أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » مقتطفات من المجموعة القصصية لجميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

مقتطفات من المجموعة القصصية لجميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان

أيمن

يتحدّث أيمن، فيقول:
“كان عليّ أن أعدّ أعضائي، أتفقدّها بحذر، كلّما قطعنا مسافة إضافية خارج القرية. التحقّق من اكتمال الجسد بات فعلاً روتينيّاً في الحرب السورية. قد تسقط يد أو رجل، ويشعر المرء بسرعة خاطفة أن النقصان نال منه.
الفُتحة الضيّقة التي تُركت لنا لنخرج من بلدتنا، تحوّلت إلى مَطْهر يفرزنا بين ناجين وقتلى. تلك الفُتحة هي الممرّ الوحيد الذي يربط البلدة بالخارج. الجيش السوري يحاصرها من الجهات كلها، والجنود يطلقون النار على العابرين بشكل عشوائي، فلا يمر سوى من أخطأته رصاصة. مئات البشر سقطوا أثناء عبورهم، بعضهم كان يحمل أكياساً قطنية وضع فيها بعض الضروريات، وآخرون كانوا يحملون أبناءهم الرضع، يترصدون لحظة استقرار الطلقة في أجسادهم، ليسلّموا أطفالهم إلى من نجا ولو دقائق إضافية مؤقتة.
نصب الجنود لنا فخاً، فخاً جحيمياً، تتحلق في أرجائه كتل اللهب، وتتصاعد منه رائحة اللحم البشري. تمنيت أن تتعطل حواسي، أن يتوقف أنفي عن الشم. رائحة الأجساد المشوية استوطنت خلاياي كلها. شعرت لوهلة أن النار تتقد في أحشائي، وجميع الرصاصات المحلقة في الهواء ستستقر في جمجمتي. ناداني أحد الذين كانوا يرافقوننا: أيمن ..!! أيمن..!!، ليتيقن من استمرار وجودي. الأسماء مهمة في هذه اللحظة، تساعدنا على تثبيت وجودنا. الجثث المنتشرة حولنا خسرت أسماءها وهذا ما يميّزنا عنها.
مشينا أياماً سيراً على الأقدام . نختبىء نهاراً ونسير ليلاً، أنين الجرحى لا زال يطنّ في أذني، صادفنا أثناء هربنا أجساداً تنزف. لم يكن ثمّة مسعفين، ويُكمل أيمن: عائلات بكاملها أُبيدت، دون أن يعرف بها أحد .
غريبة تلك اللحظة التي نخرج فيها من الحياة، من دون أن نصل إلى الموت، نتأرجح بعبث بين عالمين، نظن أننا اقتربنا من أحدهم فيشدّنا الآخر إليه. كانت أمي على صواب حين أوصتني مراراً بأن لا أضع قدما في الحقل وأخرى في البيدر، كأن والدتي قد تنبأت بوصول هذه اللحظة الجحيمية، لكن مثَلها الشعبي الذي لم يفارق أحاديثها يوماً، تحول إلى امتحان وجودي. الفُتحة هي اللحظة الفاصلة بين التنفس وعدمه، الشهيق لا يتبعه زفير فوراً. هناك مسافة كابوسية تختلط فيها أصوات الأنين بروائح الاحتراق ورغبة النجاة.
لم أكن أدري أن طريق الخروج من الجحيم لا يقل جحيماً عنه، الفُتحة كانت امتداداً لما يحصل في بلدتي. رغم القصف والقتل العشوائي، قاومتُ فكرة النزوح عن المدينة. صمدت سنتين ونصف السّنة قبل أن تجبرني دموع ابنتي على الرضوخ لفكرة المغادرة. كانت تتكوّر على نفسها كلّما اشتد هطول القذائف وتبكي بحرقة. خوفها هزم تعلقي بالمكان الأول، دفعني إلى ترحيل أفراد عائلتي ثم اللحاق بهم بعد مدة.
كان صعباً عليّ أن أترك تفاصيل مادية، تراكمت ببطء خلال سنوات وجودي في وطني. بعد تخرجي من جامعة دمشق، اخترت العودة إلى بلدتي. اخترعت جنتي الخاصة، مزرعة واسعة، تتوسطها بركة ماء، وتسيجها الأزهار. كبر أولادي الأربعة مع أشجار الجوز والدراق والتفاح والخوخ و الإجاص، كنت كلّما قطفت موسماً يقطعون معه مرحلة دراسية.
تدرّجتُ في وظيفتي الحكومية، لكن الارتياح العائلي والوظيفي لم يعوضني عن شعور الامان المفقود في بلادي. أرعبتني فكرة أن اعتقل يوماً ما ويجري تعذيبي بأشنع الطرق. كما حصل مع جاري عصام . أمضى الرجل الخمسيني أشهراً في الاعتقال. التفاصيل التي سردها علينا حين عاد، تخزنت في ذهني، تحوّلت إلى صور تخدش استقراري النفسي، صار عصام يمشي بصعوبة نتيجة ضربه باسلاك حديدية على قدميه، أراقبه من بعيد، وتسيطر عليّ فكرة أنني غداً سأكون الضحية القادمة. هذه الهواجس لم تكن تفارقني، وتحولت بعد حادثة جاري إلى رهاب عنيف، كان يدفعني إلى خفض صوت التلفاز لدى ظهور معتقلين على إحدى الفضائيات.
وجدت في لحظة ما، آلية دفاعية لمواجهة الخوف المديد في داخلي، تدرّجت في معالجة نفسي، من التضامن مع الضحايا إلى مراقبة التظاهرات وتناقل أخبارها.
حياة بكاملها جرى محوها. البلدة ، الجيران، المزرعة، الوظيفة، أشياء باتت أقرب إلى الوهم، الجنود المهاجمون خيّرونا بين الرضوخ لهم أو سحق حيواتنا السابقة.
أحنّ كثيراً إلى شجرة الدرّاق التي كنت أعدّ ثمارها كل صباح. تغيرت هواية العدّ عندي، أصبحت مهووساً بعدّ النقود التي من المفترض أن تكفيني مع عائلتي حتى آخر الشهر في بلاد النزوح. صحيح أن تكاليف العيش في قرية بقاعية في لبنان انتقلنا إليها هي أقل من المدن الأخرى، لكن المقتلعين أمثالنا الذين فقدوا كل مادياتهم يحتاجون إلى كل شيء، الجدران، الألبسة، الأكل، وحتى البسمة.
قبل المجيء إلى هذه القرية، عشنا أشهرا في مدينة لبنانية، هناك كنا نسمع أصوات المعارك في القرى الحدودية. تفاقم الاوضاع أيام الشتاء دفعنا إلى النزوح مجددا، لنتشارك منزلاً صغيراً مع مجموعة عائلات. لم أنجح في إيجاد عمل. مستقبل أولادي التعليمي شبه مجهول.
امضي يومي في عدّ القتلى في بلادي، متنقلاً بين نشرة أخبار وأخرى. لم تعد ثمار الدراق موضوع العدّ عندي، وعدّ النقود بات فعلاً روتينياً. في بلاد النزوح يقع الخيار على الضحايا. في الحرب ينشغل المرء بعدّ أعضائه…