أخبار عاجلة
الرئيسية » صور مختارة » قصة صورة بقلم سلام كواكبي

قصة صورة بقلم سلام كواكبي

ليل الأمس، وبعد يوم طويل من الأحداث الشخصية والعامة المتراكمة والمتقاطعة، حاولت الخلود إلى النوم الضروري لتغذية الجسم بما يسمح من الطاقة واسترجاع ما أمكن من القدرة في اليوم التالي على العمل الإيجابي، وقررت الامتناع عن قراءة الأخبار والانصراف إلى قراءة التاريخ، فانغمست في صفحات كتابٍ فرنسي عن مرحلة الانتداب على سوريا، والتي من خلال ثناياها يمكن لنا أن نستوضح الكثير من جذور الحركات الاجتماعية أو الأحزاب السياسية أو المواقف الطائفية في هذا البلد. فاتني الحال أن اغلق حاسوبي الذي سرعان ما نبهني إلى وصول رسالة على إحدى وسائل التواصل المتعددة فيه، وعلى الرغم من قراري السابق، إلا أن التطفل دفعني إلى فتح الرسالة، لأجد ما سيدفعني لأن أمضي ليلة بيضاء بعيدة عن أي نوع من أنواع النوم.

قال لي صديقٌ عزيزٌ فيها إنه كان في جولة على عدة أحياء في حلب القديمة التي أصابها الدمار الشامل فاستوقفه مشهد اعتقد بأنه سيؤثّر بي. لقد كانت الصورة عالية الدقة، مما يتيح للمتمعّن رؤية أدقّ التفاصيل فيها. فخضت فيها وفي الدمار المُركّب الذي احتوته، متسائلاً عما يُميّزها عن سواها اللواتي أدمعنا المقل في النظر إليهن منذ سنوات؟ دمار عبثي وأحجار مترامية وأعشاب بين الصخور وعمارات ممزقة في عمق المشهد تنقل لنا حالة الموت السائد، فما “الغرابة” في ذلك؟

إنه تعب النهار المتراكم وتعب العيون المنتفخة وتعب الدماغ الرافض للاستعجال في فهم المشهد. فتركت الصورة القادمة للتو وحيدةً من دون وحدة إلى جانب آلاف صور الدمار التي يكتظّ بها حاسوبي والتي خُيّل لي يوماً أنها أدوات مساعدة في شرح حجم المأساة السورية أثناء محاضراتي. وفجأة، انتبهت إلى صفحات ممزّقة تفترش الدمار، فأمعنت النظر في عنوانها لأقع على كتاب “الرحالة ك” للراحل عباس محمود العقاد وهو أول سيرة تحليلية لمسار النهضوي الراحل عبد الرحمن الكواكبي صاحب “طبائع الاستبداد” و “أم القرى”. انتابتني لحظتها قشعريرة كمن رُمي عارياً في بحيرة من الثلوج. رجفت كل أوصالي، وامتلأت عيناي بالدمع الجامد، وتراقصت شفتاي بكلامٍ لا معنى له، وتضاربت مفاصلي التي بالكاد خرج جزءٌ منها من غرفة العمليات منذ أيام قليلة. نبضات متلاحقة في القلب وفي الأوردة يُكاد صوتها يُسمع خارجاً، وصدرٌ ضاق به التنفس حتى شعر صاحبه بالاختناق.

لا شقائق النعمان من بين الركام تدلّنا على مراقد الموتى الذين سقطوا بالآلاف، بل أوراق من كتاب ممزّق يحكي فيه مؤلفه عمن ظن يوماً بأن ما يكتبه سيتم تجاوزه بعد سنوات معدودات لأن الإنسان، وبحكم المنطق، سيرعوي ويستيقظ من حال الركود والإذعان، ليقف في وجه المتسلطين على حياته ورقاده ومماته.

الاستبداد الذي قارع أشباحه ومصاصو دمائهِ وعمّاله ومتمجّدوه ذات يوم صاحب الكتاب ونالوا منه ورموه في السجون ودفعوه إلى منفاه، هو نفسه من رماه اليوم بين أنقاض مدينته وفي الحي نفسه الذي سكنه وعرف نضالاته وجدالاته مع عملاء السلطان منذ قرنٍ ونيّف، والذين يحلو في يومنا هذا لنوستالجيا الاستبداد أن تُعيد تأهيلهم وتعتبر زمنهم الأغبر، زمن نهاية الرجل المريض، وكأنه فترة الازدهار للأمة.

صور الدمار والموت أكثر من أن تُعدّ وتُحصى، لكن هذه الصورة في غيهب الليل كانت أشدّها وطأة. لقد أحالتني إلى استعادة الشخص واسترجاع الرمز. تصوّرته يمشي بجلبابه الأبيض على هذه الأنقاض لا ينبس ببنت شفة. صمته يقتلني، وهو بين الفينة والأخرى، يستدير باتجاهي ليرمقني بنظرة مبهمة التفسير لكنها تغرز سيفها في عنق حنجرتي مانعةً عني الكلام وتاركة لدموعي أن تنهمر على موسيقى “في ضوء القمر” لبيتهوفن الذي لم يسكن هذا الحي قط.

سامحك الله يا صديقي على ما فعلته بي، وشكراً صادقاً عليه. وأنا الذي كنت أستعيد الكواكبي الجد في بعض الليالي

سائلاً عن حالنا وعن مآلنا، عبر القراءة في النصوص والتي صدق من قال فيها يوما إنها وُجدت لكي تستخدم كتغريدات قبل عشرات السنين من وصول العلم لاختراع وسائل التواصل الاجتماعية المغرّدة. ففي كل جملة أو اثنتين، بحيث لا يتم تجاوز العدد المحدود من الكلمات للتغريدات، الثري من العبر والمكتمل من المعنى. يا عبد الرحمن، كنت ترافقني ككتاب السرير الذي لا يتخلى عني. مالك اليوم ترتمي بصفحات ممزقة بين الدمار؟

“إننا مدينون لك بالاعتذار يا جدي، فبعد أكثر من مئة سنة على وفاتك ما زال الاستبداد منتصراً، ما زال قادراً على سحقنا، وما زلنا نقف أمامه بخنوع وذل، وكتاباتك تذروها الرياح على حطام أرواحنا”.