أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » مجاهدو خلق بين ضرورة النشأة وضرورة تغيير الواقع بقلم الباحث أسامة محمود آغي

مجاهدو خلق بين ضرورة النشأة وضرورة تغيير الواقع بقلم الباحث أسامة محمود آغي

البحث في حركة مجاهدي خلق الإيرانية ودورها السياسي يستدعي بالضرورة معرفة الشروط الموضوعية لولادة هذه الحركة في ستينات القرن العشرين، فالدولة الإيرانية التي كانت ذات نظام حكم وراثي، ويحكمها الشاه رضا بهلوي، لم تكن دولة وطنية بالمعنى الحقيقي لمفهوم الوطنية، بل كان نظام حكم الشاه يعمل من أجل المحافظة على مصالحه في زيادة تبعية بلاده الاقتصادية والسياسية لمصلحة الدول الغربية وفق علاقةٍ كولونيالية تضرّ بمصالح الشعب الإيراني.

ويمكن القول إنّ حركة مجاهدي خلق تستند في عمق وعيها الوطني للدولة الإيرانية المنشودة إلى المرحلة التي سبقتها بسنوات التي لعب فيها محمد مصدّق (1880 – 1967) دوراً مهماً في تحرير الثروة البترولية الوطنية(1)، إذ إنه عمل على تأميم عددٍ من شركات النفط الأجنبية في إيران، واستطاع عزل شاه إيران رضا بهلوي عن عرشه في المدّة التي كان فيها مصدّق رئيساً للوزراء بين عامي (1951 – 1953) محمد مصدّق الذي أسّس الجبهة الوطنية عبر طيف واسع من الإيرانيين العلمانيين، واستطاع عبر نوابها في البرلمان تمرير قانون تأميم النفط الإيراني(2) الذي كان تعبيراً عن حراك الطبقة الوسطى النامية في إيران آنذاك، وعن طموحاتها الوطنية والاجتماعية والسياسية.

مجاهدو خلق؛ التأسيس والأهداف

تُعتبرُ حركة مجاهدي خلق الإيرانية تعبيراً سياسياً عن مصالح الطبقة الوسطى في إيران التي نما دورها في مطلع خمسينات القرن العشرين. وهي حركة ذات توجه أيديولوجي ترى في الإسلام أيديولوجيا ديمقراطية ذات ميكانيكية، ويمكن اعتبار الحركة تنظيماً سياسياً إيرانياً يعتمد على العمل المسلح، ويجمع بين الإسلام والماركسية، أسس عام 1965 على يد محمد حنيف نجاد بهدفٍ معلنٍ هو إسقاط الشاه(3).

ويرى مؤسسو حركة مجاهدي خلق أنّ قراءةً عميقةً وصحيحةً للدين الإسلامي ستكون كفيلة بتحقيق العدالة والحرية والديمقراطية في إيران. وأنّ جوهر الإسلام يرتكز على مفهومي (الفداء والصدق). هذان المفهومان يساعدان على فهمٍ موضوعي للإسلام، إذ من دونهما لا يمكن إزالة أي اضطهاد يلحق بالشعب.

ويمكن اعتبار حركة مجاهدي خلق الإيرانية حركةً تعمل على تطوير مفهومات ذات بعدٍ إسلامي شيعي ثوري، ما أعطى للإسلام شكلاً أكثر تشدداً، فالحركة جعلت مبادئ التوحيد والجهاد والاستشهاد عقائد سياسية ثورية، وفي الوقت نفسه أدخلت مفهومات يسارية ذات مرجعية ماركسية إلى تفسيرها للإسلام، وهذا الأمر أدى إلى انشقاقٍ في صفوفها عام 1975، ليخرج منها تنظيمان، أحدهما يحمل الفكر الماركسي، والآخر يحمل الفكر الإسلامي. إذ اعتبرت حركة مجاهدي خلق نفسها حركةً إسلامية ثورية، وعملت على تثوير الثقافة الشعبية ومعتقدات حاضنتها الاجتماعية الضرورية من أجل تحقيق هدف بناء مجتمع إسلامي حقيقي يزول منه الظلم والاستغلال.

لكن قبل حدوث الانشقاق في الحركة قام شاه إيران رضا بهلوي في الخامس والعشرين من شهر مايو/ أيار عام 1972 بإعدام مجموعة من مؤسسي حركة مجاهدي خلق.

ويحق للمراقب أن يتساءل لماذا سُمّيت حركة مجاهدي خلق بهذا الاسم. فالاسم مجاهدي خلق يعني وفق اللغة الإيرانية مقاتلون في سبيل الله، لذلك نهضت الحركة بالعمل المسلح واعتبرته طريقاً أساسياً لإزالة الظلم وإحقاق الحق. فالحركة منذ بدء انطلاقتها قامت بعمليات عسكرية، واعتبرت نفسها حركةً ثوريةً وديمقراطية ووطنية مسلحة. ويمكن اعتبار الحركة امتداداً تاريخياً وطبيعياً لحركة النضال القومي والتحرري للإيرانيين. أي بمعنى آخر يستطيع المراقب لهذه الحركة أن يُطلق عليها صفة تيار إسلامي تقدمي.

كان شعار المنظمة فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، وهو شعار يجسّد روح المقاومة المسلحة ضد نظامٍ تعتبره الحركة نظاماً ظالماً للشعب وقاهراً لحرياته.

إنّ دراسة العلاقة بين نظامٍ ملكي استبدادي يعتمد في الحكم على أدوات القهر ضد الشعب، وعلى التبعية السياسية والاقتصادية للغرب، وفئات المجتمع الوسطى الأكثر تأثراً بهذا الاستبداد، يدفع إلى القول إنّ البنى الاجتماعية الإيرانية في النصف الثاني من القرن العشرين لم تكن بنىً ذات أنساق اقتصادية متطورة، ينعكس تطور وضعها على تطور البنى الاجتماعية. هذا الغياب العميق لتشكل بنىً أكثر تقدماً وتبلورها بالمعنى التاريخي سمح باعتماد أيديولوجيا خلطت بين معتقدات الناس الإسلامية وما يجري من حركات تحرر ثورية في العالم. العلاقة بين هذين المستويين تكشف مسار أحداث لاحق، لم يستطع بعد بلورة سبل التطور الاقتصادي والاجتماعي في إيران. هذا التشوش والغبش الفكري كان أساساً متقدماً لغياب التصور المؤسسي الذي ينظم الأيديولوجيا والممارسة السياسية لحركة مجاهدي خلق. هذا الغياب هو من يقف خلف فشل الطبقة الوسطى الإيرانية في حمل مشروع بناء دولة ليبرالية ذات نهج ديمقراطي، تنمو على أرضية القوى السياسية كلها التي تعبّر عن مختلف فئات المجتمع الإيراني.

هذه الحال لم تتغير بعد سقوط نظام الشاه عام 1979، وصعود مجموعة الخميني التي كانت أكثر تنظيماً من مجاهدي خلق وباقي التنظيمات. ولذلك بقيت المهمة الرئيسة التاريخية هي مهمة إعادة بناء أطر الدولة الوطنية عبر بناء منظومة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، تعتمد على الاستفادة من الطاقات المتاحة لدى الإيرانيين، وهذا ما دفع حركة مجاهدي خلق إلى الاصطدام المسلح مع مجموعة الخميني التي ركبت على ظهر الثورة الشعبية الإيرانية، وقادتها في غير مساراتها بوساطة أذرعها العسكرية والأمنية المنظمة.

إذاً يمكن القول إنّ الطبقة الوسطى الإيرانية التي كان عليها أن تقود البلاد إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية فشلت في مرحلة الثورة في قيادة المرحلة، وأتاح فشلها تسلق المؤسسة الدينية الشيعية الرسمية للسلطة، بحيث أعادت هذه المؤسسة بناء نظام استبدادي شمولي قهري، يُمسك بيديه كل خيوط السلطة الزمانية والدينية عبر مفهوم ولاية الفقيه. لذلك تكون التنمية الحقيقية للمجتمع الإيراني قد تراجعت في مستوياتها المختلفة عن التطور لمصلحة مفهومٍ آخر هو الهيمنة الداخلية والاقليمية، عبر مفهوم تصدير الثورة وهذا ما جعل أن تصبح الحداثة مفهوماً خارج التاريخ، بسبب السيطرة الدكتاتورية لنظام الملالي رجال الدين بعد الثورة الإسلامية التي اتخذت الإسلام غطاءً لها ولسيطرتها(4).

مجاهدو خلق والثورة الإيرانية

سقوط شاه إيران رضا بهلوي، وبدء صعود مجموعة الخميني إلى السلطة دفع حركة مجاهدي خلق إلى رفض أن تتجمع السلطتان الزمنية والدينية بيد فردٍ واحدٍ هو الخميني بصفته التي ابتدعها بنفسه ولي الفقيه.

رفضُ مجاهدي خلق استبدال دكتاتورية الخميني الدينية بدكتاتورية الشاه دفعها منذ البدء إلى رفض هذه الحالة، وجعلها في مواجهةٍ مباشرةٍ مع السلطة الخمينية الجديدة. كان الجوهر الفكري والسياسي لحركة مجاهدي خلق يقوم على المطالبة بإلغاء كل تمييز ديني أو طائفي أو إثني بين مكونات الشعب الإيراني. فالحركة كانت تطالب بضرورة حلّ كلّ المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعوق تطور البلاد ونهضتها. هذه الرؤية أبعدت عن الحركة طابع الفئوية الطائفية، وجعلت منها منصة عمل وطني تلتحق بها مكونات الشعب الإيراني. لكنّ هذه الرؤية جعلت من الحركة منظمةً خطرة، تُهدّد سلطة الخمينية الدينية، ولذلك كان المطلوب تصفية هذه الحركة وإبعادها عن طريق الهيمنة الخمينية. لقد دخلت المنظمة في اشتباكات دامية مع الحكومة الإيرانية، وقُتلَ واعتُقلَ في إثرها كثير من عناصرها، واضطرت إلى اللجوء إلى المنفى، لتواصل حربها على نظام الجمهورية الإسلامية بشعار (بناء دولة ديمقراطية إسلامية بديلة). ولا تتردد الحركة بتسمية نظام الحكم الحالي في إيران بنظام الملالي الذين تتهمهم الحركة بالسيطرة على مقدرات البلاد ونهبها.

المواجهة العسكرية بين نظام الخميني الديني وحركة مجاهدي خلق دفع الأخيرة إلى الخروج من البلاد نتيجة عمليات التصفية الجسدية والسياسية التي تتعرض لها، وهذا الخروج جعل من بغداد عام 1986م معقلاً رئيسياً للحركة وكوادرها في المنفى، وجعل من الأراضي العراقية منطلقاً لهجماتها ضدّ إيران، سواء كانت منشآتٍ أم أشخاصاً من مسؤولي النظام، فالحكومة العراقية التي كان يقودها الرئيس السابق صدّام حسين كانت توفّر لحركة مجاهدي خلق العتاد والتدريب والمستلزمات العسكرية كلها، وهذا ما دفع حكومة الخميني إلى وصفهم بالخونة.

عملياً؛ 1987 أنشأت حركة مجاهدي خلق ذراعاً عسكرياً لها بمسمى جيش التحرير الوطني لإيران. هذا الجيش تبنّى عمليات عدة في إيران، منها مهاجمة أنابيب النفط عام 1993، ومنها هجومه على مسجد الإمام الخميني قرب طهران.

لكنّ حركة مجاهدي خلق اضطُرت بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 إلى الموافقة على نزع سلاحها وتجمعيها في معسكر أشرف شمال شرق العاصمة العراقية بغداد. ووافقت الحركة عام 2012 على مغادرة المعسكر للإقامة قرب بغداد قبل أن يغادروا العراق إلى ألبانية بناءً على طلب السلطات الأمريكية والأمم المتحدة، وحصل ذلك في شهر أيا/ مايور من عام 2013م(5).

التناقض والصراع مع الخمينية

لم يغب التناقض والصراع بين مكونات الثورة الإيرانية عام 1979 عن المشهد العام، فمنذ بدء الثورة تفجّرت التناقضات بين المكونات المشاركة في هذا الحراك الكبير. وعبّرت هذه التناقضات عن درجة التباين العميق في الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين هذه المكونات. فمجموعة الخميني الأكثر تنظيماً من باقي المجموعات السياسية الإيرانية عملت على تثبيت مفهوم ولاية الفقيه في الدستور الإيراني الجديد باعتباره أساساً نهائياً لقيام دولة دينية إسلامية وفق مفهوم الشيعية الرسمية التي كان ينطق باسمها الخميني. هذا المفهوم يُعتبر القاعدة الصلبة لاحتكار السلطتين الزمنية والدينية، ويلغي عملياً مفهوم الديمقراطية، وتداول السلطة عبر انتخابات ديمقراطية حرّة. وهو مفهوم طرحه الخميني وتبناه، إذ منحت نظرية الولي الفقيه الإمام الخميني السلطة المطلقة على الأمور كلها؛ الدينية والاجتماعية والسياسية، لشخصية دينية بارزة واحدة، يجري اختيارها قائداً أعلى للثورة ومصدراً معصوماً من المنافسة والمحاكاة. إن ولاية الفقيه كما يطرح المؤمنون بها هو مفهوم إلغاءٍ للآخر المختلف فكرياً وسياسياً واجتماعياً. وهذا ما جعل من مجموعة الخميني مجموعةً سياسيةً تقطعُ مع الفئات الاجتماعية كافة الموجودة في النسيج المجتمعي الإيراني من خلال السيطرة بالقوة. هذا المفهوم عمل على تحويل مسار التطورات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد لمصلحة مفهومات الهيمنة والسيطرة (ولاية الفقيه). ومن ثم لمصلحة اعتقاد عميق يقول بضرورة إعادة بعث الإمبراطورية الفارسية بثوب جديد ظاهره إسلامي شيعي، وباطنه سيطرة مطلقة على المنطقة والبلاد.

مفهوم ولاية الفقيه هو مفهوم يتناقض أيديولوجيا مع مفهوم الإسلام أيديولوجيا ديمقراطية ذات دينامية. فالمفهوم الأول هو مفهوم تكثيفٍ عالٍ للسيطرة الأيديولوجية والسياسية، وتركيزها بيد شخص الولي الفقيه. وهذا يعني في الحصيلة جعل مركز مرشد الثورة مركزاً فوق القوانين جميعها. فهو الجهة الرئيسة التي يمكنها رفض أي تشريع أو إجراء حكومي وردُّه. بينما يشكّل مفهوم الإسلام أيديولوجيا ديمقراطية ذات دينامية تعبيراً عن فكرٍ معاصرٍ تتيحه شروط درجة التطور الاجتماعي في إيران، إذ يلعب هذا المفهوم دور جذبٍ فكري للشباب الإيراني الذي يريد معرفة دينه وثقافته وتاريخه بصورة لا تتناقض مع حركة التطور في العالم الحديث. ولذلك فإنّ هذا التيار له حامل رئيس هو الطبقة الوسطى من التجار والصناعيين وطلبة الجامعات والمثقفين والفئات الصغرى من رجال الدين.

التناقض بين حركة مجاهدي خلق من جهة نظام مجموعة الخميني من جهة أخرى هو تناقض بنيوي عميق بين اتجاه يريد تحرير البنية المجتمعية الإيرانية وانفتاحها على محيطها الإقليمي والدولي، واتجاه يريد إغلاق البنية المجتمعية الإيرانية على مفهوماته الضيقة، واستحواز محيطها الإقليمي وفق قوانين انغلاقه على نصّه غير التاريخي.

لقد ظهر التناقض في الثورة الإيرانية منذ بداية تظاهراتها العارمة ضدّ الشاه، فقد رفع المتظاهرون ثلاثة تعبيرات سياسية هي شعار مجاهدي خلق، وصورة الإمام الخميني، وصورة الدكتور علي شريعتي. لكن شعارين من هذه الشعارات الثلاثة كانا على أرضيةٍ فكريةٍ واحدة، إذ يعتبر علي شريعتي أن الإسلام هو أيديولوجيا التغيير، وأن هذه الأيديولوجيا تنصّ على أن الإسلام هو الحل بوصفه رؤية شاملة ومنهجاً علمياً لإخراج طاقات الإبداع كلها لدى الإنسان وتفجيرها بما يخدم الشعب.

إنّ تفسير الدكتور علي شريعتي يرفض مفهوم الإمامة وفق التفسير الصفوي الذي يحوّل الإمام إلى إلهٍ صغيرٍ، أو إلى كائنٍ خارقٍ للعادة، أو إلى وسيطٍ بين الله والبشر.

ويعتقد شريعتي أنّ الشيعية الرسمية تريد تأجيل مناقشة المسائل كافة التي تخصّ الشأن العام حتى عودة الإمام. وهذا في رأيه ينافي جوهر الحياة التي تقوم التغير والتبدل. لذلك يعدُّ شريعتي فيلسوف الثورة الإيرانية، وهو من القلائل الذين تخطوا مرض المذهبية والتشدّد والتخاصم في طرح المفهومات الإسلامية المعاصرة.

جذور مشتركة

الجذور العميقة للحركات الإسلامية ذات الطابع الأصولي هي جذور واحدة على الرغم من اختلاف المصطلحات في ما بينها. فالشيعية السياسية الرسمية الخمينية تقوم على مفهوم ولاية الفقيه، ومن ثم فهي تضع على قمة هرمها الفكري والسياسي شخصية مرشد الثورة الذي يعتبر مرجعيةً لكلّ التشريعات والقرارات. وهذا الأمر لا يختلف كثيراً لدى الشقّ الأخر من الإسلام الرسمي الذي تمثله الحركات الإسلامية الأصولية بما فيها حركة الإخوان المسلمين، فهذه الحركة تقول بدولةٍ إسلامية ذات مرجعية دينية، وتضع فوق هذه الدولة ما يسمى المرشد العام.

ولعلّ علاقة الإخوان المسلمين بالشيعية الرسمية هي علاقة تعود إلى ستينات القرن العشرين، إذ يقول الباحث الإسلامي هشام النجار: إنّ علاقة الإخوان المسلمين بالشيعة ترجع إلى الستينات، عندما زار سيّد قطب المنظّر الإخواني إيران. مشيراً إلى أن هناك تشابهاً كبيراً بين الفكر الإخواني والشيعي في ما يتعلق بالمظلومية والكربلائية(6).

وتظهرُ حقيقة هذه العلاقات من خلال المنزلة الجيدة التي تحتفظ بها التيارات الشيعية المعاصرة لشخص سيّد قطب الذي مدح في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام الحركة القرمطية، ووصفها بأنها كانت حركةً معبّرة عن روح الإسلام، التي تحارب الاستغلال والسلطة الجائرة وفوارق الطبقات(7).

إذاً إنّ إمكانية سيّد قطب لا تقتصر على جماعات إسلامية سنيّة، ولكن له منزلة كبيرة لدى أهم تيارات الفكر السياسي الشيعي المعاصر. ولعلّ مفهوم الجهاد ودوره الثوري لدى سيّد قطب لعب دوراً في تكوين أفكار تيارات إسلامية ذات مرجعية شيعية اصطبغت بالصبغة الثورية.

نقد الذات وضرورة تغيير الواقع

تحتاج الحركات السياسية الإيرانية المعارضة لنظام ولي الفقيه إلى عملية مراجعة نقدية جادة لبرامجها السياسية ولمفهوماتها الأيديولوجية بعدما وصل الأمر بالدولة الإيرانية إلى مأزقٍ كبير في مستوى درجات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الداخلي، إضافة إلى تحوّل الدولة الإيرانية في ظل حكم مجموعة الخميني إلى سبب مباشر للصراعات والتوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، وبما يهدّد السلام والأمن الإقليميين والدوليين. هذا النقد ينبغي أن يشمل البنية الفكرية والسياسية والتنظيمية لهذه الحركات وفي مقدمتها حركة مجاهدي خلق. فهذه الحركة التي قادها مسعود رجوي بعد أن أعدم الشاه مؤسسيها، وبعد أن طاردتها سلطات حكم مجموعة الخميني بعد الثورة الإيرانية، كانت تضع في أولويات برنامجها السياسي احترام الخيار الديمقراطي في ظلّ انتخابات حرّة وشفافة بعد سقوط نظام ولي الفقيه، مع تأكيد ضرورة ضمان الحريات، وإلغاء عقوبة الإعدام، والعمل على فصل الدين عن الدولة، وإقرار حقوق المرأة دستورياً بما يكفل المساواة بينها وبين شقيقها الرجل، إضافة إلى تحرير القضاء، ليصبح سلطة مستقلةً. مع تأكيد حرية النشاط الاقتصادي، وإطلاق حرية الأسواق، والعمل على تخليص إيران من أي سلاح نووي، أو أسلحة الدمار الشامل.

لقد تعرضت حركة مجاهدي خلق إلى عمليات تصفية واسعة، قامت بها ضدها حكومة طهران، إذ قامت الحكومة الإيرانية ضمن هذا الصراع بإعدام عشرات الآلاف من أعضائها، والمنتمين إليها، ولكن المنظمة شدّت عزمها على مواصلة نشاطها داخل إيران وخارجها حتى إسقاط السلطة الإيرانية الحالية(8).

ويبدو الآن أنّ مجموعة الخمينية السياسية الحاكمة أوصلت البلاد إلى مأزق حقيقي في المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، هذا المأزق يعبّر عن انسداد الأفق أمام قدرة الخمينية على إنجاز مشروعها الخاص. وهذا يرتّب على القوى السياسية إعادة النظر في الأساليب والوسائل والبرامج التي كانت تنتهجها من قبل في مقاومة نظام الخمينية. إعادة النظر يجب أن ترتكز على تحليل علمي دقيق لطبيعة وتكوين المجتمع الإيراني كفئات اجتماعية واقتصادية، ويجب أن تلتقط حدود الضرر الكبير الذي ألحقته الخمينية بهذه الفئات، وطرح برنامج عمل بديل يكون قادراً على الإجابة عن متطلبات المرحلة الجديدة المقبلة، بما يخصّ بنية الدولة بوصفها دولة ديمقراطية، وكذلك تضمن وفق قوانينها الديمقراطية حقّ النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يخدم تطور المجتمع الإيراني بعيداً من التسلط الأيديولوجي والسياسي.

إعادة النظر تعني بالدرجة الأولى اكتشاف مواقع الخلل السياسي، والقطيعة بين النظام والمجتمع، والعمل على إيجاد جسور فكرية وسياسية وتنظيمية بين هذه الحركات وحاضنتها الشعبية.

ويمكن القول إنّ إعادة الحياة إلى مفهوم الجبهة الوطنية بصورةٍ جديدةٍ يمكنه أن يلعب دوراً حاسماً في الإسراع في إسقاط نظام ولي الفقيه. وهذا يعني أن تشكّل الحركات هذه الجبهة وفق قواسم مشتركة حقيقية تستطيع جذب القاعدة الشعبية الإيرانية إلى جهدها في التخلص من نظام ولي الفقيه. وهذا ممكن إذا استطاعت هذه الجبهة المفترضة أن تطرح برنامجها للتغيير السياسي الديمقراطي بصورةٍ واضحةٍ بعيداً عن حمل شعارات تعجز عن حملها. وهو أمر ممكن لأن مهمات مرحلة الجبهة الوطنية التي أسسها محمد مصدّق لم تُنجز بسبب القطع السياسي الديمقراطي، الذي مارسه نظام الشاه رضا بهلوي، ثم تابعه نظام مجموعة الخميني الثيوقراطي.

إنّ مهمة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية هي مهمة تنتظر التنفيذ، ليستطيع المجتمع الإيراني وقواه الحيّة من بناء الدولة الوطنية، وتحرير اقتصاده، وبناء مؤسساته التي تطوّر اقتصاد البلاد، وتحمي المجتمع من الصراعات التي أرساها نظام الخميني بين مكوناته الدينية والإثنية والطائفية.

إن تحرير الإسلام من خطاب الشيعية السياسية الصفوية يعني مضي إيران إلى طريق تطورها الطبيعي، وهذا هو الضمان الوحيد لعدم تمزق الدولة الإيرانية، إذ إنّ المواطنة ستكون متاحةً بالتساوي للمكونات الإيرانية كلها.

المراجع:

aljazeera.net محمد مصدّق
aljazeera.net محمد مصدّق 20/4/2015
assakina.com الجماعات والحركات الدينية في إيران 14 أكتوبر/ تشرين1 2011
m.ahewar.org من هي المعارضة الإيرانية الحقيقية وما هو برنامجها المعارض

خالد ممدوح العزي 3/8/2011

annahat.com ماهي منظمة مجاهدي خلق المعارضة بشراسة للنظام الإيراني 3/1/2018
youm7.com تاريخ العلاقة بين الإخوان والشيعة أحمد عرفة 26/10/2016
com مكانة سيد قطب لدى التيارات الشيعية المعاصرة وتأثيره عليها 3/8/2018
marefa.org

بقلم الباحث أسامة محمود آغي

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”