أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عبد الكريم البليخ : الرَّقة… إلى الوراء دُر

عبد الكريم البليخ : الرَّقة… إلى الوراء دُر

في طريقي شمالاً حيث مدينة الرَّقة، واصلت رحلتي عبر الرمال بعد أن اجتزت صحراء بادية الشام الممتدة على مدى البصر، لأكتشف أننا جميعاً كعرب نعيش في نفس التقسيم الجغرافي القاسي.

واحات ضئيلة من الخضرة وسط قبضة صحراوية بالغة القسوة والإحكام، ظللت هكذا إلى أن وصلت إلى حضرة واحد من أهم هذه الأنهار وهو “الفرات” نهر العسل. وظلّت الرَّقة شاهد التاريخ الحي في سورية.

إنّها درّة الفرات، كما يُحب الجميع أن يطلقوا عليها، وكل مَعلم فيها هو علامة على مرحلة من التاريخ، نبحر منها إلى الأسفار الأولى في تاريخ البشرية، للصوّانيات الحجرية التي ابتكرها الإنسان. أدواته للحياة وللقرية الأولى التي أسسها في “تل المريبط” في العصور الحجرية فسبقت غيرها، وإلى البوابة التي ولج منها أبو هريرة، وتل أسود نحو البداوة والرعي والزراعة، لنصل إلى “توتول” الشاهد على نهضة العصور التاريخية القديمة بعماراتها واقتصادها وقوّتها وشريك ممالك إيبلا وماري وإيمار، وإلى سورا الحصن الحثي والأشوري، والرّصافة الأولى وطريق الحرير والصفحات الطويلة من الكرّ والفرّ بين ممالك العصور الوسطى التي طبعت حكاياتها على الألواح والرقم المكتشفة، ويصطفي الفرات من قصص الغابرين المآثر في العصور الإسلامية للرَّقة، فتفتح وتحتضن صِفّين وشهداءَها وترتكز عليها جيوش الفتح نحو أرمينيا، وتقترن رصافتها باسم هشام بن عبد الملك الذي يبعث فيها الحياة الزاهرة، ويرتقي بها العباسيون إلى ما هو مميّز، فيهبها المنصور “الرافقة” حاضرة تندر بطابعها المعماري.

في هذه الكلمات الموجزة يتكوّن تاريخ كامل، رقائق من الرمل واحدة فوق أخرى، ولعلّ تلك المدينة الفراتية قد اكتسبت اسمها وصفتها من تلك الرقائق التي يتركها ماء النهر عندما ينحسر عنها، لقد كانت تلك المدينة الحدودية -شأن كل المدن الحدودية – ملتقى ومنفى.

ملتقى للقوافل العابرة والثقافات الوافدة، وقبائل البدو التي تبحث عن مستقر من الأرض فيه زرع وماء، وكانت مقراً للحاميات المرابطة، وزاداً للجيوش الخارجة للفتح، كما أنها كانت أيضاً منفى لكل أصحاب الأصوات العالية الذين كانوا يجأرون بالرفض في وجه كل أنواع السلطات، ولاة أو عثمانيين أو فرنسيين، ولعلَّ هذا هو ما ملأ تاريخها بكل تلك الحيوية وجعل الكثير من سطوره حافلةً بالتفاصيل.

وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً فإنّ أحوال الرَّقة ساءت كثيراً، ولم تعد ترى في شوارعها الفسيحة، اليوم، إلّا نسبةً ضئيلة جداً من الأهالي، فصارت تعيش حالة من الهوان والرجاء! غياب الأهالي بهذه الطريقة حوّل المدينة الفراتية الجميلة الهادئة إلى مدينة أشباح، وخلت من سكانها تماماً!.

الخوف والرعب سيطرا تماماً على قلوب الناس، وعاشت المدينة حالة من الحزن والكآبة، والمحال التجارية تستعرض واقع الحياة اليومي المهمّش، مع ارتفاع غير مسبوق لأسعار المواد، وترافق ذلك مع تسابق الناس إلى اللجوء والهروب تارةً، والاختفاء تارةً أخرى من جور “داعش”، الذي حول المدينة إلى ألوان سوداوية بغيضة، وأحكم قبضته على العباد باستصدار أحكام شرعية مبالغ فيها، فضلاً عن حكم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي “قسد”، والانتهاكات التي يمارسها ضد المدنيين، من تهجير السكان، وتقييد حرية الإعلام، واعتقالات، وتجنيد إجباري، فضلاً عن طيران التحالف الذي ساهم في قتل المدنيين الأبرياء وتدمير منازلهم. أين المفرّ؟!

وهكذا هو قدرها. الرّقة المدينة التي نعرفها ويعرفها معنا كثيرون ممن سبق أن وطئ أرضها، وعن قرب تعرّف إلى أهلها الأصليين الذين فجّروا فيها بوادر الحب والصدق والأمان والبساطة. هم هكذا. طبعهم طُبع على خدود كل من زارها، واتصافهم بالكثير من الوجدانيات، وصنوف من البساطة التي يتحلون بها.

الرّقة اليوم عنوان فقط. تاريخ بلا اسم، صاغها الأغراب بأسماء شتى، ودنّسها ثلّة من الأشرار، فأعادوها إلى جذورها التي نعتز بها. تحوّلت إلى كتلة من الحجارة، ودمرت عن بكرة أبيها، وتناولها القريب قبل الغريب وكأن الثأر زرعه في أفنائها، وترامى الحجر، واعتلته ألوان من القماش وأعلام الغش المزخرفة بالدم المراق على جبينها!

إنها الرَّقة المدينة التي كانت تضجّ بالحياة، وصيغت بحلّة ولا أجمل.. ومن يصدق، بالأحرى، أنَّ هذه الصورة هي من خصوصيات هذه المدينة المنيرة التي وصلت إلى مرحلة بناء متكاملة، زينتها المحال والشوارع العريضة الفسيحة بعطر الفرات، كما زينتها باصات النقل الداخلي التي دخلتها حديثاً وأضفت إلى جمالها جمالاً.. وحدهم الحاقدون من حوّلوا هذه الصور التي تقفز أمامنا الآن إلى صور كئيبة مشحونة بالأسى!

الرّقة، عروسنا التي تفرض محبتها وعشقها في عيون وقلوب أهلها الذين ظلوا يتهامسون خفية بالألق الذي حلّ بها، والراحة التي يعيشها أبناؤها في ظل نهرها الخالد، ها هي اليوم قتيلة، جريحة تنزف دماً جرّاء الإعصار الهادر، والدمار المخجل الذي أحالها إلى صور مأساوية لم تعد العين تتقبل ما حدث لها، وهي الأم الرؤوم التي حاكت الإنسان القديم الذي استطونها وعاش معها أياماً لا تنسى.

إنها الرّقة، المدينة الجميلة العريقة الشامخة بتضحيات أبنائها وبزهو شبابها وبساطتهم وطيبتهم.

اليوم، أين الرّقة؟ أين أهلها؟

لقد تناثروا في بقاع مختلفة من العالم، وداستهم، وللأسف، أحذية مدنَّسة بالجيف، وحرموهم من العودة إليها بذرائع شتى حتى يتسنى لهم تفجيرها من جديد، والتمكّن من سرقة محتويات بيوتهم التي صارت مشرّعة للمحتل المغتصب الذي نادى بتحريرها!!.

الرقَّة، المدينة المسالمة، المزروعة بنبل أهلها وشهامتهم، وقدرهم الذي عاشوه، وها هم اليوم يأملون شوقاً في العودة إليها، وإلى طهارة ترابها الذي دنّسه الأوغاد. الحاقدون الذين يتغنّون بالتحرير الباطل، والعفونة التي أجهضت حياتهم، وها هم يعودون إلى بعض الأماكن ملتمسين العيش بأمان، على الرغم من ضيق ذات اليد، وبيوتهم المدمّرة المخرَّبة، فضلاً عن مسح الكثير منها عن وجه الأرض! فأيّ ذنب اقترفوه، وأي وزر نأسف على احتوائه؟.

إليكم يا أهلنا، ويا أبطالنا الذين تحمّلتم قساوة أيام العيش الذليل في مخيمات اللجوء المبهمة وليالي التهجير المتعبة الحاقدة، وأنتم من كنتم حاملين لكثير من ألوان الوفاء، والمشهود لكم بالطيبة والكرم، فقد نال منكم القدر وأتعبكم وأذلكم بدون عنوان، فأيّ مبرّر هذا الذي تحملتم ذلّه وإهانته.

فلتطمئن قلوبكم الصافية، سليلة الوفاء والنذر الحسن على أنكم ما تزالون تتصفون بصفات طالما كانت رفعة رأس لنا، نحن أبناؤك الذين انسلخنا عنك مجبرين، وأقدم إخوانك الأذلّاء على نهشك، ولم يكفهم هذا بل أسهموا في لعناتهم الخبيثة المبيّتة مسبقاً بتهجير أهلها ونسف بيوتهم، وتطبيق المواصفات الشرعية الباهتة، التي تركت انطباعاً يَندى له الجبين، وتعليمات وقرارات مجحفة نالت من كرامتهم، ونثرت في وجوههم التراب، واعتبارهم كفّاراً لا علاقة لهم بالإسلام، وهم العارفون أكثر منهم بصفاته وتسمياته.

من القلب الذي يقطر دماً وعشقاً، إلى مدينتي الحبيبة التي تنتظر قيامها من رقاد الأموات، أقول: ليبارك الرحمن مدينة الأحلام. مدينة الرحمة والغفران. المدينة التي احتضنت الناس البسطاء الذين عاشوا في ظلها، واستهواهم مقامها ومفردات اللهجة التي طُبعت في وجدان زوارها وما أكثرهم.

إنها الرّقة المدينة العزيزة ولا سواها، هي من بقيت في القلب وما تزال.. فليحفظ الله رقتنا الخالدة، وليعد قسماتها ونفسها النقي بعودة أهلها إلى حضنها الدافئ، ونلتمس ذلك في عاجل الأيام..

عبد الكريم البليخ



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع