أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » بعضهم لم يهاجر إلى إسرائيل… دراسة تكشف مصير مليون يهودي عربي

بعضهم لم يهاجر إلى إسرائيل… دراسة تكشف مصير مليون يهودي عربي

لم يهاجر كل اليهود من أصول عربية إلى إسرائيل بل أعطى الآلاف منهم ظهورهم للدولة العبرية الوليدة، لأسباب مختلفة، وانتقلوا للعيش في دول أخرى بعيدة حيث استقروا وأسسوا جاليات لا تزال موجودة بأعداد كبيرة حتى اللحظة.

وتكشف دراسة أعدها “بيت الشتات”، ويُسمى أيضاً “متحف الشعب اليهودي”، وهي مؤسسة مقرّها جامعة تل أبيب، لصالح صحيفة “يديعوت أحرونوت” لأول مرة بالأرقام أعداد اليهود من أصول عربية الذين هاجروا من بلدانهم إلى إسرائيل منذ عام 1948، وتعرض كيفية انخفاض أعداد اليهود في الدول العربية وإيران تدريجياً منذ تأسيس إسرائيل حتى عام 2017، كما تعرض بعض الأرقام عن اليهود الذين هاجروا من دول عربية إلى دول أخرى غير إسرائيل.

تتساءل “يديعوت أحرونوت” على هامش نشر موقعها الإلكتروني للدراسة في 30 نوفمبر 2018: “كيف وصل يهود من المغرب إلى مونريال الباردة والبعيدة؟ لماذا يوجد كنيس لمهاجري سوريا في المكسيك؟ وكيف انتقل آلاف اليهود العراقيين إلى لندن تحديداً؟”.

وتضيف “نحو مليون يهودي غادروا البلدان العربية منذ عام 1948، خلال تأسيس إسرائيل، وصل معظمهم إلى إسرائيل ولعبوا دوراً مهماً في بناء الدولة، لكن آلافاً آخرين انتقلوا إلى دول أخرى حيث أقام بعضهم جاليات من اليهود السفارديم (الشرقيين)، بما في ذلك في أماكن غير معتادة”.

وتلفت الصحيفة إلى أن الهجرة اليهودية من الدول العربية بدأت في السنوات التي سبقت تأسيس إسرائيل، وكانت تتزايد كلما كان الصراع يين الدول العربية وإسرائيل يتصاعد.

وبحسب الصحيفة، “كانت هناك دول سارت فيها تلك العملية بسرعة، وغادرتها غالبية يهودها خلال سنوات معدودة، لكن في حالات أخرى كانت العملية طويلة وخرج خلالها اليهود عبر موجات مختلفة. وخلاصة القول إنه من أصل نحو مليون يهودي عاشوا في البلدان العربية تبقّى فقط بضعة آلاف في يومنا هذا”.

ويقول المؤرخ الإسرائيلي حاييم غيوزلي، مدير شعبة قواعد البيانات في “بيت الشتات” والخبير في الأنساب اليهودية: “بعكس المغاربة الذين غادروا بهدوء نسبي، لم تُتح تلك الإمكانية لأقرانهم في العديد من الدول. في الكثير من الأحيان لم يكن ممكناً اختيار الوجهة، وهذا ينطبق على يهود اليمن والعراق الذين هاجروا إلى إسرائيل في إطار عمليات نظمتها الأخيرة وأحياناً بالتعاون مع منظمات صهيونية محلية تزايد تأثيرها على اليهود هناك بعد تأسيس إسرائيل. ومَن لم يلتحقوا بالهجرة الجماعية المنظمة ظلوا في بلادهم، مثلما حدث مع مجموعة صغيرة من يهود اليمن الذين ظلوا فيه إلى ما قبل بضعة سنوات”.

ويضيف غيوزلي أنه بالنسبة إلى غالبية اليهود الذين غادروا الدول العربية، كانت إسرائيل الوجهة المفضّلة والطبيعية”، لكنه يستدرك: “في كثير من الأحيان، مَن كان لديهم أقارب استقرّوا في بلدان أخرى وكانوا أثرياء كفاية لمساعدة أقاربهم، اختاروا الالتحاق بهم وعدم الهجرة إلى إسرائيل. أيضاً، العلائلات التي كان أبناؤها على قدر من التعليم والثقافة، كإتقانهم لغات مثل الفرنسية أو الإنكليزية، ومهناً مكنتهم من الاندماج بسهولة نسبية في البلدان الغربية، فضّلوا الهجرة إلى تلك الدول، على الأقل في المرحلة الأولى”.

“في حالات أخرى، انتقل على سبيل المثال الـ6000 يهودي الذين عاشوا في ليبيا عام 1967، في هجرة منظّمة إلى إيطاليا، في ظل وجود خطر على حياتهم بعد حرب الأيام الستة، ثم هاجر معظمهم إلى إسرائيل بعد ذلك”.

وبحسب المؤرخ الإسرائيلي، “تأسست جاليات ليهود من أصول عربية في مناطق مختلفة حول العالم قبل وقت طويل من تأسيس إسرائيل. فأبناء الجالية المغربية، خاصة من مدن تطوان وطنجة، استوطنوا في شمال شرق البرازيل وفي إقليم الأمازون قبل نهاية القرن الـ19، وكثيرون من أبناء يهود مدينة حلب السورية أقاموا في مناطق مختلفة في أمريكا اللاتينية، مثل المكسيك، والأرجنتين وبنما وغيرها”.

ويضيف غيوزلي: “كانت هناك أيضاً جاليات من مهاجري العراق في الهند والشرق الأقصى، أو في بريطانيا، كما وصل إلى تلك البلدان يهود يمنيون من عدن. تلك الجاليات وغيرها استوعبت لاحقاً يهوداً هاجروا من دول عربية بعد عام 1948”.
اللغة العربية-اليهودية

وفي ما يتعلق بعادات اليهود المهاجرين من دول عربية إلى دول غير إسرائيل، تقول الدراسة: “يجب التفريق بين عادات دينية وعادات أخرى وبين استخدام اللغة التي تحدثوا بها في أوطانهم الأصلية. غالباً، كان هناك حفاظ على العادات الدينية في كل مكان قدر الإمكان: هناك كنيس يتصرفون فيه وفقاً للتقاليد القديمة، وعلاوة على ذلك هناك مراعاة للتقاليد الأخرى، وهو ما يظهر بشكل عام في الطريقة التي يحيُون بها الأحداث الهامة من حياة المجتمع والأسرة أو الفرد، تلك التقاليد التي تُعَدّ عنصراً أساسياً في الحفاظ على الهوية الخاصة، لا سيما لدى الجيلين الثاني والثالث وربما الرابع للهجرة”.

وتضيف أن اليهود في تلك البلدان تحدثوا لغة عربية بلهجة يهودية، موضحة: “كان للعربية اليهودية لهجات عدة، مثل لهجة يهود بغداد التي كانت تختلف عن عربية اليهود التونسيين أو اليمنيين”.

وتتابع: “في البلدان التي كان فيها حكم استعماري وعملت فيها مدارس الإليانس (منظمة يهودية دولية تأسست في باريس عام 1860)، تبنى كثيرون اللغة الفرنسية. في الجيل الأول للمهاجرين، حافظ البالغون بشكل عام على لغتهم، على الأقل في الإطار المنزلي. أما في إسرائيل، فقد أدى الضغط لتعلم اللغة العبرية والشكوك حيال مَن يتحدث العربية التي اعتُبرت لغة العدو إلى عدم تحدث معظم أبناء الجيل الثاني بلغة الوالدين، باستثناء القليل من الكلمات والتعبيرات”.

وبحسب الدراسة، فإن “الظاهرة موجودة أيضاً في دول أخرى: في دول أمريكا اللاتينية يتحدث اليهود الإسبانية، وفي الولايات المتحدة الإنكليزية إلخ. في السنوات الأخيرة، تجدد الاهتمام بلغة الأسلاف، وهناك مجموعات عادت إلى استخدام اللغة التي كان يتحدث بها آباؤهم قبل مغادرتهم بلدانهم الأصلية”.

يهود مصر

“في بعض الدول العربية، كاليمن، هاجر السواد الأعظم من أبناء الجالية اليهودية إلى إسرائيل”، تقول الدراسة قبل أن تضيف: “لكن مَن يتجوّل حول العالم يمكنه أن يقابل يهوداً من أصول مصرية في أماكن مختلفة: الولايات المتحدة، فرنسا، الأرجنتين، وحتى البرازيل. فكيف وصل أكثر من 15 ألف يهودي مصري إلى أمريكا الجنوبية؟”.

ترجع لفانا زامير، وهي من أصول مصرية ورئيسة منظمة مهاجري الدول العربية، سبب هذا التشتت إلى موجات الهجرة المختلفة التي عرفها يهود مصر والعلاقات التي أقاموها مع دول مختلفة على مرّ العصور.

عاش اليهود في مصر، وفق الدراسة، “منذ خراب هيكل سليمان الأول (586 قبل الميلاد على يد نبوخذ نصر الثاني)، ووصلوا إليها آنذاك مع إرميا النبي. كان الحديث يدور عن منفى عريق وراسخ على مدى ما يزيد عن ألفي عام، لكن كل شيء انتهى فعلياً قبل 70 عاماً”.

تقول زامير: “عام 1948 حدثت في مصر صدمة. أدرك اليهود أن عليهم التفكير في المستقبل، وبدأ بعضهم بالهجرة إلى إسرائيل. آخرون انتقلوا إلى مخيمات اللاجئين التي أقيمت في مرسيليا بفرنسا، وظلوا هناك لعدة شهور، وبقي بعضهم هناك، ومن هنا كانت الجالية اليهودية المصرية موجودة في فرنسا. الآخرون الذين ظلوا في مصر شعروا بالضيق من تعامل السلطة معهم واستمروا بالهجرة إلى إسرائيل”.

وتضيف: “عام 1949، اتخذ 25 ألف يهودي طريقهم من مصر إلى إسرائيل. وعام 1956، بدأت الموجة الثانية من عملية طرد وهروب ضخمة… طُرد الكثيرون من الأجانب، بمَن فيهم اليهود، الذين وجدوا ملجأ في إنكلترا وفرنسا”.

وتضيف أنه “انطلاقاً من حقيقة أن غالبية يهود مصر كانوا مثقفين ويتحدثون لغات، فقد نجحوا في الاندماج في البلدان الغربية. وقرر نحو 10 آلاف منهم البقاء في فرنسا، وظل بضعة آلاف في إنكلترا، وجرّب بعض متقني الفرنسية حظهم في كندا، خاصة في مونريال، وهناك أيضاً مَن سافروا إلى إيطاليا”.
كيف وصل اليهود المصريون إلى البرازيل؟

“علينا أن نفهم أننا كنا في تلك الفترة في وضع لاجئين”، تقول زامير وتضيف: “كان هذا بعد الحرب (العالمية الثانية)، وكانت هناك دول أرادت أن تكفّر قليلاً عن شعورها بالذنب (بسبب الهولوكوست) ووافقت على استيعاب بعض اليهود. دول أخرى كالبرازيل، أرادت أن تنمّي الجالية اليهودية المحلية ووافقت على قبول بضعة آلاف. التعليم ومعرفة اللغات لعبا لصالح اللاجئين الذين نجحوا في ترسيخ أنفسهم وإقامة جاليات في تلك الدول. أحدثت الموجات المختلفة من طرد وهجرة تشتتاً هائلاً للأسر حول العالم. أنا مثلاً، لم ألتقِ بابنة عمي طوال سنوات”.

الهوية المزدوجة ليهود الجزائر

فيما ينتشر يهود المغرب وتونس بشكل كبير في إسرائيل، فإن وضع يهود الجزائر مختلف. وفقاً للدراسة، هاجر نحو 30 ألف يهودي جزائري إلى إسرائيل، في الوقت الذي هاجر نحو 130 ألفاً إلى فرنسا.

يقول الدكتور يوسف شارفيت، من جامعة “بار إيلان” والخبير في قضايا يهود الجزائر، إن “هذه هي اليهودية الوحيدة في العالم من بين الشتات التي حُكم عليها علانية بسبب عدم هجرتها عن بكرة أبيها إلى إسرائيل”، فقد هاجمهم وزير الخارجية موشيه شاريت (أول وزير خارجية لإسرائيل) ورئيس الوكالة اليهودية آنذاك.

يضيف شارفيت: للرد على هذا الادعاء علينا أن نفهم أن فرنسا والجزائر كانتا شيئاً واحداً. كانت الجزائر بمثابة مقاطعة فرنسية بكل المقاييس، وتختلف في ذلك عن تونس والمغرب. كان يهود الجزائر فرنسيين، وعندما تبيّن لهم، إبان سنوات حرب الجزائر، استحالة بقائهم في البلاد، كان واضحاً أن الوجهة القادمة هي فرنسا. هكذا انتقل معظم اليهود إلى فرنسا. وبعد حرب الأيام الستة، هاجر إلى إسرائيل 25 ألف يهودي من فرنسا، معظمهم من أصول جزائرية”.
الرحيل من سوريا إلى المكسيك

“بدأ اليهود في مغادرة سوريا قبل بدء المشروع الصهيوني بفترة طويلة، وذلك في القرن التاسع عشر، بسبب تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد. فقد بدأت الهجرة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية. ومنذ عام 1992، لم يبقَ في سوريا أي يهود تقريباً”، بحسب الدراسة.

كيف وصل 20 ألف يهودي من أصول سورية إلى المكسيك تحديداً؟ يقول المؤرخ حاييم غيوزلي: “مصطلح يهود سوريا هو مصطلح عام، فقد كانت هناك بالفعل في سوريا جاليتان يهوديتان منفصلتان: واحدة في دمشق، اليهود الشاميون، وأخرى في حلب، اليهود الحلبيون. لكل منهما تاريخ طويل، ولكل منهما تقاليده الخاصة”.

يظهر هذا الأمر في تنظيم جاليات مهاجري سوريا في العالم، وخاصة في المكسيك حيث هناك جاليتان منفصلتان: جالية “جبل سيناء” (Monte Sinai) الخاصة بمهاجري دمشق، وجالية “نجمة داود” (Maguen David) الخاصة بمهاجري حلب.

يقول غيوزلي: “كانت جالية يهود دمشق هي الجالية اليهودية الأولى التي تشكلت في المكسيك، عام 1912، وشملت كل اليهود الذين عاشوا وقتها في مكسيكو سيتي. وتشكلت جالية ‘نجمة داود’ في الأصل عام 1931، وكان اسمها وقتها ‘الساعون إلى العدالة’. كان اليهود الباقون في سوريا هم الأقرب إلى المشروع الصهيوني في أرض إسرائيل (فلسطين التاريخية)، وكثيرون منهم انتقلوا للإقامة فيها قبل وقت طويل من إقامة دولة إسرائيل. بعضهم وصل إلى إسرائيل سواء من حلب أو دمشق، في القرن الـ19، قبل بدء الهجرات الصهيونية الحديثة”.

ويضيف: “هاجر جزء كبير جداً من يهود سوريا منذ القرن الـ19، وفي النصف الأول من القرن الـ20. نجم ذلك في الأساس عن تدهور الوضع الاقتصادي في سوريا، تحت الحكم العثماني، وبعد الحرب العالمية الأولى تحت الحكم الاستعماري الفرنسي”.

ويتابع: “أدى افتتاح قناة السويس إلى القضاء فعلياً على طرق التجارة البرية التقليدية التي مرّت عبر حلب أو دمشق، ما أضر بأرزاق الكثيرين من اليهود الذين كانت التجارة عملهم الأساسي. في البداية انتقل الكثيرون إلى بيروت في لبنان، التي كانت هي الأخرى جزءاً من الإمبراطورية العثمانية في تلك الفترة، ومن هناك إلى مصر التي كانت تحوي فرصاً اقتصادية كبيرة. كانت مصر في الكثير من الأحيان بمثابة نقطة انطلاق إلى وجهات أخرى: فرنسا، والولايات المتحدة والمكسيك والأرجنتين وغيرها”.

ويكمل: “في السنوات بين نهاية الحرب العالمية الثانية (سبتمبر 1945) وإقامة دولة إسرائيل، كانت الهجرة إلى إسرائيل غير شرعية، بسبب القيود التي فرضها الانتداب البريطاني. وبعد عام 1948 كانت الهجرة، بما في ذلك من سوريا، شبه مستحيلة، والقليلون فقط نجحوا في الوصول إلى لبنان والمضي قدماً. فقط في عام 1992 سمحت السلطات السورية لليهود بالهجرة الحرة، وخلال وقت قصير غادر جميعهم تقريباً سوريا”.

نهاية يهود بابل

يمكن لمَن يتجوّل في المجتمع اليهودي في لندن أن يجد مهاجرين عراقيين. ووفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة الشتات الإسرائيلية، فإن عددهم غير معروف على وجه اليقين، ولكنه يتضمن عدة آلاف.

وبحسب البروفيسورة إستير مئير غلتسنشتاين، من جامعة بن غوريون في النقب، أُجبر يهود العراق على مغادرة البلاد بعد أن بدأ النزاع بين إسرائيل والدول العربية في فترة تأسيس الدولة العبرية، فبدأت نهاية أقدم استيطان يهودي في العالم، يهود بابل، وعمره 2600 عام.

تقول غلتسنشتاين: “لم يفكر يهود العراق في الهجرة عام 1948، فقد كانت جالية ثرية، بعقلية محلية، وشريكة حقيقية للثقافة العراقية”.

وتتابع: “فور إعلان دولة إسرائيل، أرسل العراق جيشاً لقتالها ثم بدأ نظامه في قمع اليهود وابتزاز الأموال وفصل مئات الموظفين بدعوى التجسس. الاتجاهات القومية برعاية الوضع القائم بالعراق أدخلت الجالية في حالة من الفزع، ورغم أن الأوضاع هدأت طوال عام 1949 بدأ الحديث عن برامج لتبادل السكان بين 140 ألف يهودي عراقي وبين لاجئين فلسطينيين”.

وتضيف: “لاحقاً، صعدت حكومة جديدة بالعراق، أكثر ليبرالية، وكانت الفكرة هي إضفاء شرعية لخروج اليهود من البلاد، ولكن بطريقة تسيطر عليها الحكومة وتشرف على خروج مَن يريدون ذلك من خلال سن قانون خاص”.

افترضت السلطات العراقية، تواصل غلتسنشتاين، “أن بضعة آلاف فقط سيخرجون وسيظل الباقون. كان الحديث يدور في الحقيقة عن قانون ضد اليهود، يسمح بالتنازل عن الجنسية العراقية والخروج بشكل قانوني، وتضمن تنازلاً عن حق العودة إلى العراق. تسبّب القانون بدوامة اقتصادية، وعلى الجانب الآخر وقفت إسرائيل التي عرضت قبول كل اليهود”.

وتتابع: “بدأت عملية تسجيل خروج جالية كاملة. وعلى مدى بضعة شهور كان جميع اليهود قد سجّلوا أسماءهم. كان من شبه المستحيل الخروج مع ممتلكات، باستثناء القليل من المبالغ فقط. لم يكن أمام المهاجرين الكثير من الخيارات، وفي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية لم تكن الدول الأوروبية مفتوحة لاستقبال المهاجرين، خاصة لو كانوا بلا جنسية أو أموال. وبمرور الوقت جاء معظم اليهود إلى إسرائيل”.

وتضيف: “بعدما غادرت غالبية الجالية، بقي نحو عشرة آلاف يهودي في العراق. هؤلاء خرجوا من البلد ببطء، وتوجّه نصفهم إلى لندن، وهناك تمّ لم شملهم مع مهاجرين عراقين وصلوا قبل ذلك. هناك أيضاً بضعة مئات هاجروا إلى الولايات المتحدة، ومثلهم إلى كندا. هؤلاء هم الذين بذلوا جهداً خاصاً للخروج من العراق مع الممتلكات أو على الأقل مع مبالغ مالية كبيرة. خرجوا بجواز السفر العراقي، ووصلوا إلى لندن كسائحين وحاولوا البقاء هناك. الآلاف القليلة الذين بقوا عانوا لاحقاً تحت حكم (الرئيس العراقي الأسبق) صدّام حسين، وفرّت غالبيتهم إلى إيران ومن هناك إلى إسرائيل”.
من شمس كازابلانكا إلى ثلوج مونريال

“عدد أبناء الجالية اليهودية السفارديم في مقاطعة كيبك الكندية يصل اليوم إلى نحو 25 ألف شخص”، يقول الدكتور ديفيد بن سوسان، أستاذ العلوم في جامعة كيبك والذي شغل منصب رئيس جالية السفارديم المحلية، ويضيف: “وصل معظهم إلى كندا في نهاية الخمسينيات وانضموا إلى جالية صغيرة من السفارديم والأشكناز كانت هناك قبلهم”.

“بمرور السنين تحوّلت الجالية اليهودية في مونريال إلى إحدى أكبر الجاليات اليهودية في كندا، وضمّت كنساً ومدارس، ودور مسنين يهودية وهي ناشطة جداً محلياً وأيضاً في ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل”، يقول بن سوسان.

ويضيف: “عندما بدأ المهاجرون اليهود في التدفق من المغرب وباقي بلدان المغرب العربي، اضطروا لإقامة مؤسسات يهودية محلية لأن تلك الموجودة كانت معظمها تُسيّر باللغة الفرنسية. وبمرور السنين اندمجوا مع يهود سفارديم آخرين وصلوا من لبنان وإيران ومصر، وكان لديهم تواصل ثقافي كبير معهم”.

ويتابع: “اليوم، في الجيل الثاني والثالث، باتت الفوارق بين جالية السفارديم الناطقة بالفرنسية وجالية الأشكناز التي هي في معظمها أنكلوفيلية، غير موجودة”.

وعن اختيار يهود المغرب لكندا الباردة وجهةً لهم يقول بن ساسون: “يتم النظر إلى كندا كبلد مفتوح يقبل الأقليات ويحترمها، ولديها سياسة اجتماعية متقدمة، وهي مبنية من العديد من المهاجرين كما أنها تعتنق السلمية وهي مثال للحداثة والتقدم. ولكن قبل كل شيء، أعتقد أن ما فتن اليهود في المغرب وشمال إفريقيا هو أن كندا منحتهم إمكانية العيش كما في الولايات المتحدة، ولكن مع الاستمرار في التحدث باللغة الفرنسية التي جاؤوا بها من وطنهم. بدا ذلك لهم كهجرة متجانسة نسبياً، رغم الصعوبات التي ينطوي عليها الانتقال من بلد إلى آخر”.

المصدر: رصيف 22