا تقبل شيئا إلا بشروطها فقط ، وليس هناك ما يضطرها لغير ذلك. فماذا بإمكان نظام دمشق أن يفعل وطائرات إسرائيل في سمائه تقصف كلما شاءت وأينما شاءت وحتى عبارة ” الاحتفاظ بحق الرد” لم تعد قائمة، وسورية في أسوأ حالاتها وضعفها منذ رحيل الاحتلال الفرنسي؟. ربما سيبقى النظام يتحدث عن الجولان بالإعلام والسياسة والطبلة والربابة ويطالب باستعادتها ، ولكن متى أعاد الكلام والخطابات أرضا محتلة؟. خوض الحرب مع إسرائيل لأجل الجولان ليست من تفكير النظام، وليست من مقدوره. فالعدو بالنسبة له بات في داخل الحدود وليس خارجها. يعني العدو هو الشعب الذي تجرّأ وطالب بالتغيير والحرية والكرامة أسوة بشعب تونس ومصر وليبيا، وبمحاسبة الفاسدين والمافيات واللصوص الذين نهبوا البلد ورموا الشعب في غياهب الجوع والفقر والحرمان والبطالة. بل حتى الموظف بسورية يُمكن تصنيفه في إطار الباطل عن العمل لأن ما يتقاضاه من راتب هو ربع ما يقبضه المواطن في الدول المتحضرة كتعويض بطالة. الموظف السوري شحّاد يستحق الزكاة. ولكن هذا ما يريده النظام الذي انطلق دوما من قاعدة: جوِّع كلبك بيلحقك. فهم لا يرون بهذا الشعب إلا كلابا كلما جاعت تلحقك أكثر علّها تحظى بِعضْمة يرمونها له. والعضْمة كانت دوما 500 ليرة زيادة على الراتب لتنهال بعدها برقيات الشكر والتقدير لهذه المبادرة الأبوية وهذا الكرَم الحاتمي وهذا العطاء العظيم ، وكل عبارات النفاق المُجبرين على قولها تنفيذا لتعليمات الأجهزة. مع أنه حتى الخمسمائة ليرة هي من جيبة الوطن ، أو من أموال المواطنين أنفسهم، وليس من جياب مسؤولي النظام.
ضاعت اسكندرون بمساحة 5400 كم2 ، وسوف تلحقها الجولان بمساحة 1200 كم2 ( ونتمنى من الله أن لا يحصل ذلك) ومستقبلا سوف تُلحق بها عفرين وأعزاز والباب وشمال حلب وكل المناطق التي تحتلها تركيا في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، ستُلحق أيضا بالجولان ، بمساحة تقارب ستة آلاف كم2 . وستلحق بكل ذلك أيضا المناطق التي تحتلها أمريكا بمساحة تُقدّر بحوالي ثمانية وستون ألف كيلو متر مربع ( صرّحت الولايات المتحدة أنها تسيطر هي وتركيا على ربع مساحة سورية ، أي 74400 كم2 . منها 3850 كم2 مساحة مناطق غصن الزيتون ، و2000 كيلو متر مربع مساحة مناطق درع الفرات. يبقى حوالي 68000 كم2 تحت احتلال أمريكا) أي أكثر بستة مرات من مساحة لبنان. هذا هو واقع اليوم ونتمنى أن لا يكون هو واقع الغد، ونتمنى أن تكون كل تصوراتنا خاطئة، ولكن ما هو بمقدور النظام أن يفعله إن رفض الجميع الانسحاب، وهم يرفضون وسوف يرفضون اليوم ومستقبلا طالما هناك روسيا وقواعدها قائمة. ولذا يلجأ الجميع إلى التعايش مع بعض فوق الأراضي السورية وتقاسُم النفوذ والمكاسب بدل الصدام.
ضاعت سورية وضاع شعبها أمام شهوات منحرفة في التمسك بالسلطة، وأمام عقدة الرئيس الروسي من أمريكا ودول الغرب، وأمام طائفية إيران وعقدتها من السعودية. ضاعت سورية بين كل ذلك وها هم اليوم يقسّمون مناطق النفوذ فيما بينهم ومن سيطرَ أو احتلّ منطقة ما أو أرضا ما في سورية فلن يتخلّى عنها. لاسيما أن النظام ضعيف ويعيش على التنفس الاصطناعي الروسي. فالرئيس بوتين ووزير خارجيته لافروف صرحوا مرارا: لولا موسكو لسقط نظام دمشق بغضون شهرين قبل التدخل الروسي في أيلول 2015 . وكذلك يقول مسؤولو طهران أنه لولا إيران لسقط النظام. والنظام يعرف أنه لولا إيران بالبداية ثم موسكو لاحقا لكان كل رموزه اليوم يشربون القهوة المرّة في خيمة معمر القذافي حيث هو ويتبادلون الأحاديث عن ذكريات حكمهم الفاسد.
سايكس بيكو الفرنسية البريطانية قبل قرنٍ قسّمت المنطقة، ولكن سايكس بيكو الروسية الأمريكية اليوم قسّمت ما تبقى من سورية.
ورغم كل هذا هل رأينا مسؤولا سوريا انتحر لما آلت إليه أوضاع وأحوال سورية؟. بل هل رأينا بينهم واحدا استقال خجلا من نفسه؟. لم يحصل ذلك لأن الشعور الوطني معدوم، والإحساس بالكرامة غير موجود، وهؤلاء أصبحوا عبيدا للمال والسلطة ودونها لِتفنى البلاد والعباد. فتراهم بوقاحة يتحدثون عن الانتصار ويضحكون ويدبكون ويرقصون ويحتفلون وكأن شيئا لم يكن، ولا يرون أن سورية مُقسّمة كمناطق نفوذ واحتلال بين خمسة أو ستة دول. لقد عقدوا الصفقة مع بوتين . قدّموا له سورية وثرواتها وأراضيها وكأنها مُلكا خاصا لهم ليفعل بها ما يريد مقابل حمايتهم في السلطة. ولو ترك لهم بوتين فقط مساحة خمسة كيلو مترات مربعة تضم القصور التي يتنعمون بها، ومبنى الإذاعة والتلفزيون كي يعرض صورهم و ” بطولاتهم” وعنترياتهم، ومبنى الأوبرا كي ينظموا فيها الاحتفالات والخطابات والرقصات والدبكات، لاكتفوا بذلك فقط مقابل استمرار الحفاظ بالألقاب والمزايا والمكاسب وتكديس المزيد من الثروات. فهل هؤلاء بشرا ولديهم أحاسيس البشر؟.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع