أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » وضاح شرارة : سجون “داعش” لا تترك آثاراً ولا أطلالاً

وضاح شرارة : سجون “داعش” لا تترك آثاراً ولا أطلالاً

في معرض بحث اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن لويزا أكافي، الممرضة النيوزيلاندية، وعلاء رجب ونبيل بقدونس، السائقين السوريين- والثلاثة خطفوا في 13/10/2013 في طريقهم إلى إدلب في قافلة إنسانية ويرجح أن “داعش” هو الخاطف والسجان- ناشد مدير عمليات اللجنة، دومينيك شتيلهارت، من يعلم شيئاً عن الثلاثة إبلاغهم ما يعلم. وكان شتيهارت أمل أن تتكشف هزيمة التنظيم الارهابي، وانحسار سيطرته على آخر جيوب كان يسيطر عليها، في الرقة وهجين والسوسة والباغوز الفوقاني، عن الأسرى والرهائن والمخطوفين، أو عن آثار تقود إليهم أو إلى معرفة مصيرهم.

فالأسرى يسجنون أو يحبسون في محبس أو حبس. ويفترض أن يكون سجنهم مغلقاً، ويعزل المسجونين عن الخارج بجدران وسقوف. وحين طردت “قوات سوريا الديموقراطية” (“العربية- الكردية المدعومة من تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الاميركية”، في تعريف سائر) التنظيم الارهابي من معاقله السورية كلها، بحثت في سجونه، بين الرقة والباغوز، عن آثار خلفها المسجونون وراءهم، في معتقلاتهم. وهذا البحث يصدر عن تجربة تكاد تكون عامة. فحيث يلفي ناس محبوسون قسراً أنفسهم في مكان مسور، منقطعين من تواصل العالم المشترك، ومن علامات استدلاله في المكان والزمان، يلجأون إلى نظام تعارف وتعريف بديل يدرجهم في عالم مشترك، ويسعف قراء الآثار على تعقب أحوالهم وأطوارهم.

وإذا وسع الناس وهم أحرار التصرف، كتابة وتصويراً وتاغاً، بالجدران ومساحات الكتابة المتاحة في جوانب مستطيلات الحجارة (ميناء غزة على سبيل المثل)، لم يتركوا سنتيمتراً واحداً لم يسطروا عليه سطورهم. فكتبوا مناشداتهم (“كوني لي وطن أكن لك…”) ورؤاهم (“يرتسم أمامي محياك”) ومواعيدهم (“لموش” 4/12) وهواتفهم، وعهودهم (“الدنيا التي تخلو منك… تخلو مني 21/10/2017”)، وتهانيهم (“عقبال 120…”)، وأيامهم (“one day we will be، وقلوبهم أو صورها، وأسماءهم المرمزة… وتظلل سماء يلعب الغيم في ملعبها الفسيح محاورةَ “الكتّاب”، الشبان على الارجح، بعضهم بعضاً وقراءهم العابرين، وشركاءهم في أمور معلومة وأخرى مجهولة. وتظلل السماء الطلقة معالم تاريخ قريب وأطلاله الاسمنتية.

وإنسان العصر الحجري رسم على جدران المغاور، في لاسكو الفرنسية وغيرها، مشاهد من صيد الثيران، المقدسة ربما، وركضها. وأراد الرسامون أم لم يريدوا، “تقول” رسومهم مواد ألوانهم وصناعتها وحفظها ومصادرها النباتية والمعدنية وبعض دلالاتها، وتقول خطوطهم بعض وجوه تناولهم عالمهم وأشياءه. ومن مغاور لاسكو إلى مراحيض المقاهي والمطاعم والمدارس والحانات ومحطات السفر، في أنحاء العالم كله، أقام البشر على تدوين أسمائهم، وأرقام هواتفهم، وتاريخ اعتقالهم وأهومتهم ودعواتهم على الجدران والحيطان النظيفة والوسخة، الخفية والظاهرة، المصنوعة من السيراميك أو من الاسمنت العاري، المطلية بالدهان أو بالكلس. وقد يطبعون عليها آثار الشفاه أو يمرغون لعابهم أو منيهم أو غائطهم. فالأثر، أيُّ أثر، خير ألف مرة من إغفال العدم والغياب والصمت.

فماذا فعل “داعش”– وهو أسر الآلاف من أهل البلاد التي حكمها “بالسيف” على قوله، وبنار المدافع والمتفجرات والبنادق وحديد المدرعات وناقلات الجند، وبـ”إيمان” المتطوعين والمرتزقين الانغماسيين واحتياط المصارف، فعلاً-، حين نفذت كلمته و”شريعته” في أسراه وسباياه ورقيقه؟ صنع “سجوناً ومعتقلات ومنفردات” (محابس انفرادية)، على قول عسكري من “قسد”. وهذا “طبيعي”. فأهل السلطان في الحضارات كلها، والثقافات على أنواعها، الغربية الملعونة الآفلة والشرقية المشرقة الوارفة، عزلت في أماكن محكمة الغلق من تحملهم على الانتهاك أو التمرد أو الخروج.

وأدرك أبوبكر البغدادي و”نخبته”، وربما سبقه الظواهري أو بن لادن إلى إدراكه النافذ و”العبقري” هذا، أن الحبس، والحجز بين المحبوسين وبين عالمهم المعتاد والمشترك، يقصِّر عن قطع الروابط والأواصر التي تشد المسجونين إلى الاجتماع والعمران. فما يجدر بالمعتقل الداعشي (وهو مرفق من مرافق “الدولة الاسلامية” على زعمه أي إنه صيدناياها – المعتقل الأسدي السوري- وإيفينها- المعتقل الخميني الايراني- وقصر نهايتها- المعتقل الصدّامي العراقي، وأبوغريبها الاميركي الاحتلالي…) أن ينجزه، وينفخ فيه روح ثقافته وحضارته المشرقيتين هو قطع دابر المسجونين بعد إخلائهم سجنهم وجلائهم عنه إلى حيث يعلم أحد أو لا يعلم.

فـ”داعش”، ومن لف على غرار لفِّه أو قريباً منه، لا يقتصر على العزل والقطع والقتل حاضراً، بل ينظر إلى أبعد، إلى مصير الآثار التي قد يخلفها أسير الحرب، وقد تكون اسمه وحده ليس إلا، فتشي بفعل “الخليفة”، وتنشئ رابطة بين الرهيبنة وبين متعقبي الآثار وقرائها. ومن طريق هذه الآثار القليلة والغامضة يعود الرهائن الى عالم الأحياء ولغته ويدخلون مداولاته وأحكامه ومنازعاته. وعلى قدرٍ ما، يحيون. وينهض هذا دليلاً على ضعف “داعش”: فهو إذا أراد موت أسيره وجَبّ أثره، أخفقت أو حبطت إرادته.

فعمد إلى “تلبين (تطيين) جدران السجون والمعتقلات والمنفردات” وذلك سعياً في “مسح الأسماء والذكريات المنقوشة على حيطانه”، قال عسكري من “قسد”. وبعد التلبين (باللِّبن) “دَهَن (داعش) المهاجع الكبيرة باللون الأبيض لإخفاء ما تبقى من ذاكرة المعتقلين”. ويشرح الرجل السبب في المرحلة الثالثة، بعد التلبين والتبييض، وهي التحريق: “كان عناصر (داعش) يقومون بحرق وتلبين (و) دهان مقراته وسجونه السرية لعدم معرفة شيء عنهم” (عن المعتَقلين وعن المعتقِلين، معاً وجميعاً). وعلى هذا، يطلي السجانون ثلاث طبقات على بقية المسجونين: طبقة اللبن، وطبقة الدهان، وطبقة (الحرق بـ) النار. وفي آخر المطاف “أسمي غياباً الوجه الذي كنته، صمتاً صوتك” (رينيه شار في مقالة سجّاني المجانين وحرسهم، والسجانون والحرس ليسوا أصحاب الوظيفة المرسومة وحدها، فهم منطق المعاملات والأحكام، والمعارف التي تسوغ الوظيفة وتدخلها في شبكة وظائف متماسكة).

فالمعتقل الداعشي لا يقنع بالعزل اقتصاصاً أو منعاً لضرر قائم أو مؤجل، ولا بالقتل ثأراً أو جزاءً أو رداً، ولا بالاستئصال إرهاباً وترويعاً. فهذه كلها تتناول الكيان المادي وحدوده العملية وتحتسب عمليات قانونية وجزائية، منحرفة من غير شك ولكنها تحتكم إلى عقلانية حسابية، ولا تخلو من التبديد الفظيع، ربما على مثال الحرب عموماً والحروب المقدسة والأهلية على وجه الخصوص. فلا يقتصر المحو على الرمي في العدم، على نحو ما يرمى المكبل بالحديد في البحر أو النهر، فيطويه الماء وقاعه العميق. ويتطاول الاعتقال الداعشي، أو هو يريد التطاول إلى المعاني التي يبسطها جدار ميناء غزة على الملأ، وتقيم في الظل على جدران السجون والمستشفيات وغرف الانتظار والمقاصف وغيرها مثلها. وتفترض هذه المعاني مخاطَبين إنساً (يأنسون، وإذا ازدوجوا صاروا “انسان”، على زعم كمال يوسف الحاج نقلاً ربما عن مارتن بوبر، الألماني- “الفلسطيني” وجامع “أنا وأنت” في تضايف وتلازم لا فكاك منه لواحدهما من الآخر).

وينبغي أن يحرم إعدام الآثار ثلاثاً (التلبين والتبييض والتحريق) المسجونين والمعتقلين والموقوفين من القيام في زمن حاضر أو ماض، وفي زمن آتٍ من بعد. ونظير الحرمان يتمتع جند “داعش” بسلطان يعصى التصور، وينشئون نظاماً يوكل إليهم إخراج البشر من إنسانيتهم ونفيهم منها، ويبرر سؤال بريمو ليفي: “أيكون هذا إنساناً؟”. ويكاد يضارع هذا ما سماه علماء الكلام الوسطي (القرون الوسطى) الاوروبيون ” ظل السلطان” (الإلهي) أو ظل “القدرة”. فهم سألوا: هل في سلطان الخالق ألا يكون ما كان؟ وبعضهم أجاب، على شاكلة “داعش”، بالإيجاب. والسؤال والجواب حديثان. ففي رواية أورويل، 1984، ينصرف طاقم عريض من الموظفين إلى محو الآخبار والوقائع التي لا تتفق مع مصائر أصحابها الحالية، على غرار محو صورة تروتسكي القريب من لينين بعد خلافه مع ستالين. وقبل أقل من عقدين دمر “طالبان” الأفغاني تماثيل بوذا في باميان، وهي نحتت قبل نيف وألفي عام، في “جاهلية” القوم. واحتذى “داعش” في الموصل وتدمر، ونظيره في تومبوكتو، أثر “الدولة” الطالبانية. فينبغي أن تضمّ مقابر الجثامين مواضي أصحابها الأحياء.