أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » القضية السورية : تجاذبات إقليمية ودولية بقلم الباحث والكاتب أسامة محمود آغي

القضية السورية : تجاذبات إقليمية ودولية بقلم الباحث والكاتب أسامة محمود آغي

قراءة لوحة الصراع على سوريا لا تحتاج إلى جهد جبّار لمعرفة نيات القوى المنخرطة في هذا الصراع، فالروس الذين اختطوا مسار آستانة اكتشفوا في النهاية أن هذا المسار طريق مسدود النهاية، وأساس الانسداد يخضع لميزان قوى متبدل بين مجموعتين هما مجموعة آستانة الثلاثية (روسيا وإيران وتركيا) ومجموعة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

ولفهم التجاذبات بين أطراف الصراع السوري واتجاهات حلّه السياسي، ينبغي فهم مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فيه وقدراتها. فإيران التي استثمرت عسكرياً ومالياً واقتصادياً في هذا الصراع، كانت تريد أن تؤمن لنفسها ممراً برياً حيوياً، يصل بين البحر الأبيض المتوسط وطهران. هذا الممر هو طريق حرير جديد، يخدم استراتيجية إمبراطورية فارسية، تكافح حكومة ملالي طهران من أجل بنائها.

الممر البري الحيوي بين المتوسط وطهران يحتاج بالضرورة إلى حاضنة تحرسه دائماً وهذا الأمر عملت طهران وما تزال تعمل من أجل تحقيقه من خلال عمليات تشييع السكان والتغيير الديموغرافي في العراق وسوريا. هذا الممر البري سيصطدم بمصالح حيوية للضامنين الآخرين في اتفاق آستانة (روسيا وتركيا). إضافة إلى أنه يشكل تهديداً لدولة إسرائيل، ولذا نجد أن الروس يعيدون إنتاج مواقفهم من الصراع السوري ومن أسلوب حلّه، وهذا يتضح من خلال إغماض العين الروسية عن عمليات القصف والتدمير كلها للوجود العسكري الإيراني على الأرض السورية. فالروس لا يريدون الاصطدام المباشر مع الإيرانيين في سوريا، لأن مساحة العلاقات الثنائية الاقتصادية بينهما واسعة، ولذلك لا يمانع الروس من قيام إسرائيل أو قوى التحالف الدولي بتدمير قواعد الوجود العسكري الإيراني لإجبار إيران على سحب قواتها وميليشياتها من سوريا، ما يمنعها من فرض تصوراتها للحل السياسي النهائي، أو فرض شروط لموافقتها على حل سياسي دولي.

الموقف التركي واضح من حيث حاجته إلى أمرين أساسيين من حالة الصراع على سوريا، الأمر الأول يتعلق بضرورة إنهاء خطر قوات YPG -العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية- على أمن تركيا وسلامة أراضيها كما تدعي حكومة أردوغان. والأمر الثاني هو عدّ سوريا جزءاً من المجال الحيوي الاستراتيجي للدولة التركية التي تعمل جاهدة لتشغل موقعاً اقتصادياً متقدماً بين مجموعة الدول العشر الأولى الكبرى اقتصادياً. وهذا ما يثير قلق الولايات المتحدة ويدفعها إلى العمل من أجل خفض الاندفاعة التركية، خوفاً من دورٍ تركي أوسع إقليمياً ودولياً على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية. الأمر الذي يدفعها إلى رعاية YPG عدو تركيا مع حزب PKK . الخوف الأمريكي مرده إلى اقتراب انتهاء مدة اتفاقية لوزان التي ينتهي العمل بها عام 2023 التي كانت تكبل أيدي تركيا في استثمار ثرواتها الباطنية.

محاولات الولايات المتحدة في هذا الشأن ترتبط بحالة مدٍ وجزرٍ سياسيين نتيجة الصراعات الموجودة بين إدارة ترامب من جهة وباقي مؤسسات السلطة الأمريكية كالكونغرس ووكالة المخابرات المركزية والبنتاغون.

إذاً يمكننا القول إن مصالح هذه الأطراف المنخرطة في الصراع على سوريا ليست في حالة انسجامٍ حقيقي، فالتناقضات في المصالح بين مكونات مجموعة آستانة ومجموعة التحالف الدولي هي من يقرر نقطة التوازن النهائية لحل الصراع بما يتفق مع هذه النقطة التي يشكل القرار الدولي 2254 محورها الرئيس وستجبر اللاعبين الكبار على قبول حلٍ سياسي وسطٍ للقضية السورية، يتمثل في ضرورة وحدة الأراضي السورية، وإعادة إنتاج نظام حكم سياسي بصورة تعكس توازن المصالح الإقليمية والدولية بوضوح، حيث تظهر تأثيراته انعكاسات لميزان القوى العسكرية والسياسية لقوى الصراع. وهذا ما يُضعف فاعلية النظام الأسدي بصورته الأكثر تشدداً وراديكالية، ويُتيح الفرصة لقوىً من داخله كي تتقدم وتطفو على السطح للمساهمة الجدية في تغيير بنية الدولة الأمنية لتصير دولة توازنات داخلية وإقليمية ودولية إلى حين.

هذه الرؤية تدفع إلى القول إن الرابحين الأساسيين من القضية السورية هم في الحصيلة من يحدد نهاية الصراع، الذي استمر ثمانية أعوامٍ، ومن يحدد حصص اللاعبين الداخليين والخارجيين وحجم هذه الحصص.

التجاذبات الإقليمية والدولية المستمرة حول سوريا ستسمح بفتح طريق نهائي لحل الصراع السياسي في البلاد أو تمضي بالخريطة السورية إلى مزيدٍ من التمزق في ظل استمرار نظام الاستبداد.

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع