أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » هذا الموضوع مترجم عن The Atlantic : لماذا يتجه كثير من الأميريكيين لاعتناق البوذية ???

هذا الموضوع مترجم عن The Atlantic : لماذا يتجه كثير من الأميريكيين لاعتناق البوذية ???

طلبت منا معلمة التأمل -حليقة الرأس، ذات الرداء الذهبي الفضفاض- ألا نفعل شيئا. كل ما علينا فعله هو الجلوس صامتين على كراسينا البلاستيكية، وإغلاق أعيننا، وأن نركز حصرا على تنفُّسنا. لم أمارس التأمل يوما، لكن سبق لي وأن ذهبت إلى الكنيسة، لذا حنيت رأسي عفويا. ثم أدركت -نظرا إلى أن هذا الأمر قد يستمر لـ 15 دقيقة- أنه يجب عليّ إيجاد وضعية أكثر راحة لرقبتي.

كانت هذه هي أولى جلستَيْ تأمل في صف لتعلُّم الكادامبا البوذية، التحقت به هذا الأسبوع، بالقرب من منزلي في شمال فيرجينيا، ولم أصل خلالها إلى حالة النيرفانا (حالة الانطفاء الكامل التي يصل إليها الإنسان بعد فترة طويلة من التأمل العميق، أيّ إنه يصبح منفصلا تماما بذهنه وجسده عن العالم الخارجي). كنا في مدينة كبيرة؛ وكانت أصوات صافرات الإنذار تخرق الهدوء من وقت لآخر، وأيضا لأن الصف كان في قبو كنيسة؛ فقد كان الناس يضحكون ويتحدثون عنا في الأروقة. وقد تجوَّل أحد الأشخاص بيننا وتساءل عمّا إذا كانت هذه جلسة لتأهيل مدمني الكحول. لكن أكدت لنا المعلمة أنه كلما ثبتنا تركيزنا على تنفّسنا؛ تلاشت هذه الملهيات.

وبعد أن تأملنا لمدة 15 دقيقة، حوّلت المعلمة تركيزنا إلى موضوع الصف، ألا وهو: التخلص من مشاعر الاستياء. كان هذا هو السبب الرئيسي لحضوري صف التأمل ذاك، عوضا عن ممارسة التأمل بمفردي في منزلي ببساطة باستخدام تطبيق على هاتفي المحمول. لكنني أردت معرفة المزيد عن البوذية ومدى قدرة تعاليمها على تحسين صحتي العقلية، والصحة العقلية لعدد لا يُحصى من الأميركيين الذي توافدوا على اعتناق بعض أساليب وتعاليم هذا الدين في السنوات الأخيرة. لا يسعى أولئك الوافدون الجدد بالضرورة إلى التنوّر الروحيّ أو الانتماء إلى مجتمع ديني؛ ولكنهم بالأحرى يأملون في دفعة سريعة من العلاج السلوكي الإدراكي.

تفاوتت أعمار من تحدثت إليهم بين الشيبة والشباب، إلا أن عددا قليلا منهم ولدوا بوذيين. لعل البعض لم يجد خيارات أخرى، فقد ارتفعت معدلات اضطرابات الصحة العقلية في المجتمعات الغربية، ولم يعد التردد على الكنيسة بانتظام مجديا، وقد أخذت معدلاته في الانخفاض. نعلم أنه يوجد دائما علاج ما، لكنه غالبا ما يكون باهظ الثمن. فقد بلغت تكلفة صف التأمل خاصتي 12 دولارا.

أخبرتنا المعلمة وهي تفتح كتابا يضم تعاليم بوذية أن إثقال النفس بالضغائن والأحقاد أمر ضار. وأن التمسك بمشاعر الكراهية تشبه الإمساك بعصا مشتعلة والشكوى من أنها تحرقنا! ومع ذلك، فإن التعرض للأذى من قبل شخص آخر يؤلمنا أيضا. لذا قالت المعلمة إن السؤال المهم هو: ماذا أفعل بأفكاري إذا ما شعرت أن شخصا ما آذاني؟ يبدو أن الأميركيين في كل مكان يسألون أنفسهم بأشكال مختلفة السؤال ذاته: ماذا نفعل بأفكارنا؟

أب من لوس أنجلوس في الأربعين من عمره تقريبا وصاحب دخل مستقر، حقق معظم أهداف حياته المهنية بترقيه إلى منصب كبير المديرين في شركة كبرى. إلا أن الطابع التنافسيّ للعمل قد أثّر سلبا على زواجه، وكان بصدد الطلاق من زوجته. ونادرا ما كان يرى أولاده الكبار. أخبرني هذا الأب في رسالة إلكترونية قبل أيام قليلة من التحاقي بصف التأمل: “باختصار، أنا أمر بأزمة منتصف العمر”. (طلب عدم الكشف عن هويته، لأن مسألة طلاقه ومشاكله الأخرى ليست علنية).

في العام الماضي، لجأ هذا الوالد إلى العلاج النفسي التقليدي لبضعة أشهر، لكنه لم يستفد منه بالقدر الذي كان يأمله. فقد شعر أنه كان يتلقى تدريبا على كيفية تسويغ مشاعره وتصرفاته المدمرة. ومع ذلك، فقد رشح له طبيبه النفسي كتابين كان لهما أثر مفيد، وهما: كتاب “كيف تصبح ناضجا في العلاقات” (How to Be an Adult in Relationships) من تأليف ديفيد ريتشو، وكتاب “القلب الحكيم” (The Wise Heart) للكاتب جاك كورنفيلد. يطرح كلا المؤلفين مواضيع كتبهم من خلال محاور وأفكار بوذية، وقد عرَّفاه في مطلع هذا العام على ممارسة التأمل.

متعطّشا للمزيد، حضر الأب مؤخّرا جلسة تأمّل بوذيّة في هوليوود، حيث تعلّم أساليب جديدة لتعميق ممارسة التأمل ومن أجل تغيير رؤيته للعلاقات. يشعر الآن بأنه أكثر انفتاحا، وهو على استعداد لأن يكون أكثر استكانة في حضور الأهل والأصدقاء. يقول: “بصفتي كاثوليكيًّا، أعيش صراعا مع بعض المفاهيم الدينيّة البوذية؛ لكن هذا لا يمنعني من تبنّي بعض التقنيات والفلسفات البوذية”. وإضافة إلى هذا، فقد أخبرني أنّ الأمر كما لو أنّ الكونَ كله تآمَر على تقديم البوذيّة له.

ورغم أنّه يصعب تقديم أرقام دقيقة حول مدى شعبيّة البوذيّة، يبدو أنّ البوذية قد بدأت تظهر وتزدهر في العالم الغربيّ.. أصبح كتاب “لماذا البوذيّة صحيحة” للصحفيّ روبرت رايت من أكثر الكتب مبيعا في العام 2017. وقد انتشرت مؤخّرا مراكز التأمّل البوذيّ في أماكن مثل نوكسفيل (بولاية تينيسي) وليكوود (بولاية أوهايو)؛ وهناك عشرات المدوّنات الصوتيّة البوذيّة (بودكاست) تنتشر بين كثير من التطبيقات وقوائم التشغيل المهيّئة خصيصا للتأمل الشخصيّ غير البوذيّ. وتصل نسبة البالغين الأميركيّين الذين يقولون إنهم يقومون بالتأمّل مرّة أسبوعيّا على الأقل إلى 40٪.

كتاب “لماذا البوذيّة صحيحة” للصحفيّ روبرت رايت (مواقع التواصل)

يقول هاغ بيرن، مدير مركز العيش الواعي (Center for Mindful Living) في واشنطن العاصمة، إنّ سوق التأمل المحلي قد “ازدهر في السنوات القليلة الماضية”. وبينما كنت أتنقل من اجتماع لآخر في شوارع العاصمة واشنطن مؤخّرا، لاحظت وجود بعض “مساحات التأمّل” تنتشر في أماكن اعتادت أن تكون مرتعا للمؤسسات الاستهلاكيّة. وقد ساهم انتشار الأبحاث الأكاديميّة حول تأمّل اليقظة الذهنيّة في تحويل الأمر في الغرب من مجرد ممارسة باطنيّة/غامضة يمارسها الهيبيز إلى شيء أشبه بالإرشادات الحياتيّة للجميع.

اكتسبت صور عدة من البوذيّة رواجا في أوساط المشاهير ورواد مجال التكنولوجيا، لكن يبدو أنّ أكثر ما يجذب الأميركيين اليوم تجاه هذا الدين هو الصحة العقليّة. إذ يجد البعض في الديانة القديمة عونا على ترويض صعوبات وضغوط الحياة العصريّة. فكثير من الناس يعانون من الضغط والتوتّر بسبب الدراما المتواصلة للإدارة الحاليّة، وقد ابتلعت ساعات العمل أيّامنا. لذا صار هناك شيء جذّاب في ممارسة تدعوك إلى مجرّد الجلوس والتنبّه وإدراك أنْ لا شيءَ يدوم للأبد. ربّما تأتيك الراحة ببساطة من مجرّد معرفة أنّ المشاكل التي تشوّش على البشر حياتَهم كانت قائمة منذ قديم الأزل قبل أن يولد الجيميل.

هناك القليل من المواضيع والأفكار التي تجمع بين التجارب المتباينة للأشخاص الذي التقيتُهم. إنّ أولى “الحقائق النبيلة” لبوذا هي أنّ “الحياة معاناة”، وقد فسّر العديد من ممارسي البوذيّة الغربيّين هذه الحقيقة على أنّها تعني أنّ قبولَ الألم العاطفيّ قد يكون أفضل من محاولة تخفيفه. يقول دانيل سانشيز، وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره يقيم في نيوجيرسي “تقرّ البوذيّة أنّ المعاناة أمر حتميّ. لذا لا ينبغي أن أركّز على تجنّب المعاناة، ولكن أن أتعلّم كيفيّة التعامل معها”.

إضافة إلى التأمّل كلّ صباح ومساء، يقرأ سانشيز “السوترا الماسية” و”سوترا القلب”، وهي نصوص من العصور الوسطى الباكرة، ويستمع إلى أحاديث الزن (Zen). تعد تلك النصوص افتراقا عن المحتوى التقليديّ في العلاج النفسيّ، الذي يحث المرء على التفكير فيما قد يجعل المرء سعيدا حقّا. يشير الفكر البوذيّ إلى أنّ المرء ينبغي ألّا يكون مهووسا بالتوق إلى الراحة وتجنّب المشاق، وهو الأمر الذي يرى البعض أنّه إيذان بالتخلّي عن مذهب المتعة (hedonism).

أخبرني غالين بيرنارد، وهو مدرّب يقيم في كولورادو، أنّ كتاب “راحة اللا يقين” (Comfortable With Uncertainty) للراهبة البوذيّة بيما تشوردون، كان له أعظم الأثّر على سعادته، ربّما باستثناء تجربته الأولى مع عقار بروزاك. يقول إنّ الكتاب وتعاليمَه ساعداه على تجنّب تصنيف بعض التجارب على أنها سلبيّة. على سبيل المثال، كان الانتقال إلى علاقة صداقة محضة مع حبيبته السابقة بعد انفصالهما مؤلما في البداية؛ لكن كتابات تشوردون وآخرين قد ساعدته في أن يرى أنّ الأمور “قد تبدو مؤلمة للغاية، لكنّها مجرّد تجربة أمرّ بها… قد تكون بابا للسعادة والبهجة على الجانب الآخر”.

كتاب “راحة اللا يقين” (comfortable with uncertainty) للراهبة البوذيّة بيما تشوردون (مواقع التواصل)

منذ عقود كان الناس ولا يزالون يحاولون تنمية أنفسهم من خلال الدروس والندوات، وكان العديد منها يشمل بعض مبادئ الديانات الشرقية. أثرت حركة الإمكانات البشرية التي ظهرت في الستينيات في أعمال عالِم النفس التأسيسي أبراهام ماسلو، وفي حركة راجنيش –وإن لم يكن بالقدر نفسه ربما- والتي وثقها مسلسل “Wild Wild Country” على شبكة نتفليكس. في السبعينيات، وفرت مؤسسة “Erhard Seminars Training” أو (EST) دورات تدريبية في طريقة “تحمل مسؤولية حياتك” و”أن تفهم”.

ما يختلف في البوذية –وربما يدعو إلى الاطمئنان كذلك- هو أنها ديانة قائمة بالفعل، يعتنقها نصف مليار شخص. ولأن عدد الأميركيين البيض الذين نشأوا على الديانة البوذية قليل، فهم لا يرجعون اعتناقهم لها إلى تأثير عائلاتهم في طفولتهم كما المسيحية أو اليهودية. وبينما يوحي ذلك بنوع من الحرية، فإنه يعني أيضا أن ممارسة البوذية العلمانية أحيانا ما تختلف تماما عن الديانة نفسها. يقرأ جميع البوذيين العلمانيون الذين تحدثتُ معهم من أجل كتابة هذا المقال كتبا مختلفة، ويستمعون إلى مدونات صوتية مختلفة، ويتبعون معلمين وتقاليد مختلفة. ولا تتسق تفسيراتهم للتعاليم البوذية بالضرورة مع بعضها البعض أو مع النصوص التقليدية.

عرضتُ بعض أفكارهم على ديفيد مكماهان، الخبير في الديانة البوذية في كلية فرانكلين ومارشال، وأخبرني أن بعض التفسيرات الغربية تغيرت بعض الشيء عن الثقافات والسياقات البوذية الأصلية. تحمل البوذية مجموعة من القيم والأخلاقيات التي لا يلتزم الأميركيون بها في حياتهم دائما. وتماما كما يتجاهل “كاثوليكيو الكافيتريا” ما لا يناسبهم في الديانة، يركز بعض الغربيين على بعض مبادئ الفلسفة البوذية فقط، ويرفضون أمورا أخرى مثل الاستنساخ وعبادة بوذا. لنسمّهم “بوذيو المقصف”. يقول مكماهان إن بعض الممارسات المعينة مثل التأمل “تصير أشبه بقطعة الإسفنج الجافة” عندما تُنتَزع من سياقها البوذي، ويضيف أنها “تمتص القيم الموجودة في الأرجاء أيًّا كانت”. لا يمارس الرهبان التقليديون التأمل “كنوع من التجارة”.

قد لا تكون المائدة البوذية تقليدية، لكن مرونتها تسمح لمعتنقيها بتطويع فلسفتها بسهولة أكبر لتكون مثل صدمة مضادة للاكتئاب. والبعض يمارسون البوذية والتأمل كبديل للعلاج النفسي أو للأدوية النفسية
مواقع التواصل

يقول أتوري جونسون، نادل وعامل في قطاع السياحة يمارس التأمل بانتظام، إن ما يُسمى بالبوذية العلمانية “أكثر يُسرا للأشخاص الذين لن يُعرفوا أنفسهم في المقام الأول بأنهم بوذيون، أو ينتمون بالفعل إلى ديانة أو فلسفة أخرى، لكنهم يرغبون في تبني بعض جوانب الممارسات البوذية لتطوير نظرتهم الحالية إلى العالم”. (في الواقع، تؤكد مراكز تأمل كثيرة على عدم وجوب أن تكون بوذيا من أجل حضور الجلسات).

قد لا تكون المائدة البوذية تقليدية، لكن مرونتها تسمح لمعتنقيها بتطويع فلسفتها بسهولة أكبر لتكون مثل صدمة مضادة للاكتئاب. والبعض يمارسون البوذية والتأمل كبديل للعلاج النفسي أو للأدوية النفسية، نظرا إلى تكلفة خدمات الرعاية الصحية النفسية ونقصانها: 60% من المقاطعات في الولايات المتحدة لا تملك أي أطباء نفسيين. يقول برنارد: “لديّ تأمين صحي ممتاز.. لكني إذا احتجتُ إلى دعم، فوقت الانتظار يصل إلى شهر ونصف لرؤية شخص جديد. ولذلك فامتلاك مرجع يمكنني فتحه متى أردتُ هو أمر بالغ الأهمية”.

بعض الناس يتجهون إلى البوذية وإلى العلاج النفسي في الوقت نفسه. يقول بيرن، مدير مركز العيش الواعي (Center for Mindful Living): “هناك قدر من التداخل بين سبب إقبال الناس على العلاج النفسي وإقبالهم على جلسات التأمل”. بل إن بعض المعالجين النفسيين بدأوا في دمج بعض المصطلحات البوذية في علاجهم. توفر تارا براش، طبيبة نفسية ومؤسسة مركز “Insight Meditation Community” في واشنطن العاصمة، جلسات تأمل ومحاضرات على موقعها بعنوان “From Human Doing to Human Being”. وفي ولاية تكساس، تُشجع المعالجة النفسية مولي ليتون عملاءها على “التأمل في أفكارهم” بوعي، بدلا من “الخوض في حلقة أفكارهم المفرغة”.

يبدو معلمو التأمل مثل المعالجين النفسيين، ويقدمون النصائح العملية للتعامل مع الأزمات الوجودية
مواقع التواصل

وعلى النحو نفسه، تساعد ماري ليز أوستن التي تمارس الطب النفسي في مركز “Center for Mindful Living”، العملاء على إدراك أن “التعلق بالنتائج هو ما يسبب المعاناة حقا”. وأحد تعاليمها المفضلة الأخرى هي القول المأثور للراهبة شودرون “كل شيء قابل للإصلاح”. تشير هذه المقولة في جوهرها إلى أن شيئا جيدا قد يولد من رحم حتى أسوأ اللحظات. تقول أوستين: “أمر بتجربة مع حماي في الوقت الراهن، فهو يحتضر جراء إصابته بالسرطان. إنه لموقف سيئ. لكن ما أراه هو أن ثمرة تشخيص إصابته بالسرطان هي وقوف الجميع بجانبه، إنهم يظهرون له حبا مدهشا، وهو ما يسمح لك برؤية الأشخاص في حياتك بطريقة تظهر لك ما هو مهم حقا”.

أحيانا، يبدو معلمو التأمل مثل المعالجين النفسيين، ويقدمون النصائح العملية للتعامل مع الأزمات الوجودية. كتب بيرن الذي يعلم التأمل أيضا كتابا عن قوة اليقظة الذهنية في تغيير العادات. فهو يلجأ لتأمل اليقظة الذهنية لمساعدة الناس على إدراك حتمية الزوال، وهي من تعاليم البوذية الأخرى، التي تكمن فكرتها في رؤية مشاعرك وتجاربك، ومن بينها القلق والألم، وهي تتبدل باستمرار “مثل أنماط الطقس العابرة” على حد قوله. كل شيء يفنى في النهاية.

وهو ما تجده سيسيليا سعد بدورها عنصرا جذابا في البوذية. قبل ثلاثة أعوام، شُخصت صديقة مقربة لها بالسرطان، وذهلت سيسيليا من مدى هدوئها وطمأنينتها أثناء التشخيص والعلاج. تقول: “تحدثنا كثيرا عن رؤاها ومنطلقاتها في الحياة وهي دائمة الذكر لبوذيتها”. والآن عندما تجد سيسيليا نفسها قلقة تجاه أمر ما، يساعدها مبدأ حتمية الزوال في تخيل نجاتها من الحدث الذي تخشاه.

في فصل التأمل الذي أحضره، تقرأ المعلمة من كتابها بصوتها المنتظم المنساب. يخبرنا الكتاب عن سببين قد يدفعان أحدهم لإيذائنا، الأول أن يكون الإيذاء من طبيعته، أو أن ظرفا مؤقتا دفعه للإيذاء. وفي الحالتين لا يوجد سبب للغضب تجاه هذا الشخص، على حد قول المعلمة. طبيعة الماء الرطوبة، لذا لا تغضب من المطر إن أصابك بالبلل. وبالتأكيد فإنك لن تلوم السحب على إمطارها بسبب نظام الطقس الذي تتحرك خلاله. سألتنا المعلمة: “متى نكون مجبرين على أذية الناس؟”، وأجابت قبل أن تنتظر إجابتنا: “حين نتألم. من السهل أن نمتلك بعضا من حس التعاطف، إن رأينا الخوف الكامن”.

طلبت منا أن نغلق أعيننا ونتأمل مجددا، هذه المرة علينا أن نفكر في التخلي عن كراهيتنا تجاه شخص أذانا. تحركت بطريقة غريبة وتساءلت عن شعور الرجل مفتول العضلات الجالس أمامي مرتديا قميصا من نوع ليفت لايف. لم أستطع التركيز على الكراهية وفُتحت عيني دون قصد. كانت درجة الحرارة تبلغ 30 درجة في الخارج، ومع ذلك شُغلت معظم المقاعد. كان امتلاء المكان باعثا على الرضا. مع ذلك كان من اللافت للنظر مدى استعداد هذا العدد للخروج في هذا الطقس السيئ، فقط لأجل تحصيل بعض الحكمة الأساسية حول الكيفية التي تُمكن المرء من أن يمسي أقل حزنا.

في مدرسة أيام الأحاد، كنا إذا فتح أحدنا عينيه أثناء الصلوات، وشى به الصبية الآخرون، مثبتين على أنفسهم تهمة أنهم فتحوا أعينهم أيضا. هكذا يحرق الناس أنفسهم أحيانا، ليحصلوا على فرصة لإيذاء الآخرين. أخذت نفسا عميقا وحاولت التحلي ببعض التعاطف تجاههم على كل حال.

المصدر: الجزيرة نت