أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » أستانة 11.. محطة جديدة في مسار تصفية القضية السورية؟

أستانة 11.. محطة جديدة في مسار تصفية القضية السورية؟

رفع النظام السوري سقف التصعيد العسكري في شمال سورية وشمال غربها، مستبقاً انعقاد جولة مباحثات جديدة من مسار أستانة في كازاخستان، فمن الواضح أنه يسعى معتمداً على دعم إيراني، إلى تفكيك اتفاق “سوتشي” الروسي التركي، لتأكيد انتصاره العسكري في الصراع على سورية، تمهيداً لتسوية سياسية تمكّن بشار الأسد من البقاء في السلطة.

وتعقد الجولة الـ11 من مفاوضات مسار أستانة، غداً الأربعاء، بمشاركة وفود تمثل الدول الضامنة، تركيا وروسيا وإيران، والنظام، والمعارضة المسلحة السورية، كما تتم دعوة مراقبين من الأمم المتحدة والأردن، وفق وزارة الخارجية الكازاخية. وتأتي الجولة الجديدة في ظل انخفاض كبير بسقف الآمال بفتح ثغرة في جدار وضعه النظام وحلفاؤه، أمام أي مساع إقليمية أو دولية من أجل التوصل لحل سياسي وفق مرجعيات الشرعية الدولية، إذ لا يزال النظام يوغل في انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار في شمال غربي سورية، ويرفض تسهيل مهمة الأمم المتحدة في تشكيل لجنة دستورية من النظام والمعارضة مهمتها وضع دستور جديد للبلاد.

واستبق النظام وحلفاؤه الإيرانيون أستانة 11 برفع سقف التحدي لاتفاق “سوتشي”، بتصعيد عسكري في المنطقة منزوعة السلاح الثقيل التي نص عليها الاتفاق، فارتكب، يوم السبت الماضي، مجزرة في بلدة جرجناز بريف إدلب. كما حاول النظام ومليشيات إيرانية خلط الأوراق في شمال سورية، قبل انعقاد الجولة الجديدة من أستانة بافتعال أزمة قصف أحياء في مدينة حلب بغازات سامة، يوم السبت، لاتهام المعارضة التي تؤكد أن الأمر مجرد “مسرحية مفضوحة”، ومقدمة لنسف اتفاق سوتشي، ومن ثم إخضاع شمال غربي سورية، مع ما يستدعيه ذلك من كوارث إنسانية في منطقة تضم ملايين المدنيين.

ويأتي اجتماع أستانة في سياق إعادة الحوار بين الدول الثلاث بما يتعلق بالأحداث السياسية والميدانية المتعلقة بالملف السوري، فمن المتوقع أن تحاول طهران أن تكون جزءاً من اتفاق “سوتشي”، وإلا ستواصل مساعيها لتفكيك هذا الاتفاق عن طريق مليشياتها في ريفي حماة وحلب، من خلال خلق ذرائع تسمح بتجاوز هذا الاتفاق. تماماً كما تم تجاوز تفاهمات واتفاقات سابقة كثيرة تمخض عنها مسار أستانة.

ويبدو أن لدى الإيرانيين هاجساً من أن اتفاق “سوتشي” بمثابة خطوة واسعة باتجاه تحييدها في سورية، وهو ما لا تتحمله، في ظلّ مواجهة طهران عقوبات أميركية، ورغبتها في أن يكون الملف السوري ورقة ضغط ومساومة سياسية بيدها. ويسعى الجانبان التركي والروسي إلى المحافظة على اتفاق “سوتشي”، لتعميق علاقات استراتيجية تُوجت أخيراً بافتتاح مشروع “السيل التركي” الذي ينقل الغاز الروسي إلى تركيا وبلدان في شرقي أوروبا. وتدرك روسيا أن بقاء الاتفاق مصلحة تركية، بفعل تجنيبه أنقرة تبعات كوارث إنسانية هائلة في شمال غربي سورية. بالتالي تبدو مهمة طهران صعبة في إحداث خرق في التفاهم التركي الروسي حيال الموقف في شمال غربي سورية. غير أن بعض المصادر في المعارضة السورية ترى أن هناك رضى روسياً عن التصعيد الأخير من قبل النظام والإيرانيين، في مسعى من موسكو للحصول على تنازلات جديدة من قبل المعارضة على الصعيد السياسي، ولفتح الباب أمام اشتراك فصائل المعارضة في أي معركة مقبلة تستهدف سحق “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، التي لا تزال تخلق ذرائع من أجل عودة الصراع في شمال غربي سورية إلى مربعه الأول.

في هذا السياق، اعتبر القيادي في “الجيش السوري الحرّ”، العقيد فاتح حسون، الذي رأس وفد قوى الثورة العسكري في أستانة في أكثر من جولة، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “ما سيجري بخصوص التصعيد سيتم تلافيه بالطرق الدبلوماسية وعبر القنوات السياسية، وهذا الأسلوب استعمل في تجاوزات سابقة”. من جانبه، اعتبر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، في بيان له، أمس الاثنين، أن “ما جرى يوم السبت من قصف أحياء داخل مدينة حلب بقذائف صاروخية تحمل مواد سامة، محاولات مفضوحة للنظام وروسيا بهدف تقويض اتفاق إدلب وتبرير الخروقات والاعتداءات”. وأشار البيان إلى أن “الأهداف من وراء حملة الترويج للكيميائي التي تستبق جولة أستانة المرتقبة، مكشوفة”، مضيفاً أن “النظام وروسيا وإيران يتطلعون إلى بعثرة أوراق الاجتماعات لتفريغ الجولة من أي محتوى، والابتعاد بأجندتها مجدداً عن الاستحقاقات التي تمهد لعودة مفاوضات جنيف وجهود الحل السياسي”.

ومن المتوقع أن تكون مسألة تشكيل اللجنة الدستورية المنوط بها وضع دستور جديد للبلاد تجري على أساسه انتخابات، حاضرة بقوة في الجولة 11 من مسار أستانة، في ظل رفض النظام تسهيل تشكيلها من قبل الأمم المتحدة التي مددت فترة بقاء مبعوثها إلى سورية ستيفان دي ميستورا إلى نهاية العام الحالي، لضمان عدم وجود فجوة في مسار العملية السياسية، تحديداً في بعدها الدستوري. ولا يزال النظام يرفض تدخل المبعوث في تشكيل اللجنة، إذ من المفترض أن يضع دي ميستورا أسماء الثلث الثالث من أعضاء اللجنة المفترض أن تكون مؤلفة من 150 عضواً مقسمة بين النظام والمعارضة والمجتمع المدني السوري (معارضة وموالاة). ويهدف النظام من رفضه إلى نسف المساعي الأممية، لأنه يعتبر وضع دستور جديد مدخلاً واسعاً لتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تدعو إلى انتقال سياسي في حال حدوثه سيكون مقدمة لتلاشي النظام بصورته الراهنة.

ومنذ انطلاقه في بداية عام 2017، بدا مسار أستانة بامتياز وكأنه وُجد من أجل تصفية القضية السورية، فقد فقدت المعارضة السورية معظم المناطق التي شملها اتفاق خفض التصعيد، ولم يتبقّ لها إلا شمال غربي سورية. وطُردت المعارضة السورية تحت ضغط ناري روسي من جنوب سورية، ومن الغوطة الشرقية لدمشق ومن القلمون الشرقي ومن ريف حمص الشمالي، ونُزعت كل أوراق القوة من يد المعارضة التي يتفاوض عنها الأتراك، كما يتفاوض الروس والإيرانيون عن النظام. وحاولت المعارضة السورية طيلة 10 جولات إحداث اختراق في ملف المعتقلين لدى النظام، ولكنها اصطدمت برفض من النظام الذي يخشى من تبعات إطلاق سراح المعتقلين، لذلك بدأ بالتخلص منهم على دفعات، رغم أن عددهم يصل إلى عشرات الآلاف، فأفرج عن قوائم آلاف المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في محاولة للتخلص من ملف تأمل المعارضة أن يكون مدخلاً واسعاً لمحاسبة أركان النظام في محاكم جنائية دولية.

وكانت الجولة الأولى من مفاوضات مسار أستانة قد عُقدت يوم 23 يناير/ كانون الثاني 2017، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب خروج المعارضة السورية المسلحة من أحياء حلب الشرقية وفق اتفاق روسي تركي، بدا أنه كان البذرة الأولى لمسار أستانة. وأكدت الجولة الأولى على الحل السياسي في سورية، وشددت على ضرورة الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية، كما توصلت وفود روسيا وتركيا وإيران إلى اتفاق على إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في سورية.

وعقدت الجولة الثانية من مفاوضات أستانة، في 15 فبراير/ شباط 2017، وتمخّضت عن تشكيل مجموعة عمل ثلاثية (روسية وتركية وإيرانية) لمراقبة وقف الأعمال القتالية، وتشكيل آلية لتبادل المعتقلين بين قوات النظام والمعارضة المسلحة. وقاطعت المعارضة السورية الجولة الثالثة من المفاوضات التي انطلقت في 14 مارس/ آذار 2017، بسبب عدم التزام النظام وحلفائه بوقف إطلاق النار، واتفقت الدول الراعية للمفاوضات (تركيا وروسيا وإيران)، في هذه الجولة، على تشكيل لجان لمراقبة الهدنة والخروق، ولجان لمتابعة ملف المساعدات، وأخرى لملف الأسرى والمعتقلين. وعُدّت الجولة الرابعة من المفاوضات التي انطلقت في 4 مايو/ أيار 2017 من أبرز جولات هذا المسار؛ إذ اتفق الثلاثي الضامن لاتفاق وقف إطلاق النار، على إنشاء أربع مناطق لخفض التوتر تشمل كامل محافظة إدلب وأجزاء من ريفي اللاذقية وحلب الغربي، ومنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، وريف حمص الشمالي، وجنوب سورية، والتي تجاوز النظام لاحقاً ثلاثة منها وسحق المعارضة فيها بمساعدة روسية، ولم يبق منها إلا محافظة إدلب، شمال غربي البلاد، المهددة باقتحامها من النظام قريباً. وفي الجولة الخامسة من المفاوضات التي انطلقت يوم 4 يوليو/ تموز 2017، فشلت الدول الضامنة الثلاث (روسيا وتركيا وإيران) في التوافق على رسم حدود مناطق خفض التصعيد الأربع في سورية. وعقدت الجولة السادسة من مفاوضات أستانة في 14 سبتمبر/ أيلول 2017، وتمخضت عن رسم حدود مناطق خفض التوتر الأربع المعلنة، خصوصاً في إدلب التي بقيت محل خلاف في الجولات السابقة، و”إنشاء مركز تنسيق مشترك تركي روسي إيراني، يهدف إلى تنسيق أنشطة قوات مراقبة خفض التوتر”.

وعُقدت الجولة السابعة من المفاوضات في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، ولكنها انتهت من دون تحقيق نتائج تذكر، خصوصاً على صعيد المعتقلين في سجون النظام، أو إدخال مساعدات للمناطق المحاصرة. وعقدت الجولة الثامنة من المفاوضات في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2017، وتمخضت عن تحديد موعد مؤتمر في سوتشي بروسيا، في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، للحوار بين المعارضة والنظام، والذي أثار جدلاً واسعاً بعد عقده.

كما تمخضت الجولة الثامنة عن اتفاق الدول الضامنة على تشكيل مجموعتي عمل بخصوص ملف المعتقلين في سجون النظام وإزالة الألغام، ولكنها بقيت حبراً على ورق. وعقدت الجولة التاسعة من مسار أستانة في 14 مايو الماضي، بغياب الولايات المتحدة، ولم تحمل نتائج مهمة على صعيد حل أزمات الصراع في سورية، خصوصاً ملف المعتقلين الذي كان بين أبرز الملفات العالقة في الجولات السابقة للمفاوضات في أستانة.

وعقدت اجتماعات الجولة العاشرة من مسار أستانة الخاص بسورية في 30 يوليو الماضي، ولكن هذه المرة في مدينة سوتشي الروسية على البحر الأسود، بسبب نقل مقره من قبل الروس، في محاولة واضحة من موسكو للقول إنها باتت تمتلك كل مفاتيح الحل السوري، وأن الصراع حُسم لصالحها. وناقش المجتمعون التطورات على الأرض والجهود المتواصلة من أجل التوصل إلى حل سياسي للصراع السوري، وتهيئة الظروف لتسهيل بدء عمل اللجنة الدستورية في جنيف في أقرب وقت ممكن، إضافة إلى تهيئة الظروف اللازمة للعودة الآمنة والطوعية للنازحين داخلياً واللاجئين إلى أماكن إقامتهم الأصلية في سورية.