أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » هنادي زحلوط : المرأة في الطائفة العلوية… وطقوس التمييز!

هنادي زحلوط : المرأة في الطائفة العلوية… وطقوس التمييز!

المرأة في الطائفة العلوية… وطقوس التمييز!
طباعة أرسل لصديق
هيام جميل – الفيس بووك
27/ 03/ 2010
يقول الرحالة الفرنسي ليون كاهون في كتابه ” رحلة إلى جبال العلويين (عام 1878 م)”، “وجلست مع الرجال وجلست معنا نساء القرية وشربنا العرق و كانت نساء القرية تشرب العرق مثل أي امرأة فرنسية.
وردت ملاحظة الرحالة الفرنسي تلك في كتابه تعليقا على طقس وجده فريدا في الشرق, وجديرا بالذكر, وهو مشاركة النساء للرجال في شرب العرق, في قرية “بيت ياشوط” ذات الغالبية العلوية, التي تنتشر على طول الساحل السوري والجبال الساحلية التي كانت تعرف سابقا بـ “جبال العلويين”, نسبة إليهم.
والحقيقة أن المرأة العلوية كانت تشارك أيضا, وتبادر قبل الرجل في أحيان كثيرة إلى الأعمال الزراعية الشاقة طوال النهار, ومازالت النساء الريفيات, ومن كل الطوائف, حتى وقتنا هذا يشكلن النسبة الأكبر إلى عدد العمال الزراعيين المشتغلين في حقول التبغ والليمون والزيتون والتفاح والخضار كما في المشاتل الحديثة, وفي أعمال التعشيب والترقيع والجني.
وكجزء من الأعمال الزراعية كانت المرأة تربي الأبقار والأغنام, مع كل ما يترتب على ذلك من استيقاظ مبكر لإطعام الحيوانات والعناية بها, بالإضافة إلى الصناعات المنزلية كصناعة الألبان والأجبان وتسويقها, دون إهمال واجبها “المقدس” في تربية الأطفال وإدارة شؤون المنزل.
وإذا كانت تلك كلها واجبات المرأة فما هي الحقوق التي كانت تكتسبها بالمقابل, وما هي أشكال التمييز التي تتعرض لها؟
يشكل التمييز الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة في جميع الطوائف عائقا يحول دون حصولها على حقوقها كإنسان كما نصت عليها جميع الأديان, وجميع المواثيق الدولية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرورا باتفاقية حقوق الطفل وصولا إلى اتفاقية “سيداو” الخاصة بإلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة, وإن كانت أشكال هذا التمييز تختلف بين طائفة وأخرى نظرا لمجموعة من الظروف الاجتماعية والجغرافية والديموغرافية الخاصة بكل طائفة, فإن العنف الذي تتعرض له المرأة يرافقها غالبا في جميع مراحل حياتها.
كجميع الطوائف الإسلامية عندما ترزق امرأة علوية بمولود “بنت” فإن ذلك يعني فصلا جديدا من العنف النفسي بالنسبة لها عقابا على عدم إنجابها مولودا “صبي”, وبداية ملحمة التمييز بالنسبة للطفلة التي لم تكد تفتح عينيها على العالم, أما في تعاليم الطائفة الخاصة فإن الرجل العلوي لا يأكل مما تطبخ المرأة التي وضعت مولودها حديثا, وإن ذلك يعتبر حراما, وغالبا ما يتم إرسالها إلى منزل ذويها لمدة تتراوح ما بين أربعين يوما إلى ثلاثة أشهر قبل أن تعود إلى منزل زوجها.
منذ مئات السنين وحتى وقت قريب كانت الطفلة في المحيط العلوي محرومة من حق التعليم وكانت الأولوية دوما لتعليم الصبي الذي يرسل إلى الشيخ لدى “الكتّاب” لتعلّم مبادئ القراءة والكتابة, وكانت الخشية على الفتاة تمنعهم من إرسالها إلى المدرسة في المدينة, بالإضافة إلى الفقر المدقع الذي يحول دون امتلاكهم المال اللازم لتنقلها.
وإذا كانت الفتيات المحرومات من التعليم ينتمين إلى كل الطوائف الإسلامية والمسيحية واليهودية, فإن العلوية منهن بشكل خاص عانت من ذلك, نظرا لأسباب جغرافية وسكن ذويها في الريف بشكل خاص.
أما اليوم ونتيجة لبناء المدارس في القرى وحصول معظم الفتيات على حق التعليم فإن أعدادهن في مستويات التعليم المدرسي والمتوسط والجامعي واختصاصاته المختلفة تفوق أعداد الذكور في أحيان كثيرة.
وقد كان لذلك أن زاد من أعداد النساء العاملات خارج المنزل في الريف العلوي, لكن العمل خارج المنزل كان عبئا إضافيا أكثر مما هو حق في هذه الظروف حيث تضطر المرأة للعمل خارج المنزل وداخله وفي الحقل من أجل توفير حد أدنى من المعيشة تحت ضغط الوضع الاقتصادي العام المتردي.
لا تنال المرأة لدى الطائفة العلوية حقها في الإرث إلا نادرا, لأسباب تعود غلى العادات والتقاليد في المجتمع كما في جميع الطوائف, بل أنه يتم اعتبار من تطالب بحقها في الإرث امرأة شاذة بالمعنى الاجتماعي, ويتم التشهير بها واعتبار ذلك جريمة نتيجة الثقافة الذكورية التي تضع الرجل في المقدمة ولا ترى في المرأة إلا تابعا ومنجبة للأطفال في أحسن الأحوال.
أما الزواج المبكر فقد كان ملازما لمعظم الفتيات نتيجة تعظيم الدور الإنجابي للمرأة وعدم تعليمها والحاجة الملحة لأعداد كبيرة من القوى العاملة في الزراعة, ونتيجة لصغر عمر الفتاة فقد كان من الطبيعي أن يكون تقرير مصيرها بيد ولي أمرها, أبا وأخا وزوجا, وقد استمر ذلك حتى الآن على الرغم من ارتفاع العمر الأدنى للزواج بالنسبة للفتاة كما للشاب, وظلت سلطة الولي فوق رأس الفتاة مدعومة بقانون الأحوال الشخصية الذي يشمل العلويين مع الطوائف الإسلامية الأخرى في البلاد.
ورغم أن المرأة العلوية لم تنجُ من سكين الشرف, كما سواها من النساء في الطوائف الأخرى, بل سجلت تلك السكين حضورها مرارا بيد التخلف والجهل الذي يسم الريف كما المدينة, وخصوصا عند زواجها من رجل من خارج الطائفة, أيا تكن طائفته, فإن المرأة العلوية لا تلقن أيا من تعاليم طائفتها ولا تعرف حقيقة شيئا عن المذهب العلوي, ولا يتم تعليمها الصلاة المعروفة عند عموم المسلمين, التي يسميها العلويون “الصلاة الظاهرة”, ولا الصلاة “الباطنة” التي يختص بها الرجال العلويون, بل إن معرفتها لأي من تلك التعاليم التي تدون في كتب سرية يهدد حياتها.
لدى العلويين مناسبات دينية و”أعياد” كثيرة, يتم فيها دعوة رجال الدين ومشايخ من الطائفة للصلاة “الباطنة” في المنزل وتقوم النساء بإعداد الطبق الخاص بالمناسبة الدينية وهو القمح أو “البرغل” كما يسمونه مع القرابين التي يتم ذبحها, ولا يسمح للمرأة الحائض بلمس أي شيء يخص المناسبة الدينية, لأنها تقوم بتدنيسها حسب اعتقادهم.
ومن المعروف أن العلويين في سورية منقسمون إلى فئتين أساسيتين “الحيدريّة” و “الكلازيّة”, حيث يسكن “الحيدرية” بشكل خاص شمال اللاذقية, حتى أنهم أينما انتقلوا يعرفون بـ “الشماليين”, بينما ينتشر الكلازيون في جنوب اللاذقية وفي طرطوس, وإن زواج المرأة من رجل علوي ينتمي إلى الفئة الأخرى يعتبر غير محبذ لدى عائلات كثيرة, وقد يصل الأمر حد المنع من الزواج والعنف, وحتى وإن تم الزواج فإن محيط زوجها ينعتها طوال حياتها بـ “الغريبة”, ويتم استبعاد “الغريبة” من جميع المناسبات الدينية التي يقيمها زوجها وذووه ويجري غالبا إرسالها إلى بيت ذويها لتعود بعد انتهاء المناسبة.
لا تضع المرأة العلوية الحجاب الإسلامي إلا بعد تقدمها في العمر, ويرتبط ارتداؤه بالحياة القاسية في الريف أكثر مما يعني ذلك رمزا دينيا, رغم أن كثير من مشايخ العلويين يعلقون على خيارهم رفض الحجاب بأنهم “آلوا على أنفسهم بعدم ارتداء الحجاب بعد مسيرة السبي التي تعرضت لها السيدة زينب ونساء آل البيت من العراق إلى الشام”, في دلالة على إشهار تضامنهم مع آل البيت الذين يفتخرون بحبهم لهم.
تتسم ملابس المرأة العلوية بالتحرر إذا ما قورنت بوسطها الإسلامي, وغالبا ما تتأتى صفة التحرر التي توسم بها العلويات إلى ملابسهنّ دون التدقيق فيما إذا كن مستقلات وحاصلات على حقوقهن الفعلية حقا.
ومن هذه الزاوية بالذات يمكن فهم كلام الرحالة الفرنسي ليون كاهون عندما يشبه المرأة في بيت ياشوط بالمرأة الفرنسية في مجاراة الرجال في شرب العرق مساء, رغم أنني أكاد اليوم أشمّ رائحة عرقها بعد مجيئها من العمل المجهد طوال النهار, تحت سلطة الإقطاعي وسلطة الرجل وسلطة التمييز الاجتماعي والديني.
ولاشك في أن التمييز ليس اختراعا علويا, ولا ابتكارا إسلاميا, فالدين الإسلامي كما جميع الأديان السماوية قائمة على العدل والمساواة والحق, وأنه لا فضل لرجل على امرأة ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى, وكم من الآيات ذكرت المؤمنات إلى جانب المؤمنين, والطيبات إلى جانب الطيبين, فإن ذلك ليس من باب الزخرف اللغوي, بل إنه عائد إلى العدل الإلهي والمساواة التي ينظر بها الدين إلى الناس جميعا, ولكن تبقى المشكلة الأساسية في العادات والتقاليد العوراء وتنظر فقط إلى الرجل, وحقوقه, وما له, دون أن تلحظ المرأة, هذا الجناح الذي لا يحلّق بانكساره المجتمع, وتلك مصيبتنا جميعا.
هيام جميل – موقع الكاتبة على الفيس بووك