أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عندما كانت سورية تُدَمّر بالمُفَرّق ! بقلم مصطفى الدروبي

عندما كانت سورية تُدَمّر بالمُفَرّق ! بقلم مصطفى الدروبي

حين سطا الديكتاتور بليل على السلطة، وانقلب على رفاقه غدراً بعدما اتهموه بالجنوح يميناً، سارع ليتغدى بهم قبل أن يتعشوا به، فقد أودعهم سجن المزّة لينهشهم لاحقاً خنجر التآمر والعزلة القاسية والمرض العضال، بينما أخذت الماكينة الإعلامية المُستولى عليها ترفع نبرتها عالية، وجوقة المؤلفين والملحنين والمغنين والمطبّلين والمزمّرين تصرخ بملء فيها: “معك الشعب.. كل الشعب.. الله معاك يا حبيب الشعب”، وبأسلوب نفعي مفضوح واستناداً لقاعدة “تمسكن حتى تمكن”..

راح يرتب حافظ الأسد سلطته اللا شرعية بحنكة ومكر شديدين، ففتح قناته الأولى مع أحمد كفتارو الممثل الروحي للبرجوازية الدمشقية، الذي من خلاله عبر الساطي وبالتدرج نحو إرساء سلطته وتمكنه من الهيمنة على الدولة ومؤسساتها، وخاصة منها المؤسستين القمعيتين الجيش والأمن، وحين استقر له الحكم بدأ بتنفيذ أجندته الجهنمية، والمتمثّلة بشراء الولاءات والذمم والاستناد لأشباه الرجال، وهو الذي لم يقرّب يوماً من مجلسه وطيلة فترة حكمه رجلاً أبيّاً واحداً يشار إليه بالبنان، ثم تمادى أكثر عندما بدأ بتقريب أبناء عائلته ليمنحهم واسع السلطات متبوئين أعلى المراكز، حتى أضحوا مصدر أحاديث الناس همساً، خشية تعرضهم لما لا تحمد عقباه..

بعد ذلك بدأت إشاعة عبادة الفرد عبر الإعلام ذي اللون الواحد، وكذلك من خلال مؤسستي الجيش والتعليم، وذلك من خلال طلائع البعث وشبيبة الثورة وقواعد الحزب الحاكم، لتضفي بظلالها الشمولية على المجتمع بعمومه. وحين انفجر الصراع بين “الإخوان المسلمين” والنظام، قام هذا الأخير بسحق هذا التنظيم بلا رحمة ثم تمادى بعد ذلك بضرب القوى الديمقراطية بيد من حديد، ناشراً ثقافة الخوف والتوجس عبر أسلوب قمعي شرس، ومن خلال آلية همجية منفلتة من عقالها، حيث طالت الناس خبط عشواء ولكل من اشتكى من جور تلك المرحلة أو التحدث عن التجاوزات التي فاقت الوصف لعسسه ومخبريه ومفارزه الأمنية، التي انتشرت كالفطر السامّ بطول البلاد وعرضها.

أما النسيج الاجتماعي المتماسك للسوريين تاريخياً، فإنه بدوره قد تعرض للهتك والضرر البالغ، حيث السوريون وعبر تعايشهم المشترك والمديد كانوا على الدوام موحدين، وأن فرنسا لم تستطع أن تفكّك هذه اللحمة عبر كل وسائلها الاستعمارية خلال فترة الانتداب، التي امتدت لربع قرن. وهي التي كانت تشكل القوة الثانية كولونيالياً على مستوى العالم آنذاك، حيث رد السوريون وبشكل مدوٍ على محاولاتها الطامحة لخلق صراع طائفي بين المكونات السورية، عملاً على تفكيك المجتمع السوري وتذرير جغرافيته من خلال إنشاء دويلات مصطنعة، إلا أنها فشلت كل محاولاتها هذه حيث خرج السوريون جزيرة وشاميّة رافضين المحاولات الخبيثة لقوى الاستعمار، بل أعلنوها ثورة كبرى بعد سنين خمس من عمر الانتداب، واختاروا فارساً وطنياً شجاعاً من أبنائهم، الذي ينتمي لأصغر طائفة دينية في البلاد قائداً لهم.

لقد استطاع النظام الأسدي تحقيق ما عجز عنه المستعمرون من قبله، حيث أحال البلاد مزرعة عائلية وأطلق عليها اسم عائلته حتى كاد أن يسميها الجمهورية الأسدية، واشتغل على تدميرها بالمفرّق وبشكل ممنهج، وشجّع على توريط جيش جرّار من الإداريين والعسكريين بصفقات الفساد والإفساد، متبعاً قاعدة “إفساد من لم يُفْسَد بعد” ومهمّشاً في الوقت ذاته كل أحرار وحرائر سورية، ومدمّراً منظومة القيم الوطنية المُتَوارثة، وكذلك نظام التعليم الذي وصل إلى حد الانهيار بسبب سطوة الأجهزة الأمنية على مفاصله، وعبر كل المراحل التعليمية. وأصبح حديث الناس يدور ليل – نهار، عن حجم الفساد المخيف وعن إمّعات ونكرات تسلّطت وأثّرت بشكل فاحش واستفزازي، محتلة أهم المواقع الإدارية ومراكز المسؤولية في البلاد.

إن كل ما قام به هذا النظام الشمولي العائلي البيروقراطي الفاسد، أوصل البلاد الغنية بمواردها الكثيرة إلى حد الفاقة والبطالة الواسعة واليأس، وانسداد الآفاق. وحين نزل شباب سورية للميادين مطالبين بالإصلاح ثم باسقاط النظام لاحقاً، قام هذا النظام الـ”جمهوملكي” الوراثي بإطلاق الرصاص الحيّ على جباه الثائرين الأباة بكل حقد ولؤم لا مثيل لهما، لتنداح الأحداث لاحقاً وتنحرف البوصلة نحو العسكرة التي توسّلها النظام وبكل أساليبه الهمجية، ليدمر البلاد لاحقاً بالجملة مفرطاً بكل سيادة أو إرادة أو مقام.

مصطفى الدروبي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع