أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » أوكرانيا وروسيا: احتمالات الحرب ومداها / الوضع أخطر بكثير مما كان عليه أيام ضمّ شبه جزيرة القرم الأوكرانية لروسيا 2014

أوكرانيا وروسيا: احتمالات الحرب ومداها / الوضع أخطر بكثير مما كان عليه أيام ضمّ شبه جزيرة القرم الأوكرانية لروسيا 2014

كان متوقعاً حصول صدام مباشر بين الجيشين الروسي والأوكراني، خصوصاً في مضيق كيرتش الرابط بين البحر الأسود وبحر آزوف المتفرّع منه. في مكان ما كان واضحاً أن الحرب الدائرة في الشرق الأوكراني (حوض دونباس الذي يضمّ لوغانسك ودونيتسك)، بين الانفصاليين المدعومين من روسيا والحكومة في كييف، ستتطوّر إلى هذا الصدام. الأمر كان عبارة عن مسألة وقت لا أكثر، بعد 4 سنوات على صدام شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا إليها وسط غياب إرادة سياسية عالمية بمواجهة سلوك موسكو الاستفزازي. يوم الأحد الماضي، حصل الصدام البحري بين موسكو وكييف، في المضيق، الذي انتهى باحتجاز الروس لثلاث سفن عسكرية أوكرانية، “بيرديانسك”، و”يانو كابو”، و”نيكوبول”. الحادث شرّع الباب أمام احتمالات تطوّر الوضع ميدانياً، وانعكاسه بالسلب على الوضع العام للبحر الأسود، وذلك في الذكرى الخامسة على حراك “الميدان” في كييف، ضد الرئيس المخلوع، المدعوم روسياً، فيكتور يانوكوفيتش.

في تفاصيل الحادث، يوم الأحد الماضي، كشفت البحرية الأوكرانية أن “سفنها كانت في طريقها إلى بحر آزوف وفقاً للقواعد البحرية الدولية”، في الوقت الذي اتهمت فيه روسيا أوكرانيا بعدم الحصول على إذن بالمرور عبر مضيق كيرتش الذي يفصل شبه جزيرة القرم عن البر الرئيسي الروسي. والمضيق الضيق هو الممر الوحيد بين البحر الأسود وبحر آزوف، ويمتد على جسر طوله 19 كيلومتراً انتهت روسيا من بنائه في شهر مايو/ أيار الماضي، علماً أنه كان مقرراً الانتهاء منه في شهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل، غير أنه تمّ استباق الأعمال. كما أن المضيق يعرقل بشكل طبيعي الحراك البحري بين ماريوبول وأوديسا الأوكرانيتين. ففي السابق، كانت البحرية الأوكرانية تجول في هذين المرفأين، ومعهما مرافئ القرم، من دون قيود، لخضوعهما للسيادة الأوكرانية، أما الآن، فإن الخطوة الروسية تعني أن على الأوكرانيين الاعتماد على مرفأ أوديسا فقط للعمليات البحرية.

وأفاد الجيش الأوكراني بأن “ستة أفراد من الطاقم البالغ عدده 23 على متن سفنه الثلاث أصيبوا بجروح”. أما جهاز الأمن الفيدرالي الروسي المسؤول عن خفر السواحل، فأشار إلى أن “ثلاثة من البحارة الأوكرانيين أصيبوا بجروح طفيفة وقدمت لهم المساعدة الطبية”، مضيفاً أن “القوارب الأوكرانية تم قطرها إلى ميناء كيرتش القريب”، وبطبيعة الحال تمّ أسر الجنود الأوكرانيين الـ23.

على أثر الحادث، تصاعد التوتر. قصف الجيش الأوكراني بعنف أحياء تابعة للانفصاليين، في ياسينوفاتا ـ دونيتسك، بالقرب من أفديفكا، واندفعت عناصر من اليمين الأوكراني القومي إلى السفارة الروسية في كييف، وقامت برشقها بالحجارة، وأحرقت سيارة دبلوماسية روسية هناك، كما نُظّمت احتجاجات عدّة أمام القنصليات الروسية في مدينتي لفيف وخاركيف الأوكرانيتين. عليه، استدعى الرئيس الأوكراني مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، وقدّم اقتراحاً بين “إعلان الحرب” أو “فرض الأحكام العرفية”. تبنّى المجلس “فرض الأحكام العرفية”، وتلا الأمر إعلان وزارة الدفاع الأوكرانية وضع تشكيلات ووحدات القوات المسلحة الأوكرانية وإدارة الأمن الأوكرانية في حالة تأهب قصوى. وعاد بوروشنكو وترأس اجتماعاً طارئاً لمجلس الوزراء، صباح اليوم الاثنين، وقال: “إن الفعل الروسي نعتبره عملاً عدوانياً ضد دولتنا وتهديداً خطيراً للغاية. للأسف، لا توجد خطوط حمراء للاتحاد الروسي”.

وتُعتبر “الأحكام العرفية” لـ60 يوماً، خطوة مهمة في سياق عسكرة الدولة الأوكرانية، ولا تعني حرباً مباشرة مع روسيا، بل خطوة أخيرة قبل إعلان الحرب. ويستدعي ذلك بقاء الجيش الأوكراني على أهبة الاستعداد لأي طارئ. وقد تكون منفذاً لبوروشنكو، الذي يعاني سياسياً في الداخل الأوكراني، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 31 مارس/ آذار المقبل، علماً أن الرئيس الحالي لم يحسم ما إذا كان سيترشح لولاية ثانية أم لا. أما حاكم المصرف المركزي الأوكراني، ياكيف سموليي، فأكد استعداد المصرف لدعم العملة المحلية (الهريفنيا الأوكرانية).

روسيا، لم تنكفئ، بل اعتبرت أن “السفن الأوكرانية خرقت المياه الإقليمية الروسية من دون إنذار”، واستدعت القائم بالأعمال الأوكراني، واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن “الحادث في البحر الأسود مخطط له مسبقاً من قبل أوكرانيا من أجل التسبب بردة فعل”، متهماً أوكرانيا بـ”استخدام أساليب خطيرة في مضيق كيرتش”. كما وصف ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لوكالات الأنباء الروسية، أمس الاثنين، الحادث بـ”الاستفزاز الخطير من جانب أوكرانيا، ويستحق اهتماماً خاصاً وتحقيقاً دقيقاً”.

في المقابل، عمد الحلف الأطلسي إلى التحذير من المساس بالسيادة الأوكرانية، داعياً لحرية الملاحة في بحر آزوف. أما الاتحاد الأوروبي، فدعا لضبط النفس بين البلدين. كما اعتبرت المستشارة الألمانية “إعاقة روسيا الملاحة في بحر آزوف غير مقبولة”. أما الأميركيون، فنشطوا ميدانياً، مع تحليق طائرة “آر كيو – 4 غلوبال هوك”، المخصصة للاستطلاع والمخابرات، في الجبهة الشرقية بين القوات الحكومية الأوكرانية والانفصاليين.

وسط هذا الضجيج، برز دور تركيا، التي تحتفظ بعلاقة جيدة مع الجانبين، فدعت وزارة الخارجية التركية كلاً من روسيا وأوكرانيا إلى “التهدئة”، مركّزة على “أهمية ضمان حرية الحركة في مضيق كيرتش”. ومن دون أي إشارة إلى روسيا، شدّدت على ضرورة احترام القانون الدولي. فلتركيا دور هام، كونها تشترك في أنبوب الغاز، “السيل الجنوبي” (السيل التركي)، الذي دُشّن جزء منه، الأسبوع الماضي، خلال لقاء بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين. الخط العابر في البحر الأسود، والمفترض أن يزوّد أوروبا بالغاز انطلاقاً من جنوب القارة، سيتأثر سلباً بأي توترات أمنية في الجوار.

مع العلم أنه في عام 2008، حين اجتاح الجيش الروسي جورجيا، كان خط أنابيب “نابوكو” أحد عناوين الصراع، وكان من المفترض أن يضخّ الأنبوب النفط من بحر قزوين، عبر أذربيجان، ثم جورجيا. غير أن انتماء الرئيس الجورجي السابق، ميخائيل ساكاشفيلي، للأطلسي والغرب، بحسب روسيا، دفعها، من خلال استغلال أزمة أوسيتيا الجنوبية، لاحتلال جورجيا أياماً عدة، بغية إسقاط المشروع برمته. ومع فشل مساعيها، سعت لاستبداله بخط “السيل الجنوبي”، والذي سبق أن اقترحته شركة “غازبروم” الروسية لإحباط مشروع “نابوكو”. مشروع “غازبروم” تحوّل إلى أولوية روسية، واستطراداً إلى مسار بوشر العمل به.

هل يمكن أن يتحوّل كل ذلك إلى حرب روسية ـ أوكرانية؟ يمكن القول إن الوضع بات أخطر بكثير مما كان عليه أيام ضمّ شبه جزيرة القرم الأوكرانية لروسيا، ربيع 2014، لكن الحرب بحدّ ذاتها، قد تُشكّل مأزقاً للجميع، لا حلاً. الغرب غير قادر على دعم أوكرانيا، في حال قررت روسيا اجتياحها، خصوصاً أن الاعتماد على الغاز الروسي يجعل من أوروبا أسيرة الكرملين. الأطلسي، ورغم إنهائه أكبر مناورات في تاريخه في النرويج، مطلع الشهر الحالي، غير قادر على مواجهة روسيا، إذا ما كان فاقداً للدعم الأوروبي من جهة، والعنصر التركي من جهة أخرى. عليه، فإن ترجيح تأجيج الحرب في الشرق الأوكراني بين الحكومة والانفصاليين، هو الخطوة المقبلة، ما يضع أيضاً اتفاقات “مينسك” في مهبّ الريح.

بيار عقيقي