أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » خمسة أطفال ورغيف واحد

خمسة أطفال ورغيف واحد

حتى خروجنا من الغابة، كنا كبشر، مقلّدين للطبيعة بكل تصرفاتنا. مارسنا الجنس كالحيوانات، وكانت وضعية الكلب هي الوحيدة التي علّمتنا إياها الطبيعة، إلى جانب التقاط الطعام ومن ثم الصيد. وحتى وقت متأخر، أي منذ أقلّ من خمسين عاماً، ظل رجال، حين تنجب زوجاتهم، يأخذون المشيمة ويدفنها في الأرض، مقلّدين الحيوانات التي تأكل المشيمة مخافة أن تجذب رائحتها للحيوانات المفترسة.

وإذا أنجبت قطة أولاداً مرضى، فإنها تقتلهم لأنهم سيكونون عاجزين عن العيش بمفردهم. وإذا أنجبت أربعة أولاد، وكانت عاجزة عن حمايتهم تقوم بقتلهم، وإذا وجدت نفسها في محيط شحيح بالطعام تأكل بعضاً من أولادها كي تؤمّن الحليب للبقية. هذا تصرف غريزي مشترك بين جميع الحيوانات بعد حساب بسيط لاحتمالات النجاة.

كما الحيوانات، مارس أجدادنا القدماء السياسة ذاتها. هكذا كان البدو يئدون أطفالهم كي لا يعيقوا ترحالهم. في أماكن أخرى من العالم، إذا ولد الأطفال في موسم القحط، يُقتلون. عند الأسكيمو القدماء، كما يقول المؤرخ ويل ديورانت، إذا بلغ الرجل من العمر عتياً وبات عاجزاً عن تحصيل قوته، وجب على أولاده قتله. كل ذلك كان مغلّفاً بتعاليم دينية تهوّن على البشر وِزر أفعالهم هذه.

في العصر الحديث، أصبحنا قادرين على الإرتقاء بتصرفاتنا ووضع قيم اجتماعية وحياتية تحفظ كرامة الإنسان وتحميه مهما كانت ظروفه. لكن، هل نتّخذ دائماً الخيار الصائب؟

كانت عائلتنا تتألف من خمسة أخوة، وكان أبي إلى حدّ ما، مقتدراً مادياً، حيث لم يحتج أي منا للعمل كي يساهم في إعالتنا، وكانت المدارس التي ارتدناها جيدة إلى حدّ ما. لم تكن ممتازة لكنها جيدة. على العكس منا، كانت عائلة جارنا التي تحوي سبعة إخوة، وكانت أوضاعهم المادية سيئة إلى حدّ كبير، ما دفع الأولاد إلى سوق العمل في وقت مبكر، مهملين بذلك دراستهم. كما كان تحصيلهم العلمي رديئاً والمدارس التي ارتادوها ذات مستوى متدنٍّ.

من ذكريات ذلك الزمن أيضاً، أن جارنا الآخر ولدت زوجته طفلاً مصاباً بالشلل. أذكر كيف كان ذلك المصاب حديث القرية لفترة لا بأس بها، وقد عانى جارنا في ما بعد الكثير من أجل تأمين العناية الصحية لطفله، ما حرم باقي أولاده من حياة أفضل وتعليم أفضل. وتحول الولد عالة على عائلته.

كنا مجتمعاً قروياً يمتلك الكثير من القيم التي ما زالت إلى اليوم تحظى بالكثير من التقدير. إنجاب الكثير من الأطفال يعد قيمة، الإهتمام بالمريض وإعالته قيمة أخرى، وكان كل شيء مغلف بقدسية دينية لا يمكن اختراقها، حيث المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وحيث يولد الطفل ويأتي برزقه معه، أما الطفل المريض فبركة وامتحان الله لعباده.

على العكس من تقاليدنا القروية تماماً، كان مجتمع المدينة. عندما انتقلت إلى بيروت، كان زميلي في العمل الإبن الوحيد في عائلته، وقد استفاد بسبب ذلك من الكثير من الإمتيازات. حصل على تعليم جيد ولم يكن بحاجة لأن يقتسم إرث والديه مع أحد، ما وفر عليه الكثير من العناء وحياة جيدة إلى حد ما.

في ما بعد، اكتشف زميلي في العمل أن زوجته حامل، وبيّنت الفحوص أن الجنين مصاب بالمرض. كان الخيار حينها صعباً، خصوصاً بالنسبة إلى شاب متدين. بعد الكثير من الأخذ والرد، تقرر إجهاض الجنين.

في فيلم كفرناحوم للمخرجة نادين لبكي، ينتهي الفيلم بمشهد محاكمة طفل لأهله الفقراء لأنهم أنجبوه. تعرض الفيلم بسبب ذلك إلى العديد من الإنتقادات، ولست هنا في وارد الدفاع عن فكرة الفيلم أو دحضها. من حق الجميع الإنجاب، أكانوا فقراء أم ميسورين، لكن على الجميع أيضاً احتساب احتمالات البقاء حتى لا يكون في بيتنا خمسة أطفال ورغيف خبز واحد.

قاسم مرواني
كاتب لبناني

al modon

عندما يصبح رغيف الخبز أمنية

عندما توقفت السيارة التي تقلنا في أحد الطرقات الداخلية لقرية من قرى غوطة دمشق الشرقية التي ترزح تحت حصار قاس منذ سنوات لم أدر من أين جاء كلّ هؤلاء الأطفال الذين تحلّقوا حولنا عندما نزل السائق أبو صلاح الذي يقلنا ليوزّع على بعض الأسر بعضاً من أكياس الخبز التي أحضرها معه من دمشق.

كانت عملية بطولية تشبه أحداث أفلام (الأكشن) سيارة تسير أكثر من خمسة كيلومترات ليلاً بدون أضواء على طريق ترابيّة لا تدري ماذا تخبئ لك تضاريسها الوعرة، فمن المتوقع أن يرصدك كمين معادٍ لشبيحة الأسد وتنتهي مغامرتك إمّا ميّتاً أو أسيراً في معتقلات الأسد تتمنى الموت، وربما ترصدك نيران صديقة تظنّ أنك عدو يتسلل خلف خطوطها، ولو كانت على علم مسبق بأنك قد تصل بين ساعة وأخرى، ففي الظلام يحصل كل شيء، ومن يدري، وربّما يصطدم أحد إطارات السيارة بحجر كبير يسبب لك مشكلة، أو تنزلق السيارة في حفرة تتوقف معها عن الحركة فينكشف أمرك مع بزوغ الفجر، كلّ هذا مع احتمال عدم القدرة على العودة ثانية إلى دمشق إذا ظهرت بوادر تأزم على خطوط التماس، فهل تستحق هذه المهمة المجازفة مع كلّ هذه المخاطر وغيرها.

أن تُدخِل إلى منطقة تعاني من حصار ظالم يمنع عنها دخول كيلو من الطحين أكثرَ من مئة كيس خبز يكفي كلّ واحد منها إطعام أسرة ليوم أو يومين يستحق المخاطرة في قناعة السائق أبي صلاح ابن تلك المنطقة الذي يعيش في دمشق والذي كان يقول: إنّ هذا العمل لا يقلّ أهمية بل ربما يفوق من حيث الظرف والتوقيت عمل من يحمل البندقية في الرباط على الثغور، وخصوصاً إذا علمت أنّ بعض هذه الأكياس تذهب لهؤلاء المرابطين.

لن أنسى ما حييت أبداً تلك النظرة في عيون الأطفال وهم يتابعون يد السائق التي تحمل كيس الخبز لتنقله إلى يد رجل أو امرأة، كانت حدقات أعينهم تدور وتنتقل بين يديه وبين ربطة الخبز كأنما تتابع لعبة كرة، ولولا الحياء لخطفوا أحد تلك الأكياس وهربوا به بعيداً، وليكن بعد ذلك ما يكون.

لم أر أحداً ممن أخذ كيس خبز دفع للسائق مالاً، هل يقدّم السائق الخبز للناس من غير مقابل بعد هذه المعاناة في نقله إلى هنا؟ عندما سألته قال مغضباً: مالك ولهذا، هل ينقصك شيء لو لم تعرف!

تجرأ أصغرهم سناً بالطلب المقترن بحرقة المستعطف: (عماه أعطني كيساً) ربما كانت هذه قمة الشجاعة في نظر باقي الأطفال، ولكنّ المؤلم بالأمر أنّ السائق لم ينتبه لصوته الصغير وهو منشغل مع الكبار الذين كان يحاول بعضهم أن يأخذ أكثر من كيس، اضطر الصغير لأن يعيد طلبه مرة ثانية: (عماه أعطني كيساً) قال السائق وقد انتبه إلى صوت الصغير: يا عمو الآن يأتي والدك ليأخذ حصتكم، قال الصغير: والدي لا يأكل الخبز، إنّه في الجنة يأكل الموز، قالت والدتي إنّه لن يأتي أبداً، لقد سبقنا إلى الجنّة، وقالت أيضاً: هناك في الجنّة لا يوجد بشار، ولا يوجد حصار، ولا يوجد قصف ولا صواريخ ولا يوجد شبيحة يذبحون الأطفال.

لم أستطع أن أمنع دمع عيني وأنا أتابع المشهد الذي قطعه صوت امرأة تسأل السائق أبا صلاح: هل أحضرت معك الدواء الذي طلبته منك؟ قال السائق: لا أدري لقد أحضرت معي كيس دواء، انتظري قليلاً ريثما انتهي من توزيع أكياس الخبز لأرى. هممت أن آخذ كيس خبز من الأكياس التي كانت ما تزال بقربي داخل السيارة التي توزّعت أكياس الخبز في جميع أنحائها، ولكنني خشيت أن يشجّع ذلك باقي الأطفال، أو ربما يغضب السائقُ أبو صلاح الذي ربما كان يوزّع الخبز وفق ترتيب معين.

لم أر أحداً ممن أخذ كيس خبز دفع للسائق مالاً، هل يقدّم السائق الخبز للناس من غير مقابل بعد هذه المعاناة في نقله إلى هنا؟ عندما سألته قال مغضباً: مالك ولهذا، هل ينقصك شيء لو لم تعرف!
قطع صوت الطفل للمرة الثالثة شرودي: (عماه أعطني كيساً) تناول السائق أبو صلاح كيساً وهو يسأل الطفل: ابن من أنت؟ قال الطفل: أبي الشهيد فلان. توقف أبو صلاح لحظة أبوك فلان؟! وبدأ المسير مفسحاً المكان للأولاد الذين تقدموا خطوات مقتربين من السائق الذي فتح كيس خبز وبدأ يوزّع عليهم رغيفاً رغيفاً، وهو يقول: يا عمو هناك من ينتظرنا في الحارة التالية.

ما إن وصل رغيف الخبز إلى يد الطفل الصغير حتى جمعه على بعضه وبدأ يقضمه بنهم، بينما أسرع آخر إلى ليعود بعد ثوان مع أخته الصغيرة ثمّ وقف بعيداً وهو يشير إلى مكان السائق.
فتح السائق باب السيارة بيده اليسرى بينما كان يناول الأطفال بيده اليمنى آخر رغيف في الكيس، تهادى على كرسيه قائلاً: والد هذا الطفل كان رئيس البلدية الذي انشق أول أيام الثورة منحازاً إلى أهله وثورتهم لقد مات مديناً.

عبدالكافي عرابي النجار
ناشط إعلامي