أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » العلمانية بين العلم والعالم

العلمانية بين العلم والعالم

العلمانية بين العلم والعالم

د. محمد أحمد الزعبي

22.11.2018

1.

تعتبر مسألة اللفظ في كلمة العلمانية ، أهي بكسر حرف العين أم بفتحه، مسألة معرفية قبل أن تكون لغوية ، ويتعلق الأمر هنا بالعلاقة العملية والميدانية بين الشكل (اللفظ) والمضمون المتضمن في هذا اللفظ . فالعلمانية بكسر حرف العين تحيلنا إلى (العلم) ، بينما يحيلنا فتحها إلى (العالم) . وبما أن عالمنا اليوم بات ،كما يقولون ، قرية واحدة ، فلابد أن يصبح العلم وبالتالي النظريات العلمية المكتشفة أو المبتكرة من قبل سكان هذا الحي /هذه الحارة أو تلك من أحياء هذه القرية ملكاً للقرية (وهنا العالم ) كلها ، ويتلاشى الفرق في هذه الحال بين الكسروالفتح في لفظنا لمفردة العلمانية (الشكل) طالما أن (المضمون) ظل متداخلاً ، يحيلنا فيه العلم الى العالم، والعالم الى العلم ، ويحيلنا الإثنان معاً إلى العلمانية .

2.

الإشكالية الحقيقية في مسألة العلمانية ، لاتتعلق ليس فقط بالجانب اللغوي ( الكسر أو الفتح )،وإنما أيضاً ولا بالجانب المعرفي البسيط المتعلق سواء بقدراتنا العقلية على تصحيح ماتقدمه لنا حواسنا ( قد تعوج بالماء العصا ولكن عقلي يقومها ) ، أو مايقدمه خيالنا سواء في اليقظة أو في المنام ( المعري في رسالة الغفران ، دانتي في الكوميديا الإلاهية) في محاولة الوصول إلى الحقيقة ، وإنما تتعلق هذه الإشكالية بصورة أساسية بالعلاقة بين السماء والأرض ، أي بالكون بكل ما فيه ومن فيه ، وتتعلق بالتالي بالأسئلة الكبرى الثلاث التي طرحها الفيلسوف الألماني إمانويل كانط ،ألا وهي :

ـــ ماذا علي أن أعرف ،؟

ـــ ماذا يمكنني أن أعرف ،؟

ـــ ماهي وسائلي للمعرفة .؟

· والتي أجا ب عليها هو ، بأن مقدرتنا كبشر تظل محدودة ، بل ومحصورة ضمن حدود الملموس والمحسوس والمعقول والممكن ، والذي أطلق عليه ( الشيء المعطى ) ورأى أنه علينا ألاّ نصدع رؤوسنا فيما لايمكن لعقولنا ولا لعلومنا ولا حتى لخيالنا الوصول إليه ومعرفة كنهه وحقيقته ، ألا وهو ماوراء الطبيعة أي ( الميتافيزيقا ) ،باعتبارها تدخل في المجال المعرفي الترسندنتالي (المفارق) على حد تعبيره، والذي أطلق عليه(الشيء في ماهيته) ويوضح وجهة نظره هذه بالشاهد الذي أورده الباحث اللبناني خضر حيدر والذي يقول كانط فيه ” إن كل المعرفة تبدأ بالتجربة ، وإن الحقيقة القصوى الخارجية للأشياء في ذاتها التي توجد وراء إحساساتنا لايمكن معرفتها عن طريق العقل ” ( الإنترنت ). إن الإشكالية الحقيقية هنا هي إذن في العلاقة بين الدين (السماء) والعلمانية (الأرض) ذلك ان التعاطي والتعامل مع ماهو ملموس ومحسوس وقابل للقياس النظري (العقلي) والعملي (التجربة الحسية ) ، يختلف عن التعاطي والتعامل مع مالاتعرف(بضم التاء) بل ولا يمكن أن تعرف ماهيته ولا أبعاده لامن قبل حواسنا ولا من قبل عقولنا ، ألا وهو مادعاه كانط ( الشيء في ذاته ) ، ويبدو لنا أن توقف كانط (العلماني) في عند الحل الديني ( الله ) في كتابيه نقد العقل النظري ، ونقد العقل العملي ، كان بسبب اقتناعه باستحالة الوصول إلى الحقيقة عن طريق إمكانياتنا المحدودة بما فيها العقل ، كما يشير قوله أعلاه.

لقد أثبت تاريخ نظرية المعرفة منذ ظهر الإنسان العاقل ( هومو سابينز) على سطح هذه الكرة الأرضية و حتى يومنا هذا ، أن أموراً مثل الكون ( الملاء والخلاء ) ، العقل نفسه ،الروح ، العلاقة بين مثلث الروح والبدن والعقل ، الموت ، مابعد الموت ، هي أمور وقف ويقف هذا الإنسان عاجزاً أمامها ، بحيث لم يبق أمامه سوى أن يقول والله أعلم .

إن الإشكالية المتعلقة بالعلاقة بين العلمانية والدين ،غالباً ماتحيل وتشيرالى العلاقة بين العقل والنقل ( الوحي ) ، بين الدين والدنيا ، بين الدنيا والآخرة ، وبكلمة واحدة بين الله والإنسان بوصفه الكائن العاقل الوحيد على هذه الكرة الأرضية ، ولكن بتنا وربما بسبب هذا العقل ننقسم حول مانعرف وما لانعرف ، إلى سماويين وأرضيين ، دينيين وعلمانيين ،علماء وفقهاء ، مؤمنين وملحدين ،…الخ – وبحسب رؤية الكاتب – فإن هذا الإنقسام سوف يستمر ( والله أعلم ) ربما إلى الأبد .

3.

يجادل أتباع الدين الاسلامي (عامتهم وعلماؤهم وفقهاؤهم ) ، بأن الإسلام هو دين علماني بحد ذاته ، وإذن فهو ليس بحاجة للعلمانية ، والتي هي بنظرهم صناعة غربية مسيحية ، أفرزتها مرحلة الصراع المريرفي القرون الوسطى بين الكنيسة الكاثوليكية والعلم الوضعي الأوروبي الناشئ ، والذي أدى (الصراع بين الكنيسة والعلم )الى حرق وسحل وسجن عدد من العلماء والفلاسفة ،مثل الراهب الفيلسوف(جوردانوبرونو1548-1600 ) والعام الفلكي الفيلسوف (غاليليه 1564 – 1642) ،. الأمر الذي أدى الى ظهور عصر التنوير وبالتالي دخول مفهوم العلمانية بمختلف أنواعها ودرجاتها (المتطرفة والمعتدلة) الى ساحة الصراع ،بوصفها النقيض النظري والعملي الأرضي لسماء الكنيسة

وسأثبت فيما يلي نصا للدكتور محمد عماره المفكر الاسلامي المصري المعروف والذي يعتبر نفسه معتزلياً وعلمانيا معتدلاً ، حيث تشير كلمة معتدل عنده إلى التمييز بين الدين والسياسة ( ولكن ليس الفصل بينهما ) ، باعتبار أن الله وقيصر( أعط مالقيصر لقيصر، وما لله لله)هما في الإسلام سلطة واحدة ، وليسا سلطتين منفصلتين . يقول محمد عمارة :

إن (فيلسوف العلمانية هوارد بيكر ، قد صاغ مصطلح ، العلماني ( سكولير ) ، كي يقابل مصطلح ، المقدس ، فالدولة العلمانية إذن هي المقابل للدولة الدينية ، و المجتمع العلماني هو المقابل للمجتمع المقدس . لكن الإسلام لايعرف الدولة الدينية ولا المجتمع المقدس لأنه لايعرف رجل الدين ولا المؤسسات الدينية ، فهو ينكر الوساطة بين الإنسان وربه ، ويرفض الكهانة والكهنوت ومن ثم فهو لايحتاج لمجتمعاته كي تطور مايقابل هذه المعاني والافكار والمؤسسات ، أي لايحتاج إلى العلمانية ومؤسساتها لأنه لم يشهد –فكراً على الأثل – تلك الثنائية التي شهدتها أوروبا الكاثوليكية ، حيث نشأت العلمانية ( الدكتور محمد عمارة ، الاسلام والعروبة والعلمانية، دار الوحدة للطباعة والنشر ، بيروت ، لبنان ١٩٨٤ ، ص 59) ، ويقول في مكان آخر من نفس الصفحة : الإسلام هو الدين الذي يقدم – في شؤون المجتمع – المصلحة على النص .. وهو الذي يتحدث عن أن الشريعة مقاصد وغايات ، والذي يجعل المرجع في حسن الأمور وقبحها هو رأي الأمة … والله سبحانه وهو شارع النصوص يبارك رأي الأمة في أمور الدنيا والمجتمع ، إذ القاعدة الإسلامية الشهيرة تقول ” مارآه الناس حسناً فهو عند الله حسن ” ).

إن مايثبته محمد عمارة في النصين السابقين ، إنما يمثل – وفق رؤيتنا – عملياً رأي الغالبية الساحقة من فقهاء وعلماء الاسلام ، فيما يتعلق بالعلاقة بين العلمانية والدين الإسلامي . وتصب وجهة نظر العالم الفيلسوف أبي الوليد بن رشد (1126 – 1198 ) المتعلقة بالعلاقة بين الحكمة والشريعة في طاحونة هذا الموضوع أيضاً حيث يقول : ( وإذا كانت هذه الشريعة حقاً، وداعية إلى النظر المؤدي إلى الحق ، فإنا معشر المسلمين نعلم علم القطع انه لايؤدي النظر البرهاني ( وهنا العلم م.ز)الى مخالفة ماورد به الشرع ، قإن الحق لايضاد الحق ، بل يوافقه ويشهد له ) (أبو الوليد بن رشد ، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال ، دار المعارف بمصر ، 1972 ص31 ) .

4.

إن الكاتب إذ يورد هذه الشواهد على موقف الدين الاسلامي من العلمانية ، فإنه يفرق في هذا الدين بين المبادئ الخاصة بالعبادات والأخرى الخاصة بالمعاملات ، وهوى يرى أن المبادئ الخاصة بالمعاملات إنما تدخل في مجال العلمانية بحق ، أما الجانب الخاص بالعبادات ( القسم التراسندنتالي ) فإنما يستند الى حث الله الانسان في كثير من آيات القرآن الكريم على إعمال العقل في معرفة أسرار هذا الكون وبالتالي في معرفة خالقه ( الله ) وهو مايعتبر ـ برأينا – خطوة إسلامية متقدمة نحو العلمانية قياساً على اليهودية والمسيحية ، ولكنها تبقي الباب مفتوحاً أمام إشكالية عجزالعقل (لقد ورد فعل عقل في القرآن الكريم 49 مرة حسب محمد أركون) عن الوصول إلى الحقيقة في المسائل الميتافيزيقية المفارقة . (أنظر ، محمد أركون ، الفكر العربي ، سلسلة زدني علماً ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس 1982)، ولا سيما أمام أسئلة كانط ولاحقا أمام طلاسم الشاعر العربي ايليا أبو ماضي التي يقول فيها( سأختار بعضها فقط )، علماًأن التشديد والتلوين هو من الكاتب ( م.ز) :

جئت لا أعلم من أين ، ولكني أتيت / ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أو أبيت / كيف جئت كيف أبصرت طريقي / لست أدري

وأراني كلما أوشكت أدري / لست أدري

أصحيح أن بعض الناس يدري ؟ / لست أدري

لا تسلني ماغد مالأمس؟إني / لست أدري

إنني جئت وأمضي وأنا لاأعلم / أنا لغز وذهابي كمجيئي طلسم

والذي أوجد هذا اللغز لغز أعظم / لاتجادل ذا الحجا من قال إني / لست أدري

أتراني قبلما أصبحت إنساناً سويا / أتراني كنت محواً أم تراني كنت شيئاً ؟

ألهذا اللغز حل أم سيبقى أبديا ؟ / لست أدري ..

ولماذا لست أدري ؟ / لست أدري

وإذا كان عقلنا كبشر كان عاجزاً عن الوصول إلى الحقيقة ، فعلينا أن نعترف أن من خلق هذا العقل ، بل من خلق هذا الإنسان العاقل ،الا وهو الله سبحانه هو وحده العليم الخبير



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع