أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون إيرانية » سوريا : قصف إسرائيلي بأوامر روسية

سوريا : قصف إسرائيلي بأوامر روسية

خاص بسوريتي – بشر حاج إبراهيم

مرت الهجمات التي تعرضت لها قاعدة حميميم عام 2018 عبر طائرات مسيّرة، دون أن تكشف روسيا عمّن نفذها. إذ أشارت روسيا يومها بشكل “خجول” إلى تورط دولة إقليمية في تلك الهجمات، رغم الخسائر الفادحة التي حققتها تلك الهجمات. ولو لم يكشف صحفي روسي عن أولى تلك الهجمات لكان الجيش الروسي أبقاها طيّ الكتمان، نظراً لحساسيتها ومباغتتها بالنسبة لروسيا.

 

من الناحية التقنية، اعتمدت تلك الهجمات على تكنولوجيا عالية لطائرات مسيّرة عن بعد قادرة على حمل قنابل كبيرة موجهة، وهي تكنولوجيا أعقد بكثير من الطائرات المسيّرة رباعية المراوح (كوادري-روتر) التي أصبحت في متناول الجميع وتعجز عن حمل قنابل ثقيلة أو عن تنفيذ هجمة واسعة كهجمات حميميم. كما تحتاج تلك العمليات إلى شبكة اتصالات خاصة ومشفرة للربط فيما بين الطائرات وبين المتحكم بها من جهة، وبين منفذي العملية والمراكز العسكرية التي أعطت الأوامر، كي تستطيع تنفيذ ضربتها بسريّة ودون تشويش. وهي بذلك كانت حتماً منفصلة عن شبكة الهاتف المحمول وشبكات الاتصال العامة.

 

كل تلك القدرات التكنولوجية، أبعدت احتمال تنفيذ تلك العمليات من قبل فصائل المعارضة السورية المسلحة التي تفتقر إلى الأسلحة المتطورة والتخطيط العالي المنسق. كما أن أحداً من الفصائل لم يعلن مسؤوليته عن تلك العمليات. ويبقى التصريح اليتيم لروسيا حول تورط “دولة إقليمية” في تلك الهجمات، الخيط الوحيد لنا للوصول إلى المنفذ الفعلي لتلك العمليات.

 

فيما سبق أتعرّض لمعطيات ومعلومات تم نشرها. وفيما يلي أعرض رأيي الشخصي فيمن يمكن أن يكون وراء تلك العمليات، لأوسّع الحديث عن الاتفاق الروسي-الإسرائيلي حول العمليات في روسيا ومنعكساته على النفوذ الإيراني والميليشيات المرتبطة بإيران.

 

منذ عام 2015، وبداية التدخل العسكري الروسي في سوريا بشكل معلن، كان الجميع يتوقع صداماً على النفوذ بين روسيا وإيران. ولكن ذلك لم يكن ممكناً نظراً لمصلحة الطرفين في مواجهة المعارضة التي كانت ما زالت تسيطر على معظم الأراضي السورية، وكانت تمتلك حلفاء أقوياء إقليمياً ودولياً. كما أن إيران كانت تمتلك القوة البشرية الأكبر على الأرض مقارنة مع انتشار بريّ روسي هزيل.

عدة نقاط ساهمت في إضعاف ذلك الحلف مع مرور السنوات، وكلها تصب في خانة انعدام مصلحة الطرفين في استمرار الحلف نظراً لأطماعهما في سوريا والتي لا يمكن أن تلتقي. من تلك النقاط انهيار خطوط المعارضة العسكرية، وانتشار القوات الروسية البرية وميليشياتها، وبدء روسيا بالسيطرة على القطعات الأقوى من جيش النظام السوري والأقرب إلى مركز السلطة، ودخول تركيا كحليف إقليمي لروسيا، واللقاءات الروسية-الإسرائيلية المتكررة، والاتفاقات الاقتصادية الروسية-السورية الكبرى التي أقصت إيران بعد إنفاقها المليارات على العمليات العسكرية في سوريا. مع كل تلك المعطيات، كان لا بد لذلك الحلف أن يبدأ بالتضعضع.

 

إن لم أكن مخطئاَ فإن التباعد الروسي-الإيراني أدى عام 2018 إلى هجمات على قاعدة حميميم الروسية بأوامر وتكنولوجيا إيرانية ومن قبل ميليشيات مؤيدة لإيران. وبذلك، فقد بدأ يومها الصراع بين روسيا وإيران للسيطرة على سوريا.

 

أذكّر القارئ بأن مقالتي تعتمد على مقدمات للوصول إلى استنتاج قد يكون مخطئاً، وأترك له قدراته على استنتاج ما أمكن، نظراً لضعف المعلومات المتوفرة في الوقت الحالي حول ما يجري عسكرياً بين الطرفين، وحول ما يجري في الكواليس بين الدول المعنية.

 

أعود بعد ذلك إلى الضربات الجوية الإسرائيلية في سوريا، والتي تكررت بشكل استثنائي خلال العام المنصرم 2018 وبداية العام الحالي 2019. حيث استهدفت تلك الضربات بشكل أساسي القوات الإيرانية المتواجدة في سوريا والميليشيات الحليفة لها. وأطرح هنا السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعاً: ألا تلتقي المصلحتان الروسية والإسرائيلية حول ضرب التواجد الإيراني في سوريا ؟ ألا تلتقي المصلحتان الروسية والأمريكية حول ذلك ؟

 

برأيي الشخصي، الضوء الأخضر الروسي لضرب إسرائيل للتواجد العسكري الإيراني في سوريا قد أعطي على الأقل منذ بداية 2018، إن لم يكن قد أعطي قبل ذلك بكثير مع تأجيل التنفيذ. ونحن نرى اليوم آثاره الفعلية على الأرض. وحسبما أرى فإن هذه الضربات ستستمر حتى لو ابتعدت القوات الإيرانية وميليشياتها عن الحدود الإسرائيلية، فالاتفاق الروسي-الإسرائيلي أبعد وأعمق من أن يكون حول أمن الحدود الإسرائيلية. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هو عن الخيار الذي ستتبعه إيران في مواجهة قرار إبعادها عن سوريا، وعن قدراتها في حال قررت الاستمرار في سياستها التوسعية التي تتعارض مع سياسات الدول الكبرى والإقليمية.

 

الأشهر المقبلة تخبئ الكثير من الأحداث، وسوريا إذ أصبحت ملعباً للنفوذ الإقليمي والدولي، فإنها أصبحت أرض التحالفات الجديدة التي لم نعهدها سابقاً كالتحالف التركي-الروسي، والصراعات الإستراتيجية كالصراع الروسي-الأمريكي والروسي-الإيراني. والشعب السوري هو من يدفع الفاتورة أولاً وأخيراً.