أخبار عاجلة
الرئيسية » معلومات عامة » كاتدرائية نوتردام.. هذا ما عانته عبر التاريخ قبل الحريق

كاتدرائية نوتردام.. هذا ما عانته عبر التاريخ قبل الحريق

في قلب باريس وفي الأسبوع المقدس لدى ملايين المسيحيين الغربيين الذين يحيون “أسبوع الآلام” وبينما كانت كاتدرائية نوتردام تستعد لاستقبال زوارها في “الجمعة العظيمة”، اجتاحت النيران البناية التاريخية التي تعود لما يقرب من ثمانية قرون حافلة.

عمران عبد الله

ومثلت نوتردام ذروة فن العمارة القوطية منذ العصور الوسطى وحتى مع تراجع الدين في فرنسا في العقود الأخيرة، ظلت القلب النابض للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، التي تفتح يوميا لإقامة القداس كما تعد معلما وطنيا ذا قيمة تاريخية تفوق برج إيفل الشهير.

وكانت آخر مرة عانت فيها الكاتدرائية من أضرار جسيمة خلال الثورة الفرنسية، عندما تم الهجوم على تماثيل القديسين من قبل مناهضين لرجال الدين، ونجا المبنى من انتفاضة الكومونة عام 1871 ولم يتهدم خلال الاحتلال النازي وبقي كذلك خلال الحربين العالميتين سالما إلى حد كبير.

وبينما تغرق الكنيسة الكاثوليكية حاليا في الجدل المحتدم حول إساءة معاملة الأطفال، طالت النيران الكاتدرائية الكاثوليكية الثانية بعد الفاتيكان، وتزامن ذلك مع الأسبوع الأكثر قداسة لدى المسيحيين الغربيين.

واعتبرت “سيدة باريس” لعدة قرون درة العمارة الباريسية، وأصبحت مقصدا سياحيا ودينيا على حد سواء للملايين من السياح والمصلين الذين يتدفقون عبر أبوابها كل عام من جميع أنحاء العالم.

وشب فيها الحريق أمس الاثنين ووصل بسرعة إلى سطحها ودمر نوافذ الزجاج الملون والخشب الداخلي قبل إسقاط البرج التاريخي ذي التصميم المبتكر بالدعامات الطائرة والنوافذ الوردية الهائلة والملونة والزخارف النحتية التي تميزها عن الطراز الروماني القديم، وأتاحت الهندسة المعمارية القوطية للمباني أن تكون أخف وزنا وأن ترتفع لحدود عالية.

الحريق الذي شب في الكاتدرائية أثار حالة هلع واسعة في فرنسا وخارجها (غيتي)

معلم ديني ووطني

أصبحت الكاتدرائية العريقة جزءا لا يتجزأ من الثقافة والتقاليد الفرنسية منذ بدأ العمل بها بمباركة البابا ألكساندر الثالث عام 1163 لتصبح الهيكل الشاهق الذي يهيمن على أفق باريس، واستغرق الأمر ما لا يقل عن قرن من الزمان لاستكماله وجرى إضافة لمسات جديدة باستمرار في الخمسمئة عام التالية لبنائها.

وشهدت نوتردام بخلاف فعاليتها الدينية العديد من الأحداث الكبرى ففي عام 1558 تزوجت ماري ملكة الاسكتلنديين من زوجها الفرنسي فرانسيس الثاني داخل أسوارها، وفي عام 1572، تزوج هنري الرابع ملك فرنسا أيضا بها.

وفي عام 1548، في ذروة الإصلاح الديني تسببت أعمال الشغب التي قام بها البروتستانت في تدمير بعض التماثيل التي اعتبروها وثنية.

وخلال أحداث الثورة الفرنسية عانت كذلك كثيرا، ونُهب العديد من كنوزها وقطعت رؤوس 28 تمثالا، على خلفية الاعتقاد أنهم ملوك فرنسيون وليسوا شخصيات توراتية، لكن العجيب أنها نجت في كل هذه الأحداث من أي حريق مدمر.

وبحلول عصر نابليون كانت نوتردام في خطر الهدم التام لكن حفل تتويج الإمبراطور تم في رحابها عام 1804 في حفل ترأسه البابا بيوس السابع مما أعاد الاعتبار إليها.

وعادت الكاتدرائية لواجهة فرنسا مسرحا لأحداث رواية فيكتور هوغو “أحدب نوتردام” عام 1831، وساعد وصف هوغو في روايته الرومانسية إلى جانب ملاحظاته حول الأضرار التي لحقت بها، في القيام بجولة جديدة من الترميم للمبنى من قبل الملك لويس فيليب في القرن التاسع عشر.

وإضافة لتاريخها الطويل فثمة دلالة رمزية ودينية لموقعها إذ تقع في المكان ذاته الذي شهد بناء أول كنيسة مسيحية في باريس وذلك على أنقاض معبد روماني قديم، ويقول مؤرخون إن أول كنيسة في الموقع بناها الملك شيلدبرت الأول عام 528م، وأخذت الطابع القوطي الفرنسي في البناء التالي لها.

رمز التاريخ والثقافة

وتعد رعاية الكاتدرائية مسألة إشكالية بين الدولة والكنيسة، فرغم أن الكنيسة نجت من 850 عاما من الحرب والثورة لتصبح ثاني أكثر المواقع زيارةً في فرنسا بعد برج إيفل، تبدو البيروقراطية أكبر تهديد يواجه المبنى المتهالك.

وبسبب الترتيب الحرج بين الكنيسة والدولة في رعاية الكنيسة، فمن غير الواضح تماما حدود المسؤولية بينهما عن صيانة المبنى.

ولا تعتبر نوتردام مجرد كنيسة أبرشية، إذ لا يوجد بها مجموعة منتظمة من المصلين الذين “ينتسبون” إليها، لكنها لا تزال الكنيسة الرئيسة لرئيس الأساقفة الكاثوليك ميشيل أوبيتيت في باريس.

وتكشف نوتردام كل عام خلال الأسبوع المقدس عن بعض الآثار المسيحية من بينها التاج المقدس الذي يعتقد كثيرون أنه مصنوع من الأشواك الموضوعة على رأس المسيح، وتضم كذلك قطعتين أخريين متصلتين بالأحداث الأخيرة في حياة المسيح، بحسب المعتقد المسيحي.

ورغم أن نسبة الكاثوليك في فرنسا تزيد على الثلثين، فإن الحريق تسبب في موجة حزن عام وكان مؤثرا بالنسبة لجميع سكان البلاد، إذ كانت الكاتدرائية لفترة طويلة رمزا رئيسا للتاريخ والثقافة الفرنسيين.

المصدر: الجزيرة نت