أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » رحلتي مع الحجاب منذ ارتدائه حتّى خلعه / عشر سنين لا هويّة لشعري

رحلتي مع الحجاب منذ ارتدائه حتّى خلعه / عشر سنين لا هويّة لشعري

على مشارف الانتهاء من امتحانات السنة السادسة في كلية الطب، أجلس في مقهى تحت المنزل لكي أبدأ في الاستذكار، يرن هاتفي؛ جدّتي لأبي تتصل. أرد عليها فتسألني عن أحوالي… استطرد في الحديث عن صعوبة الفترة التي أمرّ بها، كيف كانت قاسية وعنيفة، كيف خرب التوتر خلايا جسدي فأصبحت أعاني من جميع الأمراض.

تسألني جدتي عن الحجاب الذي خلعته منذ أكثر من عاماً، تسألني لماذا؟ فأجيب لأنني لا أريده وأجهش بالبكاء. فتاة في الحادية عشرة من عمرها، لا أملك أي شيء لنفسي، لا أملك الرفض، التلفظ بحروف كلمة لا لم أتعلمه في هذه السن الصغيرة. تكرر جدتي على مسامع أبي بأنه حان الوقت لأرتدي الحجاب، وأنا في الحادية عشرة من عمري ولم تأتِني حتى الدورة الشهرية بعد، ويأمرني أبي بارتدائه، لا أملك سوى البكاء.

أرتدي بنطالًا أسود وقميصًا مخططًا بالطول، وتناولني أمي الحجاب! لن أنسى هذا المشهد ما حييت، أبكي وأضعه على رأسي وأخرج من المنزل. التحقت بعدها بالمدرسة الإعدادية، لم أحب الحجاب في تلك المرحلة ولم أكرهه، لأنه أصبح فعلاً اعتيادياً تفعله جميع الطالبات في عمري، كل الطالبات في المدرسة يرتدين غطاء الرأس.

استمر هذا الشعور حتى التحقت بكلية الطب، 6 سنوات داخلها جعلتني أبحث عن نفسي وكياني، لم يقتصر الأمر فقط على رحلة الدراسة، كانت هناك رحلة أعمق مع نفسي للوصول إليها. في السنة الثانية كنت قد قررت أنني لا أريد الحجاب، ولا أعلم كيف أخوض معركتي هذه، المعركة التي لم اختَرها أبداً ولكنها هي التي فُرضت علي… قررت التسويف في البداية حتى تكون لدي القدرة على المواجهة والصدامات التي كنت أعلم أنها لن تنتهي بين عشية وضحاها، لن يكون الأمر بسهولة إجباري عليه أبداً، سأخسر بضعة أشياء وسأكسب أيضاً.

أربع سنوات استغرقتها كي أجهز نفسي للمعركة، أتفاوض في مرات، أطرح الموضوع في مرات أخرى، توبخني أمّي مرة وينهرني أبي مرة، أصمت فترة لإعادة ترتيب أسلحتي.

نصحتني حينها صديقتي بالانتظار حتى الزواج؛ قالت لي إن المعركة ستكون أسهل في وجود رجل، لكني رفضت لأنني بالغة، لا أحتاج لرجل يخوض معاركي أو يجلب لي انتصارات بطريقة سهلة!

تشاجرت أنا وأبي قبل امتحانات السنة الخامسة في الطبّ. عندما ندخل الكلية يحذروننا من أربعة وحوش: شبح النساء والولادة، شبح الأطفال، شبح الباطنة وأخيراً شبح الجراحة.

كان أول شبحين من نصيب السنة الخامسة، لم أعاند الأمر عندما تفاقم الشجار بيني وبين أبي، أخبرته بأنني سأرحل إلى بيتي في الإسكندرية وغادرت إلى غرفتي لكي أغير ثيابي، قررت الخروج من بيتنا بدون الحجاب… ورحلت.

ثم بدأت فترة مواجهة الأشباح؛ شبح النساء والولادة وشبح الأطفال، وشبح خلافاتي مع أهلي، تتفق جميع الأشباح علي في الوقت نفسه فتزورني في نفس الوقت، يعاقبني قولوني العصبي بطريقته الخاصة، ولا تتوقف عيناي عن البكاء، أندم على اختيار الوقت، يمتلىء رأسي بأسئلة كثيرة، ماذا لو كنت انتظرت حتى أنتهي من أشباح السنة الخامسة في كلية الطب؟ ماذا لو كنت انتهيت حتى أكملت دراسة الطبّ وتخرجت؟ ماذا لو كنت قبلت بالأمر ولم أتشاجر من البداية؟ أبكي ثم أخبر نفسي أن هذا لن يفيد في شيء.

خاصمتني أمي أسبوعاً، لم تتحدث فيه إلي، وكلما اتصلت بها رفضت الحديث معي، أمّا أبي فطوال شهر لم يحدثني، لم أعُد إلى منزلنا طوال تلك المدة لكي لا نتشاجر ثانية.

مرت الأيام، وتصالحت أمّي مع الفكرة، بعد أن كانت ترفض المشي معي في الشارع، أما أبي فتشاجر مع عائلته من أجلي، لأنه أدرك بعد حين أن ذلك هو حقي في الاختيار.

كل تلك المشاهد جمعها عقلي عندما سألتني جدتي عن الحجاب مؤخرًا، تبلغ جدتي من العمر حوالي خمسة وسبعين عاماً، هي أم لثلاثة رجال وآمرأتين.

لم تكمل جدتي تعليمها بعد الابتدائية، لأن تلك كانت العادة في بلدتها حينها، ولحسن حظها لم تتزوج في سن صغيرة؛ تحكي لي أنها تزوجت في عمر الثمانية عشرة وأنجبت أبي عندما أتمت العشرين عاماً.

تسألني جدتي لماذا خلعت الحجاب؟ فأرد عليها بسؤال آخر: “كيف ارتديته أنتِ؟”.

تجيب أنها ارتدته عندما أنجبت أبي وعمتي الكبيرة، فاسألها سؤالًا آخر، هل طلب منك جدّي أن ترتدي الحجاب؟ فترد بالنفي وتستطرد أنها فعلت ذلك برغبتها الكاملة بلا أي إجبار من شخص.

أتعجب كيف اختارت جدّتي، التي كانت متزوجة وأماً لطفلين، بكامل إرادتها أن ترتدي الحجاب، وكيف  أخوض أنا المعارك حتى يومنا هذا، على الرغم من أنني عزباء متعلمة بل وطبيبة أيضاً! كيف يمشي الزمن إلى الوراء فلا تستطيع أي امرأة أن تختار حياتها والشكل المناسب لها بسهولة.

أرد على جدتي بأنها اختارت وأنا لم اختَر… يسود الصمت على المكالمة وتغلق جدتي هاتفها. أمسح الدموع التي تهرب من عينيّ وأذهب لأكمل الاستذكار لأن هناك امتحاناً في اليوم التالي، ولن يفهم أحد أنني لم أتمكن من الاستذكار جيداً لأنني كنت أخوض حديثاً مع جدتي.

اخترت الرقص كمهنة لأنني لا أريد التقييد، أرقص في المساحات الواسعة وأتحرك بخفة لأن جسدي يحب الحركة واستغلال الأماكن التي حوله. تخبرني جدتي أن الطبيبة التي تدربني هي السبب في قراري بالتخلي عن الحجاب، هل اتهم جدتي بالسذاجة؟ أنا أحبها أكثر من أي شعور آخر، ربما لأنها تعاملني معاملة خاصة، أنا حفيدتها الكبرى التي انتهيت من دراسة الطبّ ولم أخذلها يوماً سوى في التخلي عن الطرحة.

تستطرد جدتي في الحديث، تخبرني أن الناس من حولي في المدينة الكبيرة بعكس الناس من حولها في مدينتها الريفية الصغيرة، هذا الإطار الضيق المسمى بالمدينة الصغيرة الذي يفسد علي جميع أحلامي، كيف أتعامل مع هذا الإطار الضيق وأنا اعتدت الرقص في المساحات الواسعة؟ لن تفهم جدتي أبداً ما فعله الرقص بي، كيف أصبح لجسدي ولشعري رغبات ومشاعر مستقلة تماماً عن تلك الرغبات التي يفرضها إطار المدينة الضيق.
عشر سنين لا هويّة لشعري

أخفيت شعري من عمر الحادية عشرة حتى الثانية والعشرين، بلا أي علاقة معه، كانت علاقة طمس لهويّته، أو علاقة تهميش. “غياب علاقة” عمرها إحدى عشرة سنة يجب إعادة بنائها، هل أمشطه وأتركه؟ هل استخدم السشوار لأجعله أملسَ سائحًا؟ هذا لن يعكس علاقتنا المعقدة أبداً، سيبدو مظهري كفتاة مطيعة لا تجادل أبداً، هذه ليست أنا، هل أتركه طبيعياً مجعداً تعكس انحناءاته أمزجتي المختلفة في التفاوض والشجار من أجل حريته؟ نعم هذه هي الطريقة المثلى.

هكذا أعاد بناء الرقص علاقتي بشعري، ساعدني على تقبل ذلك الشيء الذي يغطي رأسي ولم يُسمح لنا بتكوين علاقة بيننا، كان بناء العلاقة مع المجهول صعباً، ولكني في النهاية ارتبطت به.

تركته ينمو على طبيعته، لم يكن مظهره مُرضياً بالمقارنة بالوقت الحالي، ولكنه كان مناسباً لعلاقتنا المتوترة التي انتهت في النهاية بالتصالح معه.

هكذا عانيت من اضطرابات هويتي، تلك التي لن تفهمها جدتي أبداً، لن تفهمها حتى لو شرحت لها الأمر، هي لم تمر بنفس التجربة، حتى عندما تقرر التخلي عن الخمار ولبس مجرد حجاب صغير، لا يتدخل أحد بأي شكل، تفعل هي ما تريد، أما أنا فأتشاجر أو أتفاوض وأرقص لأفعل على ما أريد.

سلمى الديب

المصدر: رصيف 22



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع